الخميس، 26 يونيو 2025

.. علم الفراسة .. مقال بقلم الأديبة/ هدى أحمد شوكت


 علم الفِرَاسة: تعريفه، نشأته، وتطوره في عصر الذكاء الاصطناعي


ما هو علم الفراسة؟

الفِراسة هي القدرة على قراءة ملامح الوجه، وتعبيرات الجسد، ونبرات الصوت، وتحليلها لاستخلاص سمات شخصية الإنسان ونواياه وحتى أفكاره الخفية أحيانًا. وقد ارتبط هذا العلم قديمًا بقول العرب: "اعرف الناس من وجوههم"، وكانوا يعدّونه من أدوات الحكمة والفطنة.


يقول الإمام الشافعي رحمه الله: "من تفقّه في الدين، وقرأ السير، ومرّ بالمصانع، وجرّب الناس، تفتّحت له أبواب الفِراسة".


نشأة الفراسة وتاريخها

ظهرت الفِراسة في الحضارات القديمة مثل الهندية، الصينية، واليونانية، وبلغت ذروتها عند العرب الذين جعلوها أداة يومية في تقييم الأشخاص، خصوصًا في الحروب والقيادة والتجارة. ومن أقدم من كتب فيها:


أرسطو: ربط بين ملامح الوجه وطبائع النفس.


أبقراط: تحدث عن العلاقة بين المزاج والمظهر.


ابن سينا والفخر الرازي: جمعوا بين الفراسة والطب.


الرازي والقرطبي وابن قيم الجوزية: ربطوها بالدين والفهم العميق للنفس.


الفراسة في العصر الحديث والذكاء الاصطناعي

مع التقدم التقني، لم يعد علم الفراسة مجرد مهارة إنسانية، بل تطور ليأخذ بُعدًا رقميًا دقيقًا من خلال الذكاء الاصطناعي (AI).


برمجيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على تحليل تعبيرات الوجه بدقة، عبر تقنيات التعرف على المشاعر (Emotion Recognition) وتحليل المايكروتعبيرات (Micro-expressions).


تُستخدم هذه البرمجيات في مجالات:


الأمن والمطارات: لاكتشاف الكذب أو النوايا العدوانية.


التسويق والإعلانات: لفهم انطباعات الزبائن.


المقابلات الوظيفية: لاختيار المرشح الأمثل.


تحقيقات الجرائم: لتحليل لغة الجسد.


شركات كبرى مثل Microsoft وFace++ وAmazon طوّرت برامج للفراسة الرقمية مبنية على التعلم العميق (Deep Learning).


أمثلة من الواقع عن الفراسة البشرية الناجحة


1. أسماء بنت أبي بكر (ذات النطاقين)

حين واجهها جنود قريش، لم تتلعثم ولم يُكتشف سرها، رغم محاصرتها، بسبب فطنتها وقراءة نواياهم من وجوههم، كما قرأت هي خوفهم من المواجهة.


2. الحسن بن الهيثم

حين أمره الحاكم بأمر الله بإيجاد حل لمشكلة نهر النيل، عرف أنه أمام رجل طائش رغم سلطته، فادّعى الجنون ونجا بنفسه من مصير مظلم. تلك كانت فراسة نادرة.


3. عمر بن الخطاب رضي الله عنه

اشتهر بحِدّة فراسته، وكان يُقال عنه: "كان يرى بنور الله". عرف نوايا بعض المنافقين دون تصريح، واستدل على صدق بعض الرجال من نظراتهم وسلوكهم.


4. الإمام الشافعي

كان إذا نظر إلى شخصٍ قال: "هو من قوم كذا" أو "من مهنة كذا"، وأصاب، حتى قيل إنه يقرأ الناس كأنهم كتاب مفتوح.


5. الشيخ الشعراوي

في مقابلاته، كان يستشف من وجه السائل ما خلف سؤاله، ويجيب بروح الفراسة قبل أن تُنطق الحقيقة.


6. رجال مخابرات

استخدم جهاز الاستخبارات السوفيتي (KGB) علم الفراسة في انتقاء عملائه، وتمريرهم على اختبارات تعتمد على تحليل تعبيراتهم تحت الضغط.


7. ستيف جوبز

كان يقرأ مشاعر الموظفين فور دخولهم المكتب، ويستنتج من صمتهم أو ترددهم أنهم أخفوا شيئًا، وكانت فراسته عاملًا رئيسيًا في تشكيل فريق Apple الناجح.


الفراسة: بين الموهبة والعلم

قد يظن البعض أن الفراسة مجرد "حدس"، لكنها في الحقيقة علم قائم على الملاحظة الدقيقة، والخبرة، وقراءة غير اللفظي من لغة الجسد. ومع التكنولوجيا، أصبحت المهارة قابلة للبرمجة والتكرار.


خاتمة

الفراسة لم تمت، بل عادت بثوب رقمي يربط الماضي بالحاضر، ويجعل من الوجه كتابًا مفتوحًا تُقرأ صفحاته عبر الذكاء الاصطناعي. لكن تبقى الفراسة الروحية، المرتبطة بالبصيرة، لا تقرأها كاميرا ولا تحللها خوارزمية… بل هي سر يُؤتى به من الله لمن أخلص وصدق، وفكّر بقلبه قبل عينه.


بقلم " هدى أحمد شوكت

مصر. دمياط

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

🧚لحظة🧚كلمات الشاعرة/ صفاء الخواجة

 😢لحظة😢 سأبحث عنك مابين الشقوق وفوق الصخور وبين العدم يالحظة حنان طواها الزمان  فباتت بسقم تعاني الندم *** 😢بقلمي/ صفاء الخواجة 😢