الإخلاص من ثمرات الإيمان .
الإيمان بالله ورسوله هو التصديق بالقلب بأن الله واحد لا شريك له ، خلق الخلق بقدرته ، وقدر أرزاقهم وأعمارهم ويعلم ويري كافة أمور حياتهم ، وأن الله عز وجل أرسل محمداً ليبين للخلق مراد الخالق ، هذا التصديق القلبي الصحيح يتبعه ترجمة فعلية بالجوارح ، فالعينين تتأدبان بآداب الإسلام ،واليدين تتأدبان بآداب الإسلام ، وكذا سائر أعضاء البدن .
الإيمان بالله ورسوله الذي هو التصديق بالقلب ثم العمل بالجوارح له ثمرات كثيرة ، ومن أعظم وأجل ثمار الإيمان ، ثمرة الإخلاص لله .
الإخلاص لله يعني أن يبتغي المسلم بقوله أو فعله رضا ربه لا رضا أحداً من الخلق .
الله ( عز وجل ) يطلع علي قلوب العباد ويعلم حقيقة ما فيها ، كما يسمع ويري الأقوال والأفعال الصادرة من أعضاء البدن ، قال الله تعالى في سورة التغابن:( يَعلمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ). وقال عز وجل لموسي وهارون عليهما السلام كما في سورة طه: ﴿ قَالَ لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾ .
لا قيمة ولا فائدة عند الله لقلب أو جسد غير عامر بمفهوم الإيمان ، وإن بدا أمام الناس جميلاً جذاباً . لا قيمة ولا فائدة عند الله لمال مجموع لا يُراد منه رضا الله ورسوله ، وإن كان مثل جبل أُحد من الذهب الخالص ، المعتبر ما كان لله خالصاً ؛ روى الإمام مسلم وأحمد واللفظ له من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) قَالَ : رَسُولَ اللَّهِ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : ( إِنَّ اللَّهَ ( عَزَّ وَجَلَّ ) لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ ، وَلَكِنْ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ) .
لا قيمة ولا فائدة عند الله لمسلم مُتلون كالحرباء ، المسلم الحق هو المُخلص لله أمام الناس وفي خلواته ، أما من يتظاهر أمام الناس بالصلاح والإصلاح ، وإذا أغلق بابه ارتكب المحرمات ، فهذا لا خير فيه ، وضاع عمله وخاب سعيه وإن أتي بحسنات كبيرة أمثال جِبَال تِهَامَةَ ، فتضيع وتصبح هَبَاءً مَنْثُورًا أي كذرات الرماد المتطاير في الهواء ، لا قيمة لها ولا وزن ؛ روى الإمام ابن ماجه من حديث ثَوْبَانَ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) عَنْ النَّبِيِّ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَنَّهُ قَالَ : ( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي ، يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا ، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ ( عَزَّ وَجَلَّ ) هَبَاءً مَنْثُورًا ) . قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، صِفْهُمْ لَنَا ، جَلِّهِمْ لَنَا ، أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ . قَالَ : ( أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ) .
المسلم المُخلص لله ، المُبتغى بقوله وفعله رضا الله ، ينجو من المهالك يوم القيامة ، وإن قدر الله له الممات مع العاصين في الدنيا ، فلا يضره عصيانهم ، بل ينجو بنيته الطيبة وعمله الصالح .
أخبر الحبيب (صلي الله عليه وسلم ) أنه سيغزو جيش بيت الله الحرام ولكن الله ( عز وجل ) سيمنعه بقدرته ، فإذا وصل الجيش إلي بيداء من الأرض أي مكان من الصحراء لا زرع فيها ولا ماء ، يخسف الله بالجيش الغازي الأرض أي تنشق الأرض وتبتلعه ، ولكن المكان الذي يمر به الجيش الغازي قد يكون به قري مسكونة أو أسواق للبيع والشراء مُقامة ، والموجودون بين ثنايا هذا الجيش لا ناقة لهم ولا جمل ، فلا يُريدون غزواً ولا يملكون منعاً أو قد يكون من بين أفراد الجيش ذاته من خرج مُكرهاً مُجبراً والبعض خرج عامداً مُتعمداً قاصداً الضرر لبيت الله الحرام ، فهؤلاء جميعاً ماتوا بالخسف أي بالتغييب في باطن الأرض ، فالكل مات بأجله أي قد انتهي أجله فلم يترك واحداً منهم يوماً من عمره الذي قدره الله له ، ولكن يُبعثون يوم القيامة بنياتهم ومقاصدهم ، فمن أخلص العبادة لله وكره الضرر لبيت الله ، نجا بنيته الطيبة ، ومن قصد وتعمد الضرر أذاقه الله العذاب الأليم ؛ روى الشيخان من حديث عَائِشَةُ قَالَتْ قَالَ رَسُول اللَّهِ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : ( يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنْ الْأَرْضِ ، يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ) . قَالَتْ : قُلْتُ يَا رَسُول اللَّهِ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ ، وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ ؟. قَالَ : ( يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ ) . وفي رواية مسلم وجاء فيها : ( فَقُلْنَا يَا رَسُول اللَّهِ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : إِنَّ الطَّرِيقَ قَدْ يَجْمَعُ النَّاسَ . قَالَ : ( نَعَمْ ، فِيهِمْ الْمُسْتَبْصِرُ ، وَالْمَجْبُورُ وَابْنُ السَّبِيلِ ، يَهْلِكُونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا ، وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى ، يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ ) .
عكرمة بن أبي جهل ( رضي الله عنه ) نجا من الشرك ورزقه الله الإسلام بفضل اخلاص القلب والقول والعمل ؛ ذكر الإمام ابن كثير في التفسير نقلاً عن محمد بن إسحاق في السيرة ، عن عكرمة بن أبي جهل: أنه لما فتح رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) مكة ، ذهب فارًّا منها ، فلما ركب في البحر ليذهب إلى الحبشة ، اضطربت بهم السفينة ، فقال أهلها : يا قوم ، أخلصوا لربكم الدعاء ، فإنه لا يُنجي هاهنا إلا هُو . فقال عكرمة : والله إن كان لا ينجي في البحر غيره ، فإنه لا يُنَجّي غيره في البر أيضاً ، اللهم لك عليَّ عهد لئن خرجتُ ، لأذهبن فلأضعَنّ يدي في يد محمد ، فلأجدنه رؤوفًا رحيماً ، وكان كذلك .
اللهم ارزقنا اخلاص القلب والقول والعمل ، وارزقنا ثمرته في الدنيا والآخرة .
بقلم . د / عزام عبد الحميد أبو زيد فرحات .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق