مسرحية قصيرة: «مَجْلِسُ العِصِيّ» ثلاثية بين الحكيم والرافعى
بقلم: د. طارق رضوان جمعة
[ستار نصف مرفوع. قاعة يغمرها ضوء أزرق خافت. أربع عصي تتقابل كأنها مجلس شيوخ صامت.]
الراوي:
في ليلةٍ نسيَ فيها البشرُ أنَّ للرموز أرواحًا،اجتمعَتِ العِصِيُّ…لا لِتَتَّكِئَ، بل لِتَتَكَلَّم.
[ضوء ذهبي على عصا موسى]
عصا موسى:
أنا التي أُلقيتُ فصار الخوفُ حيَّة،
وضُرِبتُ فصار البحرُ طريقًا.
ما كنتُ يومًا خشبًا… بل أمرًا إذا أراد الله له «كُن» صار آية. فرعونُ رآني سحرًا، والمؤمنُ رآني يقينًا،
أما العارفُ… فرأى يدَ الله قبل أن يرى العصا.
[إظلام خاطف، ثم ضوء أبيض هادئ على عصا أسقليبيوس]
عصا أسقليبيوس:
وأنا التي التفَّ حولها الثعبان، لا ليُخيف الناس… بل ليذكّرهم أن السمَّ قد يصير دواء. أسيرُ مع الطبيب بين الألم والرجاء، فإذا بكى الجسدُ همستُ له: “ما دام الوجعُ يتكلم… فالحياةُ لم تغادر بعد.”
[ضوء دافئ على عصا الحكيم]
عصا الحكيم:
أما أنا… فلا بحرَ شققتُ، ولا جسدًا شفيتُ، لكني عبرتُ بأممٍ من ظلام الجهل إلى ضوء المعنى.
أنا عصا الفكر؛ إذا حملني الأديبُ صرتُ قصيدة، وإذا حملني الفيلسوفُ صرتُ سؤالًا يُقلق النوم. فالناسُ يظنون أن القلمَ يكتب بالحبر… وما دروا أنه يكتب بالعمر.
[تعلو نغمة طبول خافتة. ضوء أحمر قانٍ على عصا الملك]
عصا الملك:
كلكم تُحرّككم الفكرة… أما أنا فأُحرّك الدول. إذا دخلتُ ارتجف المجلس، وإذا غبتُ سقط النظام.
أنا ظلُّ السلطان فوق الأرض؛ لا أحتاج أن أتكلم… فالخوفُ أفصحُ من الخطب أحيانًا.
[صمت ثقيل. العصي تلتفت نحو بعضها كأنها تتحدى بعضها]
عصا موسى:
لكن هيبتك تزول بزوال الملك.
عصا الحكيم:
والمعرفة تبقى بعد موت أصحابها.
عصا أسقليبيوس:
أما الرحمة… فهي اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع.
[صمت. ثم يتقدم الراوي ببطء]
الراوي:
فاختلفتِ العِصِيُّ… حتى أدركتْ أن القيمة ليست فيها، بل في اليد التي تحملها، والروح التي تسكنها.
فالعصا في يد النبي معجزة، وفي يد الطبيب رحمة، وفي يد الحكيم نور، وفي يد الملك سلطان.
ثم انطفأت الأنوار… وبقي سؤالٌ واحد معلَّقًا في القاعة:
[يتحول الضوء إلى خيط رفيع فوق العصي]
الراوي همسًا:
كم من إنسانٍ يحمل عصًا… ولا يحمل معنى؟
[يُسدل الستار ببطء]
المشهد الثاني: «يدٌ لا تُرى»
[الستار يرتفع نصف ارتفاعه. الضوء خافت كما هو. العصي واقفة صامتة، كأنها تنتظر. صوت خطوات خفيفة. يدخل الرافعي، شيخ في ثيابه البسيطة، يحمل محبرة وقلمًا. لا ينظر إلى العصي، بل ينظر إلى فراغ القاعة.]
الراوي همسًا:
في اللحظة التي خُيّل فيها للعصي أنها انتهت من كلامها، دخل من لا يُحسب في مجلسها… حاملُ الحبر.
الرافعي:
[يضع المحبرة على الأرض بهدوء]
لم أجئ لأحملكم… جئتُ لأُشهدكم.
عصا الملك:
[بصوت ثقيل] من أنت حتى تدخل مجلس السلطان بلا استئذان؟
الرافعي:
أنا من يكتب ما لا تقدرون على قوله. أنتَ تُرهب بالحضور، وأنا أُرهب بالغياب. إذا متُّ، بقي حرفي، وإذا سقطتَ، سقط معك اسمك.
عصا الحكيم:
[ينحني قليلًا] أنت القلم الذي ذكره الأقدمون؟
الرافعي:
أنا القلم، وأنا اليد، وأنا الرجل الذي يتكسّر ظهره ليستقيم معنى.
ما أنا بعصا… لكني إذا سقطتُ، سقطت أُمم.
عصا أسقليبيوس:
والطبُّ يشفي الجسد، فماذا تشفي أنت؟
الرافعي:
أشفي العمى. ليس عمى العين، بل عمى القلب الذي يرى العصا ولا يرى اليد. أكتب فتبكي أمة، وأكتب فيضحك يتيم. والسلطان لا يملك من هذا شيئًا.
عصا موسى:
[بصوت هادئ] إذن فأنت مثلنا… أداة. والفرق فيمن يمسك.
الرافعي:
[يبتسم ابتسامة خفيفة] صحيح.
لكن أداتي لا تُلقى على الأرض فتصير حيّة، ولا تُرفع فتشق بحرًا.
أداتي تُلقى على الورق… فتصير أمة.
[صمت. العصي تتبادل النظر كأنها لأول مرة ترى بعضها.]
عصا الملك:
إذن، ما حاجتنا إليك؟
الرافعي:
حاجتكم إليّ أن أُسجّل ما قلتم… فلا ينسى التاريخ هيبتكم، ولا رحمتكم، ولا نوركم، ولا جهلكم.
أنا ذاكرة العصي.
عصا الحكيم:
[يلمع ضوء دافئ عليه]
إذن اجلس. فالمجلس لا يكتمل إلا بمن يكتب ما بعده.
[الرافعي يجلس على الأرض. يفتح المحبرة. صمت. صوت القلم يتحرك على الورق وحده، مسموعًا في القاعة.]
الراوي:
وهكذا انضمّ الصامت الخامس إلى المجلس. لم يتكلم، لكن كل كلمةٍ قيلت بعد ذلك… صارت باقية.
[الضوء يتسع ببطء ليضم العصي الأربع والرافعي في دائرة واحدة. ثم يبدأ بالانطفاء تدريجيًا، إلا من خيط ضوء على المحبرة المفتوحة.]
الراوي همسًا:
كم من مجلسٍ اجتمع بلا كاتب… فضاع؟ وكم من كاتبٍ جلس وحده… فبنى مجالس لم تُرَ؟
[يُسدل الستار ببطء. صوت القلم لا يتوقف.]
المشهد الثالث: «من يقرأنا؟»
[الستار يرتفع. الضوء خافت، دائرة واحدة في منتصف المسرح. العصي الأربع والرافعي في هيئة دائرة صامتة. الورقة على الأرض مفتوحة، الحبر لم يجف. صوت تقليب صفحات بعيد. يدخل القارئ: شاب في العشرينات، بملامح مرهقة، يحمل كتابًا مغلقًا.]
الراوي همسًا:
وحين ظنّ المجلس أنه اكتمل، جاء من يُقرّر إن كان ما قيل… يستحق أن يُسمع.
القارئ:
[يقف على حافة الدائرة، لا يدخلها] سلامٌ على من تكلموا، وسلامٌ على من كتبوا. أنا من جئتُ متأخرًا… لكن دوني لا يصل صوتكم لأحد.
عصا الملك:
[باستعلاء] وما حاجتنا إليك؟ الكلمة تُقال، والسلطة تُفرض.
القارئ:
تُفرض على الأجساد، لا على القلوب. أنا من أفتحك، فإمّا أن أمجدك، وإمّا أن أرميك في النار.
عصا أسقليبيوس:
والدواء لا ينفع إن لم يشربه المريض. أنت الشارب إذن؟
القارئ:
وأنا الذائق. أمرّ على كلام النبي فأبكي، وعلى كلام الملك فأضحك، وعلى كلام الحكيم فأسكت طويلًا.
أنتم المعنى… وأنا من يختار أن يحييه أو يقتله.
عصا موسى:
إذن فأنت أخطر منا جميعًا.
نحن نحمل قوة، وأنت تمنحها الحياة أو الموت.
الرافعي:
[يرفع رأسه عن الورقة لأول مرة]
لا تخف من القارئ يا موسى. فإن قرأك بقلبٍ حي، صرتَ معجزةً من جديد. وإن قرأك بعينٍ ميتة، صرتَ خشبةً في زاوية مجلسه.
عصا الحكيم:
[بابتسامة]
وهنا تكتمل الدائرة: أنا الفكرة، وأنت القلم، وأنت القارئ. فإن غاب واحد… انقطع النور.
القارئ:
[يفتح الكتاب الذي بيده، يجد صفحة بيضاء] إذن اكتبوا جيدًا.
فأنا لا أقرأ الحروف… أنا أقرأ من كتبها. وأحكم على العصا من يد صاحبها.
[صمت. القارئ يضع الكتاب المفتوح في وسط الدائرة. العصي تنحني قليلًا كأنها تسلم. الرافعي يغمض عينيه.]
الراوي:
فصار المجلس خمسة:
يدٌ ترفع، وقلمٌ يكتب، وعصا تُحمل، ومعنى يُقال، وقارئٌ يحكم.
ومن يومها… لم يعد السؤال:
«ما هي العصا؟»
[الضوء يتحول إلى شعاع واحد فوق الكتاب المفتوح.]
الراوي همسًا:
بل صار السؤال: «من أنت… حتى تقرأ؟»
[يُسدل الستار ببطء. صوت تقليب صفحة واحدة. ثم صمت تام.]