الاثنين، 16 فبراير 2026

✍️التنشيط الثقافي بالمكتبات العامة✍️مقال بقلم / فتحي مصباحي

 ** التنشيط الثقافي بالمكتبات العامة و دوره في الترغيب في المطالعة والتعريف بالمكتبة العمومية و خدماتها **


       تعدّ المكتبة العمومية من أهم المؤسسات الثقافية العمومية لما تضطلع به من أدوار معرفية و تربوية و اجتماعية جعلت منها فضاءً مفتوحًا للعلم و المعرفة و الثقافة، و رافد من روافد التنمية البشرية. غير أنّ التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم و خاصة الثورة الرقمية و تغيّر أنماط الإستهلاك الثقافي فرضت على المكتبات العمومية إعادة النظر في طرق عملها و آليات تواصلها مع جمهورها. و في هذا الإطار يبرز التنشيط الثقافي كخيار استراتيجي لا غنى عنه يهدف إلى إعادة تموقع المكتبة العامة داخل محيطها و جعلها أكثر قربا من المواطن و أكثر قدرة على أداء رسالتها في نشر ثقافة المطالعة و التعريف بخدماتها المتنوعة.

1) مفهوم التنشيط الثقافي بالمكتبات العمومية: يقصد بالتنشيط الثقافي بالمكتبات العمومية مجموع الأنشطة و التظاهرات الثقافية و الورشات التواصلية التي تنظمها المكتبة بصفة منتظمة أو دورية قصد تفعيل علاقتها بالمستفيدين و استقطاب فئات جديدة من الرواد و تحويل المكتبة من فضاء جامد إلى فضاء حي و متفاعل. و لا يقتصر التنشيط الثقافي على الأنشطة التقليدية بل يشمل كل مبادرة خلاقة تسعى إلى ربط المواطن بالكتاب و بالمعرفة و تستجيب لحاجيات مختلف الشرائح العمرية و الإجتماعيةو كل المستويات العلمية مع مراعاة خصوصيات المحيط المحلي.

2) دور التنشيط الثقافي في الترغيب في المطالعة: يمثل ضعف الإقبال على المطالعة أحد أبرز التحديات التي تواجه المكتبات العمومية اليوم. و هنا يبرز الدور المحوري للتنشيط الثقافي في تغيير علاقة الفرد بالكتاب من خلال اعتماد مقاربات تشاركية تقوم على المتعة و التفاعل بدل الإلزام و التلقين. فمن خلال نوادي مسرحة القصة و ورشات الحكي و المسابقات الثقافية و الملتقيات الأدبية و الأمسيات الشعرية و الندوات الفكرية و الأنشطة الموجهة للأطفال و اليافعين، يتم تقديم المطالعة في قالب جذاب يجعل منها تجربة إيجابية مرتبطة بالمتعة و الإكتشاف، و بهذا المعنى يساهم التنشيط الثقافي في بناء عادة المطالعة و ترسيخها كسلوك يومي مستدام لا كممارسة ظرفية مرتبطة بالدراسة فقط على اعتبار و أن جل رواد المكتبات العمومية هم من الدارسين.

3) التنشيط الثقافي كآلية للتعريف بالمكتبة العامة و خدماتها: لا تزال صورة المكتبة العمومية لدى جزء كبير من المواطنين  يختزلونها في صورة نمطية قديمة، فالكثيرين لا يدركون أن المكتبة العمومية تقدم خدمات تتجاوز المطالعة و الإعارة. غير أن واقع المكتبات العمومية اليوم يكشف عن تنوع كبير في الخدمات المقدمة، مثل خدمات الإحاطة بالمعلومة والفضاءات الرقمية والدعم المدرسي و الأنشطة الثقافية و التكوينية. ويُعدّ التنشيط الثقافي من أنجع الوسائل للتعريف بهذه الخدمات إذ يسمح بإبراز إمكانيات المكتبة و تقريبها من المواطن و التحفيز على الإنتفاع بخدماتها، فكل نشاط ثقافي هو في جوهره فعل تواصلي و رسالة تعريفية بالمكتبة و خدماتها تسهم في توسيع قاعدة المستفيدين و تعزيز حضورها داخل النسيج الإجتماعي.

4) دور إطارات المؤسسة المكتبية في إنجاح التنشيط الثقافي:لا يمكن الحديث عن التنشيط الثقافي دون التأكيد على الدور المحوري للطاقم العامل بالمكتبة بل بالأخص للمكتبي الذي لم يعد دوره يقتصر على التسيير الفني للمجموعات الوثائقية بل أصبح فاعلا ثقافيا و وسيطا معرفيا. فنجاح البرامج التنشيطية يتطلب من المكتبي بل و كل الإطارات العاملة بالمكتبة كفاءة مهنية و حسًا تواصليا و قدرة على الإبتكار إضافة إلى الإنفتاح على الشراكات مع المؤسسات الثقافية و التربوية و مؤسسات الطفولة و مكونات المجتمع المدني. إن إطارات المكتبة العمومية اليوم مدعون إلى قراءة محيطهم و تشخيص حاجيات الجمهور و برمجة أنشطة تستجيب لهذه الحاجيات بما يضمن للمكتبة دورها كفضاء للتفاعل الثقافي و الحوار المجتمعي. فالمكتبة التي تنغلق على ذاتها تفقد مبرر وجودها، أما التي تنفتح على محيطها فإنها تتحول إلى قلب نابض للجهة التي احدثت بها. و في عمق هذا الدور يكتسب التنشيط الثقافي بعدًا اجتماعيًا و إنسانيًا إذ يساهم في تعزيز قيم الحوار و الإختلاف و الإنتماء و يجعل من المكتبة العمومية فضاء ديمقراطيا بامتياز مفتوحًا للجميع دون تمييز، فالمكتبة العامة ليست فقط مكانا للقراءة و إعارة الكتب بل فضاء لبناء الإنسان و تحصين الوعي و مقاومة التهميش الثقافي.

5) الأبعاد الإجتماعية و الثقافية للتنشيط الثقافي: يتجاوز التنشيط الثقافي بعده الترفيهي أو المعرفي ليكتسب بعدا إجتماعيا وإ نسانيا إذ يساهم في مقاومة الإقصاء الثقافي و ترسيخ قيم المواطنة و تعزيز ثقافة الإختلاف و الحوار، فالمكتبة العمومية من خلال أنشطتها تصبح فضاء ديمقراطيا مفتوحا لجميع الشرائج الإجتماعية يتيح تكافؤ الفرص في النفاذ إلى المعرفة و يسهم في بناء مجتمع قارئ و واع.

ختامًا: يمكن التأكيد على أن التنشيط الثقافي بالمكتبات العمومية ليس نشاطا ثانويا أو ظرفيا بل هو ركيزة أساسية من ركائز العمل المكتبي المعاصر و خيار استراتيجي لضمان ديمومة المكتبة و نجاعتها، فبقدر ما تنجح المكتبة العمومية في تنويع أنشطتها و الإنفتاح على محيطها و تطوير برامجها التنشيطية بقدر ما تعزز دورها في الترغيب في المطالعة والتعريف بخدماتها و استقطاب مزيد من الرواد و تكرّس مكانتها كمؤسسة ثقافية عمومية في خدمة الثقافة و التنمية.


الأستاذ: فتحي مصباحي


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

👍همسة هجر👍كلمات الشاعر مهندس/ يوسف الخواجه

 همسة هجر : ♥ ♥ ♥ ♥ ♥ ♥♥ ♥ ♥ وئد الأمل فى مهده .....ودفنت نفسي فى ثراه ومضى الربيع كأننا لم نلتق .عصف الخريف بما بناه والقلب شيبه الجفاء ......