الخميس، 5 فبراير 2026

💥عثرات الضوء💥قصة.ق. بقلم الأديب د. أسامة محمدزيدان

 قصة قصيرة.

" عثرات الضوء "

كانت الشمس تميل للغروب حين قرر "أبو  علي " أن يقطع المخيم من وريده إلى وريده. لم تكن الأزقة مجرد ممرات ضيقة، بل كانت تاريخاً متشابكاً من الجدران المتكئة على بعضها كعجائز أرهقهن الانتظار.

عند المنعطف ، حيث تزداد الأرض وعورة، انزلقت قدمه وغاصت في وحلٍ خلفته أمطار الليلة الماضية. مال جسده ميلاً خطيراً، وكاد جبينه أن يلامس الأرض، لولا أن يداً شابة امتدت لتمسك بكتفه بسرعة.

كان "محمد"، جاره الشاب، يحاول مساعدته وهو يقول بنبرة ملؤها الشفقة:

— "يا عمي أبو علي، هون على نفسك.. الطريق وعر والليل اقترب، لِمَ لا تستند إليّ أو ترتاح قليلاً على هذا المقعد الحجري؟"

توقف أبو علي ، تنفس بعمق وهو يمسح ذرات التراب عن كوفيتة، ثم نظر إلى عين الشاب بابتسامة هادئة وقال:

— "يا بني، هذا الطريق لا يُقطع بالراحة، بل بالاستمرار. التعثر هنا ليس سقطة، بل هو اختبار لمتانة الأرض تحت أقدامنا."

رد محمد وهو ينظر إلى ثياب العجوز التي تلوثت بالطين:

— "لكنك تعثرت كثيراً اليوم يا عمي، ألا تتعب؟"

اتكأ أبو علي على عصاه للحظة، لكنه ظل مشدود الظهر كرمح، وأجاب بصوت رخيم:

— "أنا لا أحسب عدد المرات التي تعثرت فيها، بل أحسب عدد المرات التي قررت فيها ألا أبقى أرضاً. انظر إلى هذه الجدران يا محمد ، إنها تميل لكنها لا تنهار.. ونحن مثلها، خُلقنا لننتفض بعد كل عثرة."

ترك يد الشاب بلطف، ورفض أن يتوكأ عليه. سار بخطوات أبطأ لكنها أكثر ثباتاً، وكلما ارتطم حذاؤه بحجر ناتئ، كان يزداد طولاً في عيون الواقفين.

وصل إلى نهاية المخيم حيث تنفتح السماء. وقف هناك مسح بيده على تجاعيد وجهه التي تشبه تضاريس الطريق، وابتسم بمرارة ، والتفت إلى محمد الذي كان لا يزال يراقبه بذهول، وقال بكلمة أخيرة قبل أن يغيب في الزحام:

— "المهم ليس ألا تتعثر.. المهم أن تظل منتصب القامة وأنت تفعل ذلك."

غاب أبو علي في زحام الأزقة، لكن وقع خطاه ظل يتردد في أذن محمد كإيقاعٍ منتظم. نظر محمد إلى يده التي حاول أن يسند بها العجوز، ثم نظر إلى الطريق الوعر أمامه. لم يعد يرى الوحل عائقاً، بل رآه جزءاً من حكايته هو الآخر. عدّل الشاب وقفته، شدّ قامته نحو السماء، ومضى في ذات الطريق الذي سلكه العجوز، متعمداً أن يضع قدمه فوق مواضع العثرات، مدركاً لأول مرة أن الانتصاب ليس في الظهر فحسب، بل في الروح."


د. أسامة محمد زيدان.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

🥀من يشتري مني كلمات🥀بقلم الشاعر/ معز ماني

 من يشتري منّي كلمات ؟ فقد تعبت .. من حمل هذا العالم في قصيدة  ومن تنظيف الخراب بالمجازات .. من يشتري منّي كلمات ؟ لقد هرمت .. وأنا أشرح للن...