السبت، 2 أغسطس 2025

🔥عندما تكون الأم مدرسة🔥مقال بقلم الأديبة/ هدى أحمد شوكت

 عندما تكون الأم مدرسة: قصة فيروز، السيدة الأولى في حبٍّ لا يشيخ


كانت الحياة في بيتٍ صغير ببيروت الشرقية تمضي على إيقاعٍ هادئٍ كأنها صلاة. فيروز، الطفلة الخجولة ذات الصوت الندي، لم تكن تعرف أنها ستحمل ذات يوم وجع بلادها كلها، وتغني حنينهم، وتنسج الوطن من أوتار صوتها.


في بيتها، لم تكن فيروز فقط أمّ زياد، بل كانت أمًّا للبنان، للأمل، للحلم، للعصافير التي ترتجف من قسوة شتاء السياسة، ولأطفالٍ بلا مأوى إلا أغنياتها.


---


يا زهرةً نبتتْ في الحنين،

صوتكِ دفءٌ على قلبِ طينْ،

غنيتِ فارتفعَ النشيدُ كأنَّهُ،

أذانُ نَدىً فوق مئذنةِ الحنينْ...


---


في أحد الأيام، دخل زياد ابنها المنزل غاضبًا. رمى أوراقه على الطاولة، ثم جلس وأشعل سيجارة.


– "ما بقى فيني يا إمّي… شو هالبلد؟ شو هالشعب؟ شو هالأكاذيب؟!"


كانت فيروز تحرّك القهوة على النار. لم ترد، فقط أخرجت فنجانين، وسكبت في كلٍ منهما شغفًا وسلامًا.


– "ما فيك تهرب من التعب، بس فيك تغيّر موسيقاه."


قالتها بهدوء، ثم غنّت له:

"رجعت الشتوية، ضلّك حبني..."


صرخ زياد:

– "أنتِ بعدك بتغني يا إمّي؟ بعدك بتآمني إنو الغنية بتغيّر شي؟!"


ردّت بهمسٍ يشبه صلاة:

– "الغنية مش لتغيّر، الغنية لتخلّي القلب يضلّ قلب..."


---


مرت السنون، وكبر زياد. صار رفيق مسرحها، رفيق غضبها، وريثًا شرعيًّا للحزن المزمن في البيت الرحباني. كانت فيروز تغني "زهرة المدائن"، وكان زياد يكتب لليل ثورةً من غضبٍ وسخرية وحبّ.


لكن القدر قاسٍ، وأقداره لا تعرف العدل.


ماتت ليال، شقيقتهما الصغيرة، فصمت البيت شهورًا.

مات عاصي، زوج فيروز، ورفيق طريقها… وسكت الجبل.

مات منصور، ثم إلياس، ثم أصدقاء الفن.


وصار البيت بلا موسيقى.


---


وحدكِ بقيتِ… كأنكِ شجرةُ سنديانٍ رفضتِ السقوط،

كأنكِ نشيدٌ لا يموت،

كأنكِ أمٌّ لا تبكي أمام أبنائها،

لكنها تبكي وحدها خلف الستار.


---


وحين مات زياد…


لم تصرخ.


لم تنهَر.


لم تكتب بيانًا.


ظهرت بالدانتيل الأسود، وشعرها مغطّى، وملامحها كالأيقونة، ثابتة في وجه العاصفة.


قال أحدهم: "هي الصمت في حضرة الرحيل."


وقال آخر: "كانت تغني للحياة، واليوم تغني للحياة بعد الموت."


---


قصيدة شعر في حبّ فيروز – الأم والمدرسة


يا أمّنا في الفنِّ يا فيروزُ، يا وطنَ النغمْ

يا مَن حملتِ صليبَ الصوتِ، فارتفعَ العلمْ


يا مَن غنّيتِ للمسا، والقمحِ، والجرنِ القديمْ

يا مَن بدمعتِكِ الحنونةِ قد شُفيَ الجرحُ السقيمْ


علّمْتِنا كيفَ نحبُّ حتى الخصامْ

كيفَ نُصلّي للصمتِ، إن ضاقَ الكلامْ


فيروزُ، يا أمّ القصيدةِ، يا صلاةَ السحرْ

تبكي الحروفُ إذا مررتِ، وينحني القمرْ


---


فيروز في وداع زياد


حين مات زياد، ماتت قطعة من ذاكرة لبنان، لكنها نهضت.


كانت تعلم أن الأم لا تموت بموت أولادها، بل تتحوّل إلى تراتيل، إلى أمهاتٍ أخريات يحملن الوجع ويغنين معه.


تذكّرت كلمات كتَبها زياد في آخر رسائله:

“ليكِ... أنا جرّبت لاقي إنسان تاني حبّو، ما لقيتو. إذا لقيتيه إنتِ، برافو… إذا لأ، ارجعي بكرا، مو بعد شهر.”


ضحكت بين دمعتين، وقالت لصورته:

– "ما كنت حمارة، كنت أمك."


---


خاتمة


فيروز لم تكن فقط صوتًا... بل كانت وطنًا يُدار بصوت.


كانت أمًا، لكنها علمت ابنها أن الوجع يمكن أن يُغنّى.


كانت مدرسة... تعلّم كيف تصير الأحزان جمالًا.


وكانت، وستبقى، السيدة الأولى...


فيروز، يا حريةً نحملها في جيوبنا حين نُهاجر،

يا نشيدًا كان يجب أن يكون وطنًا…

سلامٌ عليكِ،

من وطنٍ ضاع… وبقيتِ له أمًّا.


بقلم الادبية المصرية


هدي أحمد شوكت


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

🥀من يشتري مني كلمات🥀بقلم الشاعر/ معز ماني

 من يشتري منّي كلمات ؟ فقد تعبت .. من حمل هذا العالم في قصيدة  ومن تنظيف الخراب بالمجازات .. من يشتري منّي كلمات ؟ لقد هرمت .. وأنا أشرح للن...