" حين يغرس القلم رأسه في خاصرتي."
أمسكتُ بالقلم…
كان بين يديّ ككائنٍ يتنفّس، جلده من ورق، ونبضه من وجع.
يُطاوعني حينًا كطفلٍ خائف، ويتمرّد حينًا كشيخٍ رأى ما يكفي من المذابح.
أداعبه بالكلمات، أرشّ له سُكّر الفرح على جراح الحروف، أستجديه أن يختار مفرداتٍ تشبه الضوء، أو على الأقل… تُوهمنا بأن الفجر ما زال يعرف الطريق.
فينتفض، ويغرز رأسه في صدري، ويقذفني بسهام الوجع المبعثرة على طرقات الذاكرة المحروقة.
قلت له:
"دعنا نكتب ما يخفّف، فربما مرَّ قارئٌ مثقل، يبحث عن سطرٍ يضع عليه رأسه المتعب… ولو كان كذبًا أبيض".
صرخ في وجهي:
"أتكذب في زمنٍ صار فيه الدم أوضح من الحقيقة؟ أتريدني أن أُدندن أغنية حب، وقد ابتلع الدخان القمر، وصار الليل كهفًا لا يؤنس عاشقًا ولا يحتمل همسًا؟".
ثم أفلت القلم من يدي… وسحبني من ياقة الزمن وصرخ:
"أترى تلك الجميلة؟ لا أقصد أطرافها المبتورة أيها الأحمق.. انظر إلى ضوء القمر في وجهها، إلى حضرة العينين اللتين تشبهان عشبًا كان أخضر... أعرفتها؟".
طأطأتُ رأسي على استحياء: "كيف لي أن أعرف وقد تشابهت الأقمار؟".
تمتمتُ بصدمة: "ألهذا الحدّ أضاع الموت ملامح من نحب؟ حتى صرنا نمرُّ فوق حكاياهم ولا نقرأ الأسماء؟"
صرخ مرة أخرى: "أيها الأحمق، هذه مَن كانت حبيبتي ولا زالت!".
سألتُ، ويكاد صوتي يخرج كأنه قادم من وادٍ سحيق:
"وكيف عرفتها؟".
قال: "عرفتها؟ تسأل؟ ما زلتَ أحمقاً… عرفتها في غارة!".
د. أسامة محمد زيدان

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق