« شهادة عمر في حضن مكتبة عمومية »
أنا من تسلّمَ للمكتبةِ عهدَها
كنتُ الأوّلَ و المفاتيحُ شاهدةٌ
أنّي فتحتُ للمعرفةِ الأبوابا
فاستيقظَ الأدب و صار الصمتُ مكتبة
قِلَّتْ يدُ العونِ و انعدام الإمكاناتُ
لكن عزمي كان أوفى عُدَّةً و عددا
من السوقِ الجديدِ ابتدأ المشوارُ
مقرٌّ ضيّقٌ… غيرَ أنّ الروحَ اتّسعا
فأحييتُه فكرًا، نشاطًا، إشعاعًا تبرجا
حتى غدت من بينِ خيرِ المكتباتِ صدى
قالوا: نبنيها بعيدًا عن النبضِ
فقلتُ: هناك يُعدَمُ الكتابُ إن نُفيا
وقفتُ حازمًا لا خوفَ في كلمتي
فالحقُّ يُحمى حين يُقالُ قويّا
راسلتُ و قابلتُ أهلَ الشأنِ محلّيّهم
و جِهويّهم، حُجّةً و صبرًا و أثرا لم أكللْ
بمؤازرةِ السيد المندوبِ الجهويِّ شاهدًا
حسينِ بوبكري صادقِ الرأيِ و التُّقى
حتى أذعنوا لما بدا من حجّتي
ففُوِّتَتِ الأرضُ للمعرفةِ و قضيتِها
و شُيِّدَ الحلمُ و غدا للمكتبةِ المقر المُبتغى
عرّفتُ الناسَ بها فعلًا لا ادّعاءً
بأنشطةٌ ثقافية هادفةٌ نجاحٌها تَجلّى
علّمتني التجربةُ فنَّ الإدارةِ
و صرْتُ في الميدانِ إداريًّا و فنيّا مبدعا
أنا من صافحَ الرفوفَ واحدًا واحدًا
و أدركَ سرَّ الوثيقةِ و المكانِ الخفيّا
حتى إذا مررتُ بين الكتبِ همسَتْ
هذا الذي أفنى لأجلِنا العمرَ وفيّا
نهلتُ التجربةَ ممّن سبقوني دربَنا
و من ملتقياتِ الفكرِ زادًا مُرتقى
و شققتُ طريقي باجتهادٍ معتمدًا
على البحثِ و مطالعةِ المراجعِ سبيلا
ما كان قولي زينةَ لفظٍ عابرٍ
و لا ادّعاءَ علوٍّ أو مجدٍ مُدّعى
لكن صدقَ الرسالةِ حين يُصغى له
يمضي إلى القلوبِ أثرًا صادقًا شريفا
في مؤسستي المكتبيّةِ كنتُ إنسانيا
أخًا، أبًا، مربّيًا، و مرشدًا نزيها
الكبارُ احترموني تقديرًا
و الصغارُ تسابقوا لعناققي و تحيّتي
أنا من غرسَ أُسسَ العملِ معرفةً
لِكُلِّ من شاركني الدربَ يومًا و سَرى
فضلٌ لا يُمحى و إن حاولوا طمسَه
فالشمسُ لا تُخفى و لو طالَ الدُّجى
لن يُغيِّبَ الأثرَ لا جاهٌ و لا رتبةٌ
فالعقلُ ميزاني و القولُ ما اعتدلا
لساني صريحٌ إذا الحقُّ ناداني
و رأيي مراجِعُه الحكمةُ الأولى
أقرأُ النوايا و إن لم تُفصحِ الشفَهُ
و أحمي غيري لوجهِ اللهِ محتسبا
أدفعُ الأذى و أصفحُ عن نكرانهم
فالخيرُ يبقى و إن جُوبهَ بالجفا
و من أضمرَ السوء أعلمُه في سكوني
لكن خصامَ القلوبِ عندَ اللهِ يُقضى
هناك تلتقي الخصومُ بلا مفر
و يُوفّى الحق و يعلو من اتّقى
الأستاذ: فتحي مصباحي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق