" أرض الطيبين "
في طريقي إلى السوق، أعتاد المُرورَ بمقهًى شعبي بسيط كبساطةِ رُوَّادِه. وفي كلِ مرّة، تتطلعُ عينايَ بحثاً عن "أبي محمد" ، ذاك الرجل المصري الأسمر هادئ المحيا، الذي التقيته صدفةً فكان يشبه كلَ الطيبين من أهل هذا البلد.
تسألني نفسي كلّما أقبلتُ عليه:
-لماذا تبحث عنه؟ أمن خدمةٍ ترجوها منه؟
فأجيبها بابتسامة:
- بل لألقيَ عليه التحية، وتكتملَ به بركةُ يومي قبل أن أُكملَ طريقي.
أصلُ إلى بائع الخضار ، ذاك الشاب الطيّب الذي ما إن يلمحني حتى تتهللَ أساريره مبتدئاً:
- مُنَوَّر الدنيا يا عمّ أسامة .
فأبتسم له امتناناً، وقد أشرقت نفسي بكلماته التي تفيض ودّاً.
وليس بعيداً عنه، يقف بائع الدجاج، يناديني بلهجته المحببة:
- أهلاً يا باشا.. نورتنا.
(ملاحظة: لستُ بباشا ولا قريباً منها، لكنه اللسان المصري العذب، يُلبسك ألقاب الملوك ليرحب بك كعزيز)
تُقابله بائعة الخضرة، تفترش الأرضَ بعروشِ ، البقدونسِ الشبتِ، عَبَقِ الجرجيرِ والنعناع الذي يملأ الفضاء.
أدنُو منها قائلاً:
- صباح الخير يا خالة.
فتردُّ بصوتٍ دافئٍ حنون:
- صباح الفل يا باشا.. تؤمر بإيه النهاردة؟ عندي ورق عنب زي السكر، وليمون حلو ، انت تؤمر يا باشا بس..
أمّا دكان العطارة، فقد استحالت العلاقة بيني وبين أصحابه إلى صداقةٍ وثيقة ، فلا بُدّ لي من أن أعرّجَ عليهم حتى وإن لم تكن بي حاجةٌ إلى شيء ، أقفُ معهم قليلاً لنتقاسم أطراف الحديث، أطمئنُّ عليهم، ويسألون باهتمامٍ أخويّ عن حالي وحالِ أسرتي.
وفي طريق العودة، أعرّجُ على بائع الخبز، وعادةً ما يدور بيننا ذلك الخلاف "اللطيف" حول جنسية الرغيف:
أقول له:
- عايز عيش سوري لو سمحت.
فيردُّ متسائلاً بعفوية:
- عايز عيش شامي يا بيه؟
فأضحكُ قائلاً:
- يا عمّي.. سوري، شامي.. ما تفرّقش، المهم من إيدك حلو.
فيبادلني ابتسامةً عريضة، تحمل في طيّاتها اعتذاراً رقيقاً عن ذلك اللبس البسيط.
لتكون محطتي الأخيرة عند سوبرماركت "أبي هاني"..
أبو أمين، ذلك الشابُّ دمثُ الخُلُق الذي لا تفارقُ الابتسامةُ المشرقةُ وجهَه، والذي تعرّفتُ عليه في أيامي الأولى بعد انتقالي إلى حيّ "مصر الجديدة" بالقاهرة، فسرعان ما توطّدت بيننا أواصرُ الصداقة.
وبعد فترةٍ ليست بالقصيرة، وعن طريق الصدفة المحضة، عرفتُ أنه "مسيحيّ"..
حينها أدركتُ عمقَ هذا البلد، وقلتُ في سِرّي:
الله عليكِ يا مصر.. بعظمة هويتكِ "المصرية".. والمصريةِ فحسب.
د. أسامة محمد زيدان.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق