" أنا جوعان ولو تحت الركام "
كان "خالد" يجلس في غرفته الدافئة، ينظر إلى هاتفه بملل، ثم تنهد قائلاً لصديقه عبر الهاتف: "يا رجل، أنا جائع جداً، سأطلب طعاماً".
في تلك اللحظة، كان صدى كلماته يتردد في مكان آخر، مكان لا تشبهه الرفاهية.
في زاوية مظلمة تحت أنقاض مبنى منهار، كان الجسد المنهك يصارع، والروح تخاطب الجوع قائلة: "سهلٌ عليك يا خالد أن تقولها وثلاجتك عامرة. لكنه صعبٌ جداً حين أصرخ أنا جوعان، موجوع، وأنا أعلم أن كسرة الخبز بعيدة كالحلم".
أجاب الجوع بصوت خفيض ولكنه مخيف: "لا تستهن بي.. أنا لا أقتل مباشرة فحسب، أنا أرعبك، أرسلك تبحث عن كيس طحينٍ في وسط ساحة المعركة.. فتعود محمولاً بكفنٍ أبيض".
ساد الصمت لحظة، قبل أن يهمس الجسد بلسان من عرف الحقيقة: "نعم.. هنا تحت الركام، نجا من مات".
تداخلت أصوات المحتجزين تحت الأنقاض كأشباح تنادي:
في زاوية، طفلة صغيرة تفتح عينيها بصعوبة في الظلام، تسأل بصوت مبحوح: "أنا عايشة يا عمو؟".
على بعد أمتار، طفلة أخرى لم تعد تقوى على الكلام، تحرك إصبعها بضعف، أملًا أن يراها أحد أو يلمح حركتها.
سمعت أصوات صراخ امرأة، تصرخ وتنادي على جيرانها، وهي لا تعلم أن من حولها قد أصبحوا شهداء.
وفي وسط هذا الرعب، صوت رضيع يبكي بمرارة، يطالب بثدي أمّه، فتأتيه الإجابة من صدى روحها: "يا صغيري، نفذ الحليب، وأمّك في السماء".
على سطح الركام، وقف رجل، ينظر إلى ما تبقى من منزله، يرفع يديه للسماء ويناجي ربه: "يا رب.. أخرج أحدهم حيًّا".
وفي القاع، كان الجميع يدركون حقيقة واحدة: نعم.. نجا من مات.
أنهى خالد مكالمته الهاتفية، ووضع الهاتف جانباً ليتجه نحو الثلاجة، يفتحها بلامبالاة ليخرج منها ما يشتهي. في تلك اللحظة، ظهر على شاشة هاتفه إشعار مباشر (Live) من هناك ...
توقف خالد، وتجمدت يده على مقبض الثلاجة. لم يعد يسمع صوت تليفزيونه الصاخب، بل اخترق مسامعه صوت الطفلة التي كانت تسأل: "أنا عايشة يا عمو؟".
تلاشت برودة الثلاجة أمام سخونة المشهد على الشاشة؛ رأى الرجل واقفاً على ركام منزله، يمسح الغبار عن وجهه، ويرفع يده بالدعاء، نفس المشهد الذي كان يرويه الجسد المنهك تحت الأنقاض.
نظر خالد إلى الطعام الذي في يده، ثم إلى الشاشة، وشعر بثقل عجيب يطبق على صدره. لم يعد الجوع في عقله سوى رغبة في التذوق، بينما رأى بعينه حقيقة "الجوع الذي يرسلك تبحث عن كيس طحين.. فتعود بكفن أبيض".
أغلق خالد الثلاجة دون أن يأخذ شيئاً، وجلس مطأطأ الرأس، مدركاً أن المسافة بينه وبينهم ليست جغرافية فقط، بل هي مسافة بين حياة الرفاهية وموت البقاء.
أصبح صدى جملة "نجا من مات" يتردد في غرفته الدافئة، محولاً جوعه العابر إلى حزن عميق.
د. أسامة محمد زيدان.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق