الشمعة
هذه ليست حكاية عابرة، بل سيرة شمعة مصرية كتبتها لأبقى شاهدة على ضوءٍ لا ينطفئ.
كانت سلوى فتاة بسيطة، ابنة أسرة فقيرة، تحمل في قلبها نورًا لا يخبو، وعلماً متألقًا منحها مكانة مرموقة بين زملائها. تخرجت طبيبة متفوقة، يسبقها صيتها قبل أن تخطو خطواتها الأولى في دروب الحياة العملية. تقدم لخطبتها زميلها الطبيب سليمان، شاب مجتهد لكنه لا يملك من الدنيا سوى اسمه وعزة نفسه، فقبلت به رغم فقره، ورأت فيه السند الذي يحفظ قلبها ويشاركها أحلامها.
تم الزواج في صمتٍ لا يعرف البذخ ولا مظاهر الفرح؛ فلا جهاز أُعدّ، ولا قاعة أُضيئت، بل اكتفت بأن تسكن في شقة حماتها، والابتسامة لا تفارقها رغم قسوة البداية. لم تنعم بحياة زوجية هادئة إلا أيامًا معدودة، لكن ابنة خالها رقّت لحالها، فدعتها مع زوجها إلى قضاء أسبوع في القاهرة، محاولةً أن تمنحها بعضًا من فرحة شهر عسل لم تعرفه.
رحلت سلوى مع سليمان إلى الإمارات حيث بدأ الكفاح الحقيقي. عملا معًا بجدٍ لا يعرف الكلل، وشيئًا فشيئًا كوّنا نفسيهما حتى استطاعا أن يقتنيا منزلًا خاصًا بهما في حيّ مصر الجديدة بالقاهرة، يفتح أبوابه لهما كلما عادا في إجازة. عاشت سلوى مع زوجها حبًا نادرًا، فقد كان يعشقها حد العبادة، وكانت هي له الحضن والروح والسكينة.
رزقهما الله أربعة أبناء، أولادًا وبناتًا، فكبرت الأسرة وازدادت دفئًا. وبعد سنوات الغربة، قررا العودة إلى مصر والاستقرار فيها، لتبدأ صفحة جديدة من العطاء. ردت سلوى جميل حماتها التي احتضنتها في بداياتها، فأصبحت عونًا لأخوة زوجها، تساعدهم في زواجهم، وتشتري ما يلزمهم دون تردد. بيتها ظل عامرًا بالمحبة، وقلبها ظل يفيض بالعطاء.
لكن القدر، كعادته، يخبئ بين ثناياه ما يوجع الأرواح. مرض سليمان مرضًا عضالًا، ولم يطل به المقام، إذ رحل تاركًا فراغًا لا يُملأ. بكت سلوى حتى جفّت عيناها، لكنها تماسكت من أجل أبنائها. عندها تجلت صورتها الحقيقية: كانت الشمعة التي تُذيب نفسها كي لا ينطفئ نور الآخرين.
تحولت إلى سند أبنائها، تشد من أزرهم حتى عبروا دروب التعليم. تخرج أولادها من كليات الهندسة والحاسبات، أما ابنتاها رانيا وريم فقد حملتا مشعل الأم ودرسن الطب، لتصيرا طبيبتين ناجحتين.
تزوج الأبناء والبنات، وكبر البيت من جديد بالأحفاد. أصبحت سلوى جدة حنونة، وأمًا ثانية لأحفادها، لم تُقصر يومًا في احتضان أحدهم. في بيتها أيضًا عاشت والدتها العجوز، ترعاها حتى لحظة وفاتها، تفي بوعدها أن تظل ابنة بارّة ما دام فيها نفس.
كانت سلوى دائمًا القوة الخفية التي تسعد الجميع: أبناءها، أحفادها، أمهات زوجات أبنائها، وأصدقاء العائلة. غير أن ما لم يعلمه أحد، أن تلك الشمعة كانت تتآكل بصمت؛ فهي نفسها مريضة، تخفي آلامها عن الجميع، حتى لا تُثقل قلوبهم بالحزن. ظلت تبتسم، تمنح الأمل، وتوزع السعادة، حتى غدت رمزًا للتضحية التي لا تُنسى.
وهكذا بقيت سلوى، شمعةً تحترق كي تضيء العالم من حولها، تذوب لتبني غيرها، وتخفي ضعفها خلف ستار القوة. وفي كل قلب عرفها، سيبقى ضوءها حاضرًا لا يخبو، كأنها لم ترحل يومًا.
✦ هذه القصة وديعة عند قلمي، كتبتها بروح مصرية لا تُقلَّد، هدى أحمد شوكت.
✦ كل حرف هنا جزء من ذاكرة امرأة مصرية تكتب الحياة كما عاشتها القلوب.
بقلم الكاتبة الصحفية
هدى أحمد شوكت – مصر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق