أهمية الذكاء الإصطناعي في تطوير خدمات المكتبات العمومية في تونس
تُعدّ المكتبات العمومية في تونس من أهم المؤسسات الثقافية التي اضطلعت تاريخيًا بدور محوري في نشر المعرفة و ترسيخ قيم المواطنة و التعلم مدى الحياة. و مع التحولات الرقمية المتسارعة أصبحت هذه المؤسسات مطالبة بتحديث أدواتها و أساليب عملها لمواكبة حاجيات المجتمع، و يبرز الذكاء الإصطناعي كأحد الحلول الإستراتيجية القادرة على تطوير خدمات المكتبات العمومية و تعزيز نجاعتها.
1) تطوير النفاذ إلى المعلومة
تعاني عديد المكتبات العمومية خاصة في الجهات الداخلية من محدودية الموارد البشرية و الأرصدة الوثائقية. و يمكن لتقنيات الذكاء الإصطناعي أن تساهم في تحسين النفاذ إلى المعلومة عبر منصات بحث ذكية موحّدة على المستوى الوطني تمكّن مختلف شرائح الرواد و الباحثين من الإطلاع على أرصدة المكتبات العمومية و اقتراح العناوين المناسبة حسب العمر و المستوى و الإهتمام بما يحدّ من الفوارق الثقافية بين الجهات.
2) دعم الإطار المكتبي و تحسين جودة الخدمات
يساعد الذكاء الإصطناعي الإطار العامل بالمكتبات العمومية على تجاوز الأعباء الإدارية المتكررة من خلال أتمتة بعض الخدمات كالإعارة، الجرد و الإجابة عن الأسئلة المتداولة عبر مساعدات افتراضية. و يتيح ذلك للإطار المكتبي التفرغ لدوره الثقافي و التأطيري، خاصة في تنظيم الأنشطة، تأطير النوادي و مرافقة الرواد
3) ترشيد سياسة الاقتناءات الوثائقية
في ظل محدودية الميزانيات المخصصة للإقتناءات الوثائقية خاصة، يمكّن الذكاء الإصطناعي من تحليل بيانات الإعارة و نسب الإقبال على الكتب و الأنشطة الثقافية، مما يساعد وزارة الشؤون الثقافية و إدارة المطالعة العمومية بالإدارة العامة للكتاب و كذلك المصالح الجهوية على ضبط سياسات اقتناء واقعية تستجيب لحاجيات الرواد.
4) رقمنة الرصيد الوطني و تثمينه
تحتوي المكتبات العمومية التونسية على رصيد هام من الوثائق كالصحف القديمة، و المراجع ذات الصلة بالذاكرة الوطنية. و يمكن لتقنيات الذكاء الإصطناعي خاصة التعرف الضوئي على الحروف و الترجمة الآلية، أن تساهم في رقمنة هذا الرصيد و تيسير الإطلاع عليه بما يدعم البحث العلمي و يحافظ على التراث الثقافي الوطني.
5) تعزيز الإدماج الثقافي و الاجتماعي
يعد الذكاء الإصطناعي أداة واحدة لتعزيز الإدماج الثقافي و الإجتماعي داخل المكتبات العمومية إذ يساهم في جعل المعرفة أكثر قربا و عدالة لمختلف فئات المجتمع، فمن خلال تقنيات مثل: الترجمة الٱلية و التعرف الضوئي على الحروف و المساعدات الذكية يمكن للمكتبات العامة تجاوز حواجز اللغة و الأمية الرقمية و تطوير خدمات موجهة للأطفال و التلاميذ من ذوي صعوبات التعلم و ذوي الإحتياجات الخصوصية و كبار السن عبر تحويل النص إلى صوت التبسيط الٱلي للمحتوى، كما يتيح الذكاء الإصطناعي تخصيص الخدمات الثقافية وفق اهتمامات و حاجات المستفيدين و يعزز المشاركة المجتمعية عبر أنشطة تفاعلية مما يحول المكتبة العمومية من فضاء لحفظ المجموعات الوثائقية إلى فضاء حي للإدماج و الحوار الهادف و بناء المواطنة الثقافية.
6) دعم الإستراتيجيات الوطنية للتحول الرقمي
ينسجم إدماج الذكاء الإصطناعي في المكتبات العمومية مع التوجهات الوطنية في مجال الرقمنة و الحوكمة الإلكترونية، و يساهم في جعل المكتبة العامة شريكًا فاعلًا في بناء مجتمع المعرفة خاصة إذا تم ربط هذا التوجه ببرامج تكوين مستمر للإطار المكتبي، و وضع نصوص تنظيمية واضحة تحمي المعطيات الشخصية و تحفظ أخلاقيات المهنة.
خاتمة
إن توظيف الذكاء الإصطناعي في المكتبات العمومية التونسية يمثل فرصة حقيقية لتجديد أدوارها و تعزيز إشعاعها الثقافي، شريطة أن يتم ذلك في إطار رؤية وطنية تشاركية تُوازن بين الحداثة التكنولوجية و البعد الإنساني و الثقافي للمكتبة العامة. بحيث فالمكتبة العمومية مهما تطورت أدواتها تظلّ فضاءً للمعرفة والحوار، وحاضنةً لبناء الإنسان فكريًا و صقل وعيه و ترسيخ حضوره الفاعل في مجتمعه.
الأستاذ: فتحي مصباحي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق