" حروف مكسورة "
كانت الخيمة تئن تحت وطأة الريح، كأنها هي الأخرى جائعة. في زاوية معتمة، وقف "أبو أمل" وظهره يرتسم كقوس مشدود تحت ثقل الهموم، لا تحت ثقل السنين. كان في يده شيءٌ يشبه المعجزة في هذا الزمن: كسرة خبز محترقة الأطراف.
رفعها إلى مستوى عينيه، فبدت في يده كدعاء يائس رُفع إلى سماء صامتة. أغمض عينيه وتخيل لو أن قطرات من حساء العدس الدافئ تبلل قسوتها، مجرد لمسة تعيد إليها طعم الحياة، لتكفيه صبراً على يومه الطويل.
لكن صوتاً خفياً قطع حلمه... لم يكن صراخاً، بل كان أنيناً أشدّ فتكاً.
زاغت عيناه نحو ركن الخيمة؛ هناك كانت القلوب الصغيرة ترتجف. أطفاله الثلاثة متكورون فوق بساط مهترئ، بدوا في صمتهم وضمور أجسادهم مثل "حروف مكسورة" سقطت من كتاب الوجود ونُسيت في الهامش. كانت بطونهم تتلوى بصمتٍ يضجّ بالوجع، وجوعهم لم يكن مجرد حاجة، بل كان وحشاً ينهش براءة ملامحهم.
تطلع إلى الكسرة في يده، ثم إليهم. شعر بمرارة تفوق مرارة الحرق الذي أصاب أطراف الرغيف.
دار في ذهنه صراع مرير:
"أنا عمادهم، إن سقطتُ سقطوا..." (همست نفسه).
"لكن جوعهم أحق، وصغرهم أضعف..." (صرخ قلبه).
ترددت يده في الهواء، وبقيت الكسرة معلقة بين فمه الجاف وبين الأفواه التي تنتظر المعجزة. أدرك في تلك اللحظة بشاعة الواقع؛ حين يتحول "الحلم" من طموحٍ بالحرية أو الرغد، إلى مجرد قطعة عجين يابسة.
بأصابع ترتجف، قسّم الكسرة إلى أجزاء أصغر من أن تُشبع، لكنها أكبر من أن تُرفض. اقترب من الحروف المكسورة، وبدأ يرمم انكسارهم بما ملكت يداه، تاركاً لنفسه الفراغ.. وصوت الريح.
تحشرجت الأنفاس في صدر الأب وهو يرى أصغر بناته، "سارة"، تفتح عينيها الذابلتين. كانت عيناها تسألان قبل لسانها، بينما بقيت كسرة الخبز المحترقة مخبأة خلف ظهره كأنها سرٌّ مقدس.
اقترب منها، فجذبت طرف ثوبه المتهالك وقالت بصوت واهن كخيط حرير:
— "يا أبي.. هل عاد الخبز من الرحلة؟"
ابتلع الأب غصة مريرة، وجلس على الأرض لتصبح عينه في مستوى عينيها، ومد يده بالكسرة:
— "عاد يا صغيرتي.. لكنه عاد متعباً مثلنا، انظري.. لقد لفحته الشمس حتى صار لونه داكناً عند الأطراف."
تلمست سارة طرف الرغيف اليابس بأصابعها المرتجفة، ثم نظرت إلى وجه أبيها الشاحب وقالت:
— "لكنه وحيد يا أبي.. أين "العدس" الذي وعدتني أن يغسل تعب الخبز؟"
أغمض الأب عينيه، كأنما يستحضر طيف الرائحة من ذاكرة بعيدة، وهمس:
— "العدس ضلّ الطريق في الضباب.. لكن الخبز القوي لا يحتاج رفيقاً ليُشبع الأبطال مثلكِ."
مدت سارة يدها الصغيرة، وكسرت قطعة من الأطراف المحترقة التي كان الأب يشتهيها، ورفعتها إلى فمه الصامت:
— "كلها أنت يا أبي.. ظهرك صار منحنياً مثل قوس الرماية، أخاف أن ينكسر إذا لم تأكل."
هنا، تلاقت النظرات؛ عينان تفيضان براءة وعينان تغرقان في العجز. دفع الأب يدها برفق نحو فمها الصغير، وقال بابتسامة موجعة:
— "يا سارة.. الجوع في بطنك يؤلم قلبي أكثر مما يؤلمني الجوع في جسدي. خذيها.. فالحلم اليوم صار صغيراً جداً، يكفي لقمة واحدة.. وأنتِ حلمي."
صمتت سارة، وبدأت تمضغ قطعة الخبز ببطء شديد، كأنها تحاول إطالة عمر "الحلم"، بينما كان الأب يراقب "الحروف المكسورة" من أطفاله وهم يتحلقون حول الفتات، مدركاً أن أعظم الانتصارات أحياناً هي مجرد لقمة تُعطى بـحب.
د. أسامة محمد زيدان.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق