سرّ البئر القديم
بقلم: هدى أحمد شوكت
في البوادي البعيدة، حيث الصحراء تمتد بلا نهاية، وحيث الريح تروي حكايات لا يسمعها أحد، كانت سعدى ابنة الخامسة عشرة ترعى الأغنام برفقة شقيقتيها ورد ونادية. فتاة بدوية بعينين كحيلتين، تحمل في قلبها حلمًا غامضًا لم يتشكل بعد.
ذات مساء، حين عادت إلى خيمتها، وجدت امرأة غريبة تجلس في الركن، تبدو كطيف جاء من المجهول. حيّتها وقدّمت لها الطعام والماء، ولم تعلم أن يد القدر كانت تخطّ فصلًا جديدًا في حياتها.
ناداها أخوها مسعود بصوت جَهوري:
"يا سعدى، هذه زوجة عمّك، جاءت لتأخذك عروسًا لابنها عامر."
تجمدت الكلمات في حلقها، وغرقت في بكاء مرير، فيما كانت يداها تدفعان الطعام إلى أختيها كأنها تسلّم روحهما شيئًا من فجيعتها. حاول مسعود أن يهدّئها، وأشار إلى عامر، شاب وسيم عريض المنكبين. خُطّبَت، وكان مهرها نصفه ذهب ونصفه ماشية، وحدد العرس في صيف العام.
رحلت مع زوجها إلى حيث يقيم الشيخ فهمي قرب ملّاحات بورسعيد. هناك، شُيّدت لها خيمة جديدة، وصارت سيدة بيت تعد الطعام وترعى الأغنام، ثم أنجبت صغارًا ملأوا حياتها ضحكًا وركضًا. لكن الأرض التي حملت خطاها كانت تخفي سرًّا مظلمًا، بئرًا غائرًا لا يراه إلا من اقترب من فوهته.
في صباحٍ عاصف، وبينما تسوق أغنامها، سقط صغيرها في ذلك البئر. دوّى صراخها في الفضاء، وجاء عامر وأبوه مسرعين، ألقيا الحبل في جوف الظلمة، لكن الطفل كان غائبًا عن وعيه. صاحت سعدى مذعورة:
"أفيضوا عليه الماء ليفيق!"
ناداه عامر باسمٍ يرتجف، فاستجاب الغلام أخيرًا، وتشبّث بالحبل، وخرج من أعماق البئر إلى النور. غير أن عينيه ظلّتا شاردتين، وروحه تائهة، كأن شيئًا من ذاته بقي هناك في الأعماق.
ومنذ ذلك اليوم، كلما مرّت سعدى قرب البئر، حدّقت طويلًا في ظلمته، كأنها تبحث عن جزءٍ ضائع منها. كانت تسأل نفسها بصوتٍ متهدج:
"هل أخذ البئر روح ولدي؟ أم خبّأ فيه سرًّا لا يُفتش عنه؟"
لم يكن البئر يجيبها، لكن الليل كان يوشوش في قلبها صدى واحدًا: أنّ بعض الأسرار حين تبتلعها الأرض، لا تندثر، بل تبقى حيّة فينا، تهمس لنا ما حيينا.
بقلم الادبية المصرية
هدى أحمد شوكت

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق