الأحد، 23 أغسطس 2026

💥 وحيد 💥قصة بقلم الأديب/ زياد أبو صالح

 وحيد...!!!


بقلم : زياد أبوصالح  / فلسطين 🇵🇸 


     لم يكن اسمه وحيدًا لأنه عاش بلا أهلٍ أو أقارب، بل لأن الدنيا كثيرًا ما تركته وحيدًا في مواجهة قسوتها.  كان رجلًا بسيطًا، أثقلت الأمراض جسده، وأرهق الفقر أيامه، فلم يكن يملك من متاع الدنيا سوى ثيابٍ متواضعة، وقلبٍ أبيض لا يعرف الحقد، وابتسامةٍ لا تغادر وجهه مهما اشتدت عليه المحن. كان يقتات مما يجود به أهل الخير، غير أنه لم يجعل حاجته سببًا لمد يده إلى الناس بإلحاح، بل كان يحاول أن يحفظ ما بقي له من كرامة، ويعيش بما قسمه الله له.

     عرفه أهل البلدة جميعًا. فما من مجلس عزاء إلا وكان أول الحاضرين، يواسي أهل المصاب بكلماتٍ صادقة، ولا فرحٍ إلا ودخله مهنئًا، يوزع السلام قبل أن يوزع الناس نظراتهم إليه. وكان إذا رأى ازدحامًا في الطريق، وقف تحت الشمس الحارقة ينظم حركة المركبات بعفوية، لا ينتظر شكرًا ولا مكافأة، وكأن خدمة الناس عنده عبادة.

     وفي ظهيرة يومٍ من أيام الصيف، ازدانت البلدة بعرسٍ كبير، أقامه أحد أشهر المقاولين احتفالًا بزفاف نجله. نُصبت بيوت الشعر، واصطفت موائد الطعام العامرة، وتعالت أصوات التهاني، وتزاحم المدعوون.

     كان والد العريس رجلًا عرفه الناس بثروته الطائلة؛ يمتلك الأراضي الواسعة، والسيارات الفارهة، والشقق الفخمة، ويحرص على أن يظهر في كل مناسبة بمظهر صاحب الجاه والنفوذ.

     دخل وحيد ساحة الفرح بخطواتٍ مترددة، وقد أنهكه الجوع، لكنه حمل معه ابتسامته المعتادة، وألقى السلام على من صادفه، ثم جلس في طرف المكان ينتظر أن تمتد إليه يدٌ تدعوه إلى الطعام.

     لكن ما حدث لم يكن يخطر على بال إنسان. فما إن لمح والد العريس وجوده، حتى تغيّر وجهه، وأشار إلى بعض أبنائه ومعارفه قائلًا بصوتٍ لا يخلو من القسوة: "اطردوه... انقلع من هون!"

     تقدّموا نحوه، وأمطروه بكلماتٍ جارحة أمام الحاضرين. وقف وحيد مذهولًا، يتمتم بكلماتٍ غير مفهومة، وكأن لسان حاله يقول:

"أطعموني... فأنا جائع... ولا أريد منكم أكثر من لقمةٍ تسد رمقي."

      لكن أحدًا لم يصغ إلى صوته. خرج من المكان مطأطئ الرأس، بينما بقيت الموائد عامرة بما لذ وطاب، وكأن الأرض ضاقت بلقمةٍ لرجلٍ أنهكه الفقر. وفي الجهة الأخرى، كان المقاول يستقبل أصحاب الأموال وكبار المقاولين استقبال الملوك. يعانق هذا، ويقبّل جبين ذاك، ويجلسهم في صدر المجلس، ويوصي أقاربه بمسح المقاعد قبل جلوسهم عليها، ويطلب من القائمين على الطعام أن يضعوا أمامهم أفخر قطع اللحم، الخالية من العظام، ويحرص أن لا تنقص موائدهم شيئًا.

     وكان يرافق بعضهم بنفسه إلى مكان غسل الأيدي، ثم يأمر ساقي القهوة أن يملأ لهم الفناجين مرةً بعد أخرى، ويقدم لهم الحلوى والفواكه، ويغدق عليهم كلمات الترحيب والثناء، حتى ظن الناس أن الكرم لا يعرف طريقه إلا إلى أصحاب الجيوب الممتلئة غير أن كثيرين كانوا يعلمون سر تلك الثروة. فقد جمعها من عرق العمال البسطاء الذين كانوا يعملون لديه داخل الأراضي المحتلة؛ يقتطع من أجورهم بحججٍ واهية، ويؤخر مستحقاتهم، ويمنحهم نصف ما يستحقون، بينما يبني هو القصور، ويشتري الأراضي، ويزداد ثراءً يومًا بعد يوم.

     وظن أن المال سيبقى له إلى الأبد. لكن الأيام لا تثبت على حال. فبعد أشهر من زواج ابنه، بدأت الخسائر تلاحقه. تعثر في تعهداته، وخسر مشروعًا بعد آخر، حتى اضطر إلى بيع الأراضي التي اشتراها من أموال العمال، ثم باع سياراته الفاخرة، وأخذ يستدين من هذا وذاك لعلّه يسد ديونه المتراكمة. وانتشر خبره بين الناس كما تنتشر النار في الهشيم.

     أما أولئك الذين كانوا يتسابقون إلى مصافحته، فقد أصبحوا يتجنبون لقاءه، وكأنهم لم يعرفوه يومًا. ولم تمضِ إلا فترة قصيرة حتى زُجَّ به في السجن بسبب الديون.

     خرج بعد مدة، لكنه خرج رجلًا آخر. انطفأت هيبته، وذبلت ملامحه، وانفض الناس من حوله، ولم يبقَ إلى جانبه إلا ذكرياته الثقيلة. وأصبح إذا دُعي إلى مناسبة، أجلسه أصحابها في طرف المجلس، مع الأطفال أو أصحاب الاحتياجات الخاصة، بعدما كان يجلس في صدر المجالس، ويحيط نفسه بمن كان يظنهم أصدقاء العمر.

     وذات ظهيرة... شهد أهل البلدة مشهدًا لم يكن أحد يتوقعه. كان المقاول يجلس على سدرٍ واحد إلى جانب وحيد.  نعم... ذلك الرجل الذي طُرد يومًا من مأدبة الطعام، صار اليوم يجلس بجوار من طرده. نظر بعض الحاضرين إلى المشهد، ثم تبادلوا النظرات، وهم يرددون في صمت: "سبحان مغير الأحوال... الدنيا دوارة."

     أما وحيد، فلم يحمل في قلبه ضغينة، ولم يذكّره بما فعل، بل جلس بجانبه بهدوء، كما اعتاد أن يجلس مع الجميع، لأن القلوب الكبيرة لا تعرف الشماتة. لكن المقاول لم يستطع أن يرفع عينيه إلى وجهه. كان يرى في صمته محكمةً لا تحتاج إلى قاضٍ، وفي ابتسامته درسًا لم تعلمه له سنوات الثراء.

     ومع مرور الأيام، أصبح المقاول يعيش وحيدًا بالفعل؛ يطارده الندم، وتنهكه الاضطرابات النفسية، ويقاسي من الوحدة والقلق أضعاف ما كان يقاسيه وحيد من الفقر والمرض.

     عندها أدرك، ولكن بعد فوات الأوان، أن موائد الكرم لا تُقاس بكثرة الطعام، وإنما بسعة القلب، وأن اللقمة التي تُمنح ابتغاء وجه الله لا يجوز أن تُمنح للأغنياء وتُمنع عن الجائعين، وأن من يهن كرامة إنسانٍ ضعيف، قد تدور عليه الأيام حتى يتذوق من الكأس نفسها. فالمال زائل، والجاه عابر، أما الرحمة والعدل وحسن الخلق، فهي وحدها التي تبقى في ميزان الإنسان، يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

👏هكذا هي الحياة👏بقلم الشاعرة/ عزة كامل

 هكذا هي الحياة هكذا هي الحياةُ، دربٌ عابرٌ فيها من الأفراحِ ما هو ساحرُ فيها الهناءُ، وفي ثناياها الأسى وفيها نجاحٌ، والحنينُ مشاعرُ نبكي ز...