الثلاثاء، 16 سبتمبر 2025

🤍 أحلى فرسكا 🤍قصة . ق. بقلم الأديبة/ هدى أحمد شوكت

 أحلى


فرسكا


بقلم الادبية المصرية

هدى أحمد شوكت


---


أحلى فرسكا... وأصعب انتظار


على شاطئ الإسكندرية، حيث يذوب الأفق في زرقة البحر، كان صوت البائع يعلو فوق الموج:

"فرسكا... فرسكا ساقعة... أحلى فرسكا يا جماعة!"


كان أحمد، الرجل الذي يعرفه المصطافون منذ سنين، يحمل صندوقه الخشبي على كتفه بجدٍّ ووقار. لم يكن مجرد بائع موسمي، بل صار رمزًا للبساطة والرضا. ابتسامته أوسع من البحر، وصوته أصدق من نداء النوارس. يعرفه الناس بطيبة قلبه وأمانته، حتى أصبح "أحمد الفرسكا" اسمًا محببًا على لسان كل من مرّ بالشاطئ.


وفي مساء من أمسيات الصيف، لمحها لأول مرة. فتاة في أوائل العشرين، تجلس قرب البحر بكتابها، يغطي شعرها شال أبيض، وعلى وجهها سكينة تشبه صفاء الموج. تقدّم إليها، مدّ إليها كوبًا من الفرسكا الباردة، وقال بصوته الدافئ:

"تفضلي يا آنسة... أحلى فرسكا من أحمد."


رفعت عينيها إليه، وفي عينيها دهشة ممزوجة بابتسامة حيية:

"شكرًا... ربنا يرزقك يا أحمد الصحة والستر، ويفتح لك أبواب الخير."


ابتسم بخجل، وأجاب:

"الكلمة الطيبة أحلى من الفرسكا نفسها... اسمك إيه لو سمحتي؟"


قالت وقد بدا الاحمرار على وجنتيها:

"رانيا."


جلس لحظة قريبة من مقعدها، والشاطئ من حولهما يعجّ بالضحكات والصخب، لكنه لم يسمع إلا صوتها. تبادلا حديثًا قصيرًا عن البحر، عن الكتب، وعن أحلام بسيطة لا تتجاوز حدود القلب. هي كانت تحب الناس جميعًا، تبتسم للغرباء، وتفعل الخير كأنها اعتادت أن تعطي بلا مقابل. وهو كان ينظر إليها وكأنها هدية السماء في زحمة الحياة.


قالت وهي تنهض استعدادًا للرحيل:

"أشوف وشك بخير السنة الجاية إن شاء الله."


أحمد ظل واقفًا، يلوّح لها بعينيه قبل يديه، كأن قلبه قد علّق آماله كلها في جملة عابرة.


مرت السنوات، وكل صيف كان ينتظرها. كل مرة كان البحر يحمل إليه صورتها، وصوتها يعود يتردّد في أذنه. لكن في صيفٍ بعيد، لم تأتِ. بحث عنها بين الوجوه فلم يجدها، وصار نداءه الحزين يختلط بالموج:

"فرسكا... أحلى فرسكا..."


لم يدرِ هل سيجمعهما البحر مرة أخرى أم أن القدر قد خطّ فصولًا أخرى لا يعلمها. كل ما بقي له هو الدعاء:

"يا رب أشوف وشها بخير السنة الجاية..."


البحر شاهدٌ على أمانيه، والشاطئ يحفظ خطواته، وأحمد بقي بائع الفرسكا الذي علّم الجميع أن الرزق لا يُقاس بالمال وحده، بل بالحب الذي يتركه الإنسان في قلوب من يلقاهم.


بقلم: هدى شوكت

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

🌹بائع المرايا🌹كلمات الشاعر الراقي مهندس / محمود الحريري

 «بَائِعُ المَرَايَا» --------------------- قَفْ بِالمَرَايَا وَاسْتَعِدْ زَمَنًا مَضَى ...  مَاتَ النَّهَارُ وَأَقْبَلَتْ سُحُبُ الرَّدَى م...