" عطر القميص... قانٍ "
تذكّرتُ "ذات النطاقين" أسماء بنت أبي بكر،
حين وقفت شامخةً، تنظرُ إلى ابنها مصلوبًا،
وقالت بقلبٍ صلبٍ كالجبال:
«وما يضير الشاةَ سلخُها بعد ذبحها؟»
ثم التفتُّ إلى أوجاعنا، وتمتمتُ:
أما آن لهذا الفارسِ المنهكِ
أن يترجّلَ عن صهوةِ الألم؟
كم "أسماءَ" أخرى في غزةَ الآن؟
كم أمٍّ تقفُ أمام الركامِ وتصرخُ فيه:
"يا ركام.. أتراكَ سرقتَ ضحكتَهُ؟
أتراكَ خبأتَ عطرَهُ تحت هذا الثقل؟
تكلّم! أينَ سكنتْ روحُه؟"
فيجيبُها الركامُ بصمتٍ أشدَّ قسوةً من الموت.
وكم أمٍّ بحثتْ بين الأنقاضِ،
فوجدتْ قميصًا ممزقًا..
تضمّهُ إلى صدرِها، وتشمُّهُ بحرقةٍ قائلة:
"هذا عطرُكَ يا ولدي.. لم يمت!
لماذا تركتَ قميصَكَ لليتامى، ورحلتَ بلا وداع؟
ألم تشتاقُ لحضني؟"
كم أمٍّ احتضنت أشلاءً
تلملمُها من تحتِ الأنقاضِ بدموعٍ تجففُها النار؟
كم أمٍّ حُرمت نظرةَ الوداعِ الأخيرةِ،
لتظلَّ في بحرِ الانتظارِ معلّقة؟
نعم.. وما يضيرُ الشاةَ سلخُها بعد ذبحِها،
لكنّ القلبَ لا يطيقُ أن يرى أحبّتَهُ..
بلا قبرٍ، بلا مزار!
د. أسامة محمد زيدان.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق