خان حنش..
عقيل هاشم..العراق
خان حنش عالم يغرق برائحة الثقافة وعبق الكتب ،أظني أعرف طريق الوصول له ،عندما أكون محتاجا ألى الراحة من ملاحقة ومتابعة أخر أصدارات كتاب الرواية وأحاول مشاكستهم في مقهى حنش ، هنا لا شيء يضيء عتمة المكان سوى عين الموقد، حيث دكاكين القرطاسية والمكتبات ، وباعة الكتب القديمة ،أخرج صباحا بالرغم من لسعات البرد المتسللة إلى جسدي ،أحط المعطف الصوفي العتيق فوق كتفي، رعد السماء ينذر بالمزيدٍ من ألامطار ، قد يفاجئني هطولها في أية لحظة، أوأصل المقهى الكل هاجع في مكانه الذي اعتاد ،أجلس قرب موقد الشاي وأرقب النار المستعرة التي يوقدها النادل فجرا،ترتمي نظراتي صوب مكتبة المتنبي لصاحبها حميد المكتبي، أمامي أجده راقدا على كرسيه. وجه مازالت عليه آثار النوم و بعض التعب ، يبدو الإجهاد باديا عليه ،أتأمل وجه المتعب ، كأني أراه لأول مرة، بفضول وبعض خيبة، هذا المكتبي الذي عشق الخان ورائحة الكتب القديمة ، رجل كبير تقدم به العمر ، العيون تطل منهما لمعة تظهر من خلف زجاج النظارة السميكة ، وخلف تلك النظارة تظهر ظلال عينين عميقتين ذابلتين يشع البريق منهما رغم التعب، الغريب اليوم تراه لا يقوى على فعل شيء، أرقبه يستقبل شراء الكتب بفتور ووهن لم أعهده منه ،يظهر المكتبي ساعات الفجر الأولى يتهجس حركة الشارع حيث تدب فيه، فجأة وصول مجموعة من الحمالين وهم يسوقون عربات أصدارات الكتب الجديدة والمراجع الثمينة ، تراه يسير فرحا في اشتياقٍ إلى عشق شارع وزبائنه من الكتاب الرواد والشباب، لكن اليوم لم يعد كذلك بعد تقدم العمر والمرض ربما هذا ما جعلهى يعانيﻻضعف ذاكرته بعد ماكانت قوية ويحفظ كل من راه ، الآن أصبحت زبائنه غريبة عنه ، يجلس بأهمال عند عتبة باب المكتبة المطلة على خان حنش كقط ضال ، تقبض يديه المتجمدة على كتاب حياة المتنبي يقلب أوراق الكتاب بنصف يقظة، والنعاس يكاد يطبق جفنيَّه.
النادل يعيد القهوة على النار حتى تغلي وتفور، تنشر بخارها الذكي النافذ، أسمع باب المقهى ينفتح، وخطوات في الممر، تسمع بوضوح ،فتاة مع صديقتها تجلس على مقربة مني ، ثم تهمس بصوت رقيق الئ النادل ،تطلب كاس شاي لهما ، فمها يكشف عن بياض الأسنان الصغيرة اللامعة ، وبألتفاته منها لي يرتفع وجهها فأجده منشرحا، يحفه سواد الشعر المبعثر ، أدقق في جمال وجهها حيث تلتمع منه تحت رموشها عينين سوداوين ، أول ألامر رحبت بي ثم سألتني عن أخر قصة كتبتها بعد أن أعلنت عن مهنتها ،فهي تعمل في الصحافة ، وعادت ألى السؤال أستاذ أسال عن أخر جائزة حصلت عليها وماعنوان القصة التي فازت، قصة عشقتها ولايمكن نسيناها أبداً، وعلقت في الذاكرة، صوتها كان ملائكياً، أجبرني أن أطلب منها أعادة السؤال ، قد أكون شاردا ولم انتبه إلى السؤال بقدر التمعن فيها ، أخيرا وجدتها تصرخ بي بصوت أجش أنهض ياسيد حان وقت دخولك الى الدكتور ، دكتور ألامراض النفسية ، وهي مشغولة تضرب على ألة الحاسبة ، الشاشة تظهر أسمي وعمري وحالتي الصحية ،وأخر موعد مع الدكتور هذا ماجذب انتباهي، وازدادت دهشتي ، عندما اكتشفت انني في عيادة الدكتور المختص بجراحة الدماغ وألجملة العصبية كوني أعاني من الزهايمر منذ مدة ، استلقيت على سرير طبي ، وقد شد الممرض رأسي بجهاز تخرج منه أشرقة ورقية ملونة ، من الورق المسطر وابرة تتحرك يمينا وشمالا ترسم منحنيات متقاطعة ،فلقد ارقتني فكرة حضوري في أماكن هي من الخيال ، وازدادت الفكرة عمقا، كلما كنت أسرح أسرد للدكتور حكايات لم تمر بي أصلا ،هذا كل ما أتذكره، خرجت منه وجلست عند السكرتيرة تعطيني موعد للقاء ألقادم ، وجدت عندها مجلة ثقافية قديمة تدعوا الادباء وأصحاب المكتبات عن نشاط ثقافي تقيمه الجمعية الثقافية في المتنبي يوم الجمعة والدعوة عامة للحضور ،وكانت المناسبة تابين سنوي لرائد مكتبة المتنبي حميد المكتبي بعد مرور عقد من الزمن على وفاته.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق