" على تلة النسيان "
كانت الشمس تغيب خلف أفق رمادي، تاركةً ظلالاً طويلة فوق كومة القمامة التي تمددت كوحشٍ ميت. في أعلى نقطة من تلك الكومة، وقفت الخيمة؛ قطعة من القماش المهرّأ، تتشبث بالأرض بأوتادٍ مرتجفة.
تنحنح كوم القمامة بصوتٍ يشبه احتكاك الصفيح الصدئ، وقال مخاطباً الخيمة:
"ألا تشعرين بالخزي؟ لقد كنتِ يوماً في مخازن نظيفة، والآن تلتصق أطرافكِ ببقايا طعامي وقاذورات المدن. لماذا تصرّين على الوقوف فوق ظهري؟"
تنهدت الخيمة وهي تتمايل مع ريحٍ باردة:
"أنا لستُ هنا بإرادتي، أيها المكان. أنا هنا لأنني العهد الأخير. أنا الفاصل الرفيع بين هؤلاء البشر وبين العراء المطلق. أنا لستُ قماشاً، أنا "فكرة البيت" التي يرفضون موتها."
في تلك اللحظة، خرج صاحب الخيمة؛ رجلٌ حفرت السنين أخاديدها في وجهه، جلس على حافة صندوق بلاستيكي محطم. نظر إليهما عابر سبيل من بعيد، وتمتم بذهول: "كيف يحتملون العيش هنا؟".
سمعه الرجل، فابتسم بمرارة ونظر إلى خيمته:
"أتسمعين يا خيمتي؟ يسألون كيف نحتمل! وكأن الاحتمال خيار نملكه في جيوبنا. لا أخفيكِ سرّاً، أنا نفسي لا أملك إجابة."
التفت الطفل الصغير الذي كان يعبث بقطعة معدنية وجدها بين النفايات، ونظر إلى والده بعينين واسعتين تفوقان عمره نضجاً:
"يا أبي، المكان هنا رائحته تشبه الموت، والخيمة تتمزق كلما عطست الريح.. هل نحن أحياء حقاً؟"
خيم صمتٌ ثقيل. نظر كوم القمامة إلى الطفل، ولأول مرة شعر بالخجل من نتانته. ونظرت الخيمة إلى ثقوبها التي يتسلل منها البرد، وشعرت بالعجز.
أجاب الأب وهو يضع يده على كتف ابنه:
"يا بني، السؤال ليس كيف نعيش وسط هذه القمامة، ولا كيف نتحمل هذا القماش المهترئ. السؤال الحقيقي الذي تعجز عنه الكلمات هو: كيف ما زلنا نتنفس حتى هذه اللحظة؟ كيف لم تتوقف قلوبنا رغم أن كل شيء حولنا قد انكسر؟"
اقترب الطفل من جدار الخيمة، قبّل القماش البارد، وهمس:
"لأنها بيتنا يا أبي.. والبيت لا يُترك، حتى لو كان فوق جبل من الخراب."
د. أسامة محمد زيدان.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق