رقصة الأقدار المجنونة
»»»»»»»»»»
رواية بقلمي/ نصر الدين يوسف
»»»»»»»»»»»»
**الرقصة الثانية /**
**_____صَدَى الهَزِيمَةِ فِي مَمْلَكَةِ الخَرَاب___**
**(السَّاعَةُ التَّاسِعَةُ والنِّصْفُ مَسَاءً – عَشِيَّةُ رَأْسِ السَّنَة)**
عَادَ مُصْطَفَى أَبُو خَلِيل إِلَى وَكْرِهِ الصَّغِير، شُقَّتُهُ الَّتِي كَانَتْ تُشْبِهُ مَقْبَرَةً لِذِكْرَيَاتٍ تَنَاوَبَتْ عَلَيْهَا الفَرَحُ الهَزِيلُ وَاليَأْسُ العَمِيق. دَلَفَ إِلَيْهَا حَامِلاً مَعَهُ ثَلاثَمِائَةِ جُنَيْهٍ فِي مِحْفَظَتِهِ (مِائَةٌ بَائِسَةٌ هِيَ كُلُّ مَا تَبَقَّى مِنْ كَدِّهِ، وَمِائَتَانِ كَصَدَقَةٍ لاذِعَةٍ مِنْ خَصْمِهِ اللَّصِّ الأَنِيق)، وَهَاتِفَاً فَاخِرَاً مُعَطَّلَاً كَشَاهِدٍ أَبْكَمَ عَلَى هَزِيمَتِهِ المُزْدَوِجَة. أَغْلَقَ البَابَ خَلْفَهُ، فَانْغَلَقَ مَعَهُ العَالَمُ الخَارِجِيُّ بِصَخَبِهِ وَعَبَثِهِ، وَأَضْوَاءِ رَأْسِ السَّنَةِ الَّتِي لَمْ تَجِدْ سَبِيلَهَا إِلَى قَلْبِهِ، لِيَتْرُكَهُ وَحِيدَاً مَعَ ضَجِيجِ أَفْكَارِهِ المُتَلاطِمَةِ الَّتِي تَعْصِفُ بِرَأْسِهِ كَرِيَاحِ الشِّتَاءِ القَارِس.
لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ حُزْنٍ مَا يَسْتَشْعِرُهُ، بَلْ مَزِيجٌ سَامٌّ مِنَ الإِهَانَةِ الَّتِي وَخَزَتْ كَرَامَتَهُ كَإِبَرٍ صَدِئَة، وَالأَلَمِ عَلَى سَذَاجَتِهِ الَّتِي اسْتَغَلَّهَا شَابٌّ مَاكِرٌ بِابْتِسَامَةٍ سَاحِرَة، وَالغَضَبِ مِنْ قَدَرٍ يَبْدُو أَنَّهُ يَسْتَمْتِعُ بِرُؤْيَتِهِ يَتَعَثَّرُ عِنْدَ كُلِّ مُنْعَطَفٍ مِنْ مُنْعَطَفَاتِ الحَيَاةِ القَاسِيَة. كَانَتِ الضِّحْكَةُ الصَّافِيَةُ لِـ "عِزّ" لا تَزَالُ تَرِنُّ فِي أُذُنَيْهِ، لا كَضِحْكَةٍ بَرِيئَة، بَلْ كَقَرْعِ طُبُولٍ يُعْلِنُ انْتِصَارَ الخَدِيعَةِ وَسُقُوطَ الفَضِيلَة. وَالأَوْرَاقُ الخَضْرَاءُ المُزَيَّفَة، بِحِكْمَتِهَا السَّاخِرَة، بَدَتْ كَأَنَّهَا أَشْبَاحٌ تُطَارِدُهُ فِي زَوَايَا الغُرْفَةِ المُعْتِمَةِ إِلَّا مِنْ نُورٍ خَافِتٍ يَتَسَلَّلُ مِنْ شُبَّاكٍ مُطِلٍّ عَلَى لا شَيْء. *(حِكْمَةُ اليَوْم: أَحْيَانَاً، يَكُونُ أَمْهَرُ لِصٍّ هُوَ أَفْضَلُ مُعَلِّمٍ فِي فَنِّ الخِدَاع!)* يَا لِلسُّخْرِيَة! هُوَ الَّذِي كَادَ أَنْ يُمَارِسَ "خِفَّةَ اليَد" لِلَحْظَة، لِيَجِدَ نَفْسَهُ تِلْمِيذَاً غَبِيَّاً فِي مَدْرَسَةِ مُحْتَالٍ مُحْتَرِف.
تِلْكَ الشُّقَّة، كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ جُدْرَانٍ تَحْتَضِنُهُ. كَانَتْ مِرْآةً لِرُوحِهِ المُتْعَبَة. جُدْرَانُهَا المُتَقَشِّرَةُ كَجِلْدِهِ الَّذِي لَفَحَتْهُ شَمْسُ الخَيْبَات، تَحْكِي قِصَصَ أَيَّامٍ مَضَتْ، كُلُّ بُقْعَةِ رُطُوبَةٍ فِيهَا كَأَنَّهَا دَمْعَةٌ جَفَّتْ عَلَى خَدِّ الزَّمَن. الأَثَاثُ القَلِيلُ المُتَنَاثِرُ هُنَا وَهُنَاكَ لَمْ يَكُنْ اخْتِيَارَاً ذَوْقِيَّاً، بَلْ تَرِكَةُ صَفَقَاتٍ خَاسِرَةٍ وَهِبَاتٍ مِنْ أَقَارِبَ أَشْفَقُوا عَلَى حَالِهِ. أَرِيكَتُهُ المَهْتَرِئَةُ، الَّتِي هَبَطَ عَلَيْهَا بِجَسَدِهِ المُثْقَل، كَانَتْ كَحُضْنِ عَجُوزٍ حَكِيم، شَهِدَتْ أَفْرَاحَهُ القَلِيلَةَ كَنُجُومٍ خَافِتَةٍ فِي لَيْلٍ طَوِيل، وَأَحْزَانَهُ الكَثِيرَةَ كَسُحُبٍ دَاكِنَةٍ لا تَنْقَشِع. كَانَتْ كُلُّ بُقْعَةٍ عَلَيْهَا، كُلُّ خَدْشٍ، تَذْكَارَاً لِمُحَاوَلَةٍ فَاشِلَةٍ أَوْ أَمَلٍ تَبَدَّد.
وَضَعَ الهَاتِفَ الفَاخِرَ، ثَقِيلَ الوَزْنِ رَغْمَ خَوَاءِ وَظِيفَتِهِ الظَّاهِرَة، عَلَى طَاوِلَةٍ خَشَبِيَّةٍ صَغِيرَةٍ تَتَرَاقَصُ سَاقُهَا المُتَآكِلَةُ كَعَجُوزٍ يَرْقُصُ رَقْصَتَهُ الأَخِيرَة. قِطْعَةٌ مَعْدِنِيَّةٌ وَزُجَاجِيَّةٌ بَرَّاقَة، تَجْسِيدٌ لِلثَّرَاءِ الَّذِي لامَسَهُ لِلَحْظَةٍ ثُمَّ تَبَخَّر، تَارِكَاً وَرَاءَهُ رَائِحَةَ الوَهْمِ وَطَعْمَ المَرَارَة. كَانَ فِي مَلْمَسِ هَذَا الجِهَازِ تَحْدِيدَاً، فِي وَزْنِهِ وَتَفَاصِيلِهِ الدَّقِيقَة، شَيْئَاً يُوحِي بِأَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ مُجَرَّدِ هَاتِفٍ بَاهِظِ الثَّمَن؛ كَانَ كَأَنَّهُ يَحْمِلُ سِرَّاً أَوْ هُوِيَّةً تَتَجَاوَزُ سِعْرَهُ المُفْتَرَض. حَاوَلَ أَنْ يَتَمَاسَكَ، أَنْ يَسْتَجْمِعَ شَتَاتَ نَفْسِهِ المُبَعْثَر. هُوَ مُصْطَفَى أَبُو خَلِيل، الرَّجُلُ الَّذِي يَمْلِكُ مِنَ الذَّكَاءِ وَالمَهَارَةِ مَا يَكْفِي، لا يَجِبُ أَنْ تَسْحَقَهُ صَفْعَةٌ كَهَذِهِ، مَهْمَا كَانَتْ قَاسِيَةً وَمُبَاغِتَة.
نَهَضَ، وَتَحَرَّكَ بِخُطَىً وَئِيدَةٍ نَحْوَ رُكْنٍ فِي الغُرْفَةِ كَانَ بِمَثَابَةِ وَرْشَتِهِ المُصَغَّرَة، مَقْبَرَةٌ لِأَجْهِزَةٍ إِلِكْتِرُونِيَّةٍ قَدِيمَةٍ تَكَدَّسَتْ فَوْقَ بَعْضِهَا كَشَوَاهِدِ قُبُورٍ لِأَحْلَامٍ تِقْنِيَّةٍ لَمْ تَرَ النُّور، شُهُودٌ صَامِتُونَ عَلَى مَشَارِيعَ لَمْ تَكْتَمِلْ أَوْ مُحَاوَلاتِ إِصْلاحٍ بَائِسَةٍ لِكَسْبِ بَعْضِ القُرُوشِ الَّتِي سُرْعَانَ مَا تَتَبَخَّر. هُنَا، وَسَطَ الأَسْلاكِ المُتَشَابِكَةِ كَأَفْكَارِهِ، وَالدَّوَائِرِ المَطْبُوعَةِ العَتِيقَةِ كَأَيَّامِهِ الخَوَالِي، كَانَ مُصْطَفَى يَجِدُ نَوْعَاً مِنَ العَزَاءِ، سَيْطَرَةً وَهْمِيَّةً عَلَى عَالَمٍ جَامِدٍ يُمْكِنُ تَفْكِيكُهُ وَإِعَادَةُ تَرْكِيبِهِ، عَكْسَ حَيَاتِهِ المُتَفَلِّتَةِ كَحَبَّاتِ رَمْلٍ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. كُلُّ قِطْعَةٍ فِيهَا حِكَايَة، كُلُّ مُكَوِّنٍ إِرْثٌ لِفُرْصَةٍ ضَائِعَة.
الْتَقَطَ هَاتِفَ عِزّ (أَوْ هَكَذَا كَانَ يَظُنّ). لَمْ يَكُنْ يَدْفَعُهُ الأَمَلُ بِإِصْلاحِهِ بِقَدْرِ مَا كَانَ يَدْفَعُهُ التَّحَدِّي، رَغْبَةٌ عَنِيدَةٌ فِي فَهْمِ هَذَا اللُّغْز، فِي اخْتِرَاقِ حِصْنِ عَدُوِّهِ الأَنِيق، وَلَوْ كَانَ حِصْنَاً مِنْ زُجَاجٍ مَكْسُور. بَدَأَتْ أَصَابِعُهُ، الَّتِي كَادَتْ أَنْ تَسْرِقَ قَبْلَ سَاعَات، تَتَحَرَّكُ الآنَ بِمَهَارَةِ الجَرَّاحِ الَّذِي يَشُقُّ طَرِيقَهُ نَحْوَ العِلَّةِ المُسْتَعْصِيَة. فَكَّ البَرَاغِيَ الدَّقِيقَةَ بِأَدَوَاتٍ صَدِئَةٍ كَأَحْلَامِهِ، وَرَفَعَ الشَّاشَةَ بِحَذَرٍ يُنَافِي يَأْسَهُ، مُتَأَمِّلاً اللَّوْحَةَ الأُمَّ كَخَرِيطَةٍ لِكَنْزٍ مَفْقُودٍ فِي جَزِيرَةِ النِّسْيَان.
كَانَتْ عَمَلِيَّةً شَاقَّة، أَشْبَهَ بِنَبْشِ قَبْرٍ تِقْنِيّ، أَوْ مُحَاوَلَةِ إِعَادَةِ إِحْيَاءٍ لِمَيِّتٍ إِلِكْتِرُونِيٍّ أُعْلِنَتْ وَفَاتُهُ سَلَفَاً. اسْتَعَانَ بِعَدَسَةٍ مُكَبِّرَةٍ صَدِئَةٍ وَرِثَهَا عَنْ وَالِدِهِ السَّاعَاتِي، وَبِمِكْوَاةِ لِحَامٍ قَدِيمَةٍ تَرَكَتْ نُدُوبَاً عَلَى أَصَابِعِهِ فِي المَاضِي كَأَوْسِمَةِ حُرُوبٍ خَاسِرَة. بَحَثَ بَيْنَ كُنُوزِهِ المَيِّتَةِ مِنْ قِطَعِ الغِيَار، مُكَثِّفٌ هُنَا، مُقَاوَمَةٌ هُنَاكَ، شَرِيحَةُ ذَاكِرَةٍ مِنْ هَاتِفٍ سَقَطَ مِنْ الطَّابَقِ الثَّالِثِ قَبْلَ سَنَوَاتٍ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُنْقِذُهُ. كَانَتْ يَدَاهُ تَعْمَلاَنِ بِتَرْكِيزٍ مَحْمُوم، وَعَقْلُهُ يَسْبَحُ بَيْنَ احْتِمَالاتِ العُطْلِ وَأَسْبَابِ التَّعْطِيلِ المُتَعَمَّدِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ عِزّ فِي رِسَالَتِهِ السَّاخِرَة. *(لِمَاذَا يَتْرُكُ لِي هَاتِفَاً بِهَذَا الثَّمَنِ وَيَدَّعِي أَنَّهُ خُرْدَةٌ لا تُصْلَح؟)* بَدَأَتْ بِذْرَةُ شَكٍّ تَنْمُو فِي عَقْلِهِ، شَكٌّ بِأَنَّ عِزّ رُبَّمَا كَانَ يُخَطِّطُ لِشَيْءٍ أَكْبَرَ، وَأَنَّ هَذَا الهَاتِفَ لَيْسَ مُجَرَّدَ غَنِيمَةٍ تَافِهَة، بَلْ مِفْتَاحٌ لِشَيْءٍ آخَر، لِبَابٍ خَلْفَ بَاب. *(هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الهَاتِفُ مَسْرُوقَاً أَصْلاً؟ وَهَلْ يُرِيدُنِي عِزّ، بِمَهَارَتِي هَذِهِ، أَنْ أَفْتَحَهُ لَهُ؟)*. هَذَا الاِحْتِمَالُ الأَخِيرُ أَرْسَلَ قُشَعْرِيرَةً بَارِدَةً وَحَارَّةً فِي آنٍ وَاحِدٍ عَبْرَ جَسَدِهِ، مَزِيجَاً مِنَ الخَوْفِ المُقْبِضِ وَالإِثَارَةِ الخَبِيثَةِ الَّتِي تُدَاعِبُ شَيْطَانَهُ الدَّاخِلِيّ.
الدقائق مَرَّتْ كسَاعَاتٌ وَهُوَ يُكَافِح، وَالعَرَقُ يَتَصَبَّبُ مِنْ جَبِينِهِ كَشَلَّالِ هُمُوم، يَمْتَزِجُ بِغُبَارِ الإِلِكْتِرُونِيَّاتِ المَيِّتَةِ وَرَائِحَةِ القَصْدِيرِ المُنْصَهِر. كَادَ اليَأْسُ أَنْ يَتَسَلَّلَ إِلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى، أَنْ يُلْقِيَ بِالهَاتِفِ جَانِبَاً وَيَسْتَسْلِمَ لِلنَّوْمِ الَّذِي يُشْبِهُ المَوْتَ الصَّغِير. لَكِنْ، وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي كَادَ فِيهَا أَنْ يُعْلِنَ هَزِيمَتَهُ، وَمِيضٌ خَافِتٌ كَنَجْمَةٍ بَعِيدَةٍ ظَهَرَ عَلَى الشَّاشَةِ لِبُرْهَةٍ لا تُذْكَر بَعْدَ تَبْدِيلِ قِطْعَةٍ صَغِيرَةٍ كَحَبَّةِ الأَرُزّ، ثُمَّ انْطَفَأَ كَأَمَلٍ كَاذِب. لَكِنَّهُ كَانَ كَافِيَاً! اشْتَعَلَ الأَمَلُ فِي صَدْرِهِ مِنْ جَدِيدٍ كَشُعْلَةٍ أَوْشَكَتْ عَلَى الاِنْطِفَاءِ فَأَتَتْهَا رِيحٌ مُوَاتِيَة. أَعَادَ اللِّحَامَ بِأَصَابِعَ تَرْتَجِفُ مِنَ التَّرَقُّب، وَنَظَّفَ التَّمَاسَاتِ بِقُطْعَةِ قُمَاشٍ بَالِيَة، وَهَمَسَ لِلْهَاتِفِ كَمَنْ يُنَاجِي مَرِيضَاً عَلَى فِرَاشِ المَوْتِ، مُتَوَسِّلاً إِلَيْهِ أَنْ يَعُودَ لِلْحَيَاة:
**_"قُومْ يَا جَدَعْ... وَرِّينِي مِسْتَخَبِّي فِيكْ إِيهْ!"_**
وَفَجْأَةً، كَمُعْجِزَةٍ صَغِيرَةٍ انْبَثَقَتْ مِنْ قَلْبِ الخَرَاب، كَزَهْرَةٍ نَبَتَتْ فِي صَخْرَةٍ صَمَّاء، أَضَاءَتِ الشَّاشَةُ بِالْكَامِل! ظَهَرَ شِعَارُ الشَّرِكَةِ المُصَنِّعَةِ بِأَلْوَانِهِ الزَّاهِيَةِ الَّتِي تَنَاقَضَتْ مَعَ كَآبَةِ المَكَان، ثُمَّ بَدَأَ نِظَامُ التَّشْغِيلِ بِالتَّحْمِيلِ بِبُطْءٍ مُعَذِّب، كُلُّ ثَانِيَةٍ تَمُرُّ كَدَهْر. حَبَسَ مُصْطَفَى أَنْفَاسَهُ... لَقَدْ نَجَح! لَقَدْ أَعَادَ الحَيَاةَ إِلَى الهَاتِفِ الَّذِي قِيلَ لَهُ إِنَّهُ "مُعَطَّلٌ تَمَامَاً وَلا يُمْكِنُ إِصْلاحُهُ"! ابْتِسَامَةٌ مُرْهَقَةٌ وَلَكِنَّهَا مُنْتَصِرَة، كَابْتِسَامَةِ مُحَارِبٍ عَادَ مِنْ مَعْرَكَةٍ طَاحِنَة، ارْتَسَمَتْ عَلَى شَفَتَيْهِ المُتَشَقِّقَتَيْن.
لَمْ يُضِعْ وَقْتَاً. بَدَأَ يَتَصَفَّحُ مُحْتَوَيَاتِ الهَاتِفِ بِحَذَرِ المُسْتَكْشِفِ فِي أَرْضٍ مَجْهُولَةٍ مَلِيئَةٍ بِالأَفْخَاخ. مَا وَجَدَهُ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ بَيَانَاتٍ عَادِيَّةٍ لِهَاتِفٍ شَخْصِيٍّ يَحْوِي صُوَراً لِقِطَطٍ وَأَطْبَاقِ طَعَام، بَلْ نَافِذَةٌ عَلَى عَالَمٍ آخَرَ، عَالَمٍ مُظْلِمٍ وَمُعَقَّد. قَائِمَةُ أَسْمَاءٍ تَضُمُّ شَخْصِيَّاتٍ ذَاتَ أَلْقَابٍ وَمَنَاصِبَ رَفِيعَةٍ، بَعْضُهَا مَعْرُوفٌ لَهُ مِنْ صَفَحَاتِ الجَرَائِد. صُوَرٌ فِي أَمَاكِنَ تَفُوقُ الخَيَالَ فَخَامَةً وَبَذَخَاً، لَكِنَّ عِزّ لَمْ يَكُنْ بَطَلَ هَذِهِ الصُّوَر، بَلْ غَالِبَاً مَا يَظْهَرُ عَلَى الهَامِش، كَأَنَّهُ تَابِعٌ خَفِيٌّ أَوْ مُسَاعِدٌ لِصَاحِبِ الهَاتِفِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي لَمْ تَظْهَرْ صُورَتُهُ وَاضِحَةً قَطّ. مُلاحَظَاتٌ مُتَنَاثِرَةٌ عَنْ صَفَقَاتٍ بِمَلايِين، وَأَرْقَامِ حِسَابَاتٍ مُشَفَّرَة، وَخُطَطِ سَفَرٍ مُعَقَّدَةٍ إِلَى جُزُرٍ نَائِيَة. ثُمَّ، فِي مِلَفٍّ مَخْفِيٍّ بِبَرَاعَةٍ تُحَاكِي بَرَاعَةَ الثَّعَالِب، لَكِنْ لَيْسَ بِمَا يَكْفِي لِعُيُونِ مُصْطَفَى الخَبِيرَةِ الَّتِي أَلِفَتْ حِيَلَ المُخَادِعِين، وَجَدَ ضَالَّتَهُ المَنْشُودَة: تَفَاصِيلُ حِسَابٍ بَنْكِيٍّ بِمَبْلَغٍ فَلَكِيٍّ، وَالأَهَمُّ... كَلِمَةُ المُرُور! لَمْ تَكُنْ كَلِمَةَ مُرُورٍ عَادِيَّة، بَلْ عِبَارَةٌ طَوِيلَةٌ وَمُعَقَّدَة، تَحْمِلُ بَصْمَةَ شَخْصٍ شَدِيدِ الثَّرَاءِ وَالحِرْص، لَيْسَ شَخْصَاً بِمَرَحِ وَاسْتِهْتَارِ عِزّ الظَّاهِرِيّ. تَأَكَّدَ الآنَ، هَذَا الهَاتِفُ وَصَاحِبُهُ المَجْهُولُ هُمَا الهَدَفُ الحَقِيقِيُّ، وَعِزّ لَيْسَ سِوَى الوَسِيطِ المَاكِرِ، أَوْ رُبَّمَا... الطُّعْم.
تَوَقَّفَ مُصْطَفَى. تَسَارَعَتْ دَقَّاتُ قَلْبِهِ حَتَّى كَادَ صَوْتُهَا يَمْلَأُ الغُرْفَةَ الصَّامِتَة. الآنَ، الكُرَةُ فِي مَلْعَبِهِ، لَكِنَّ المَلْعَبَ أَكْبَرُ وَأَخْطَرُ مِمَّا تَصَوَّر. لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ ضَحِيَّةٍ لِعِزّ، بَلْ أَصْبَحَ يَحْمِلُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُنْبُلَةً مَوْقُوتَة، وَأَدَاةً فِي لُعْبَةٍ لا يَعْرِفُ أَبْعَادَهَا، لَكِنَّهُ يَمْلِكُ الآنَ القُدْرَةَ عَلَى قَلْبِ الطَّاوِلَة، لَيْسَ فَقَطْ عَلَى عِزّ، بَلْ رُبَّمَا عَلَى الهَدَفِ الأَصْلِيِّ أَيْضَاً. هَمَسَ الشَّيْطَانُ القَدِيمُ فِي أُذُنِهِ مَرَّةً أُخْرَى، بِصَوْتٍ أَكْثَرَ إِغْرَاءً وَخُبْثَاً مِنْ ذِي قَبْل:
**_"يَا مُصْطَفَى، دِي فُرْصَتَكْ الذَّهَبِيَّة! مِشْ مُهِمّ الفِلُوسْ دِي بِتَاعِتْ مِينْ، المُهِمّ إِنْ عِزّ هُوَ اللِّي حَطَّكْ فِي السِّكَّة دِي! خُدْ اللِّي يِعَوَّضَكْ عَنْ كُلّ اللِّي فَاتْ وِيِنْقِذَكْ مِنْ مُسْتَقْبَلَكْ المُظْلِمْ! دِي العَدَالَة!"_**
قَاوَمَ لِلَحَظَات، صُورَةُ وَجْهِهِ المُنْعَكِسِ فِي شَاشَةِ الهَاتِفِ المُظْلِمَةِ قَبْلَ قَلِيلٍ لا تَزَالُ مَاثِلَةً فِي ذِهْنِهِ، صُورَةُ الرَّجُلِ اليَائِسِ المُسْتَعِدِّ لِلسَّرِقَة. هَلْ سَيَعُودُ لِيَكُونَ لِصَّاً مَرَّةً أُخْرَى، لِصَّاً بِدَرَجَةٍ أَعْلَى هَذِهِ المَرَّة؟ لَكِنَّ صُورَةَ جُيُوبِهِ الخَاوِيَة، وَبَابِ الصَّدِيقِ المُوصَد، وَضِحْكَةِ عِزّ السَّاخِرَة، وَالمِائَتَيْ جُنَيْهٍ الَّتِي تُشْبِهُ صَدَقَةً مُهِينَة، وَالمَبْلَغِ الفَلَكِيِّ الَّذِي يَلُوحُ لَهُ مِنْ شَاشَةِ الهَاتِفِ الآنَ كَشَمْسٍ مُشْرِقَةٍ فِي لَيْلٍ بَهِيم... كُلُّ هَذَا حَسَمَ الصِّرَاعَ الدَّاخِلِيَّ بِطَرِيقَةٍ مُؤْلِمَة.
فَتَحَ تَطْبِيقَ البَنْكِ بِحَذَرٍ يُشَابِهُ خُطَى لِصٍّ يَتَسَلَّلُ إِلَى خَزْنَة. أَدْخَلَ اسْمَ المُسْتَخْدِمِ وَكَلِمَةَ المُرُورِ المُعَقَّدَةِ الَّتِي حَفِظَهَا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ فِي ثَوَانٍ مَعْدُودَة. تَوَتَّرَتْ أَصَابِعُهُ وَهُوَ يَضْغَطُ عَلَى زِرِّ الدُّخُول، كَأَنَّهُ يَضْغَطُ عَلَى زِنَادِ مُسَدَّسٍ مَشْحُون. لِلَحْظَة، خَشِيَ أَنْ يَكُونَ الأَمْرُ خُدْعَةً أُخْرَى، كَلِمَةَ مُرُورٍ زَائِفَةٍ أَوْ حِسَابٍ وَهْمِيٍّ زَرَعَهُ عِزّ لِيُكْمِلَ مَسْرَحِيَّتَهُ السَّاخِرَة. لَكِنَّ الصَّفْحَةَ تَحَمَّلَتْ، وَظَهَرَ الرَّصِيدُ أَمَامَهُ... مَبْلَغٌ جَعَلَهُ يَشْهَقُ بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ رَغْمَ وَحْدَتِهِ، شَهْقَةً كَادَتْ أَنْ تَخْنُقَهُ! مَبْلَغٌ يَكْفِي لَيْسَ فَقَطْ لِسَدَادِ دُيُونِهِ وَشِرَاءِ أَلْفِ هَاتِفٍ جَدِيد، بَلْ لِتَغْيِيرِ مَجْرَى حَيَاتِهِ رَأْسَاً عَلَى عَقِب، مَبْلَغٌ يُؤَكِّدُ أَنَّ صَاحِبَ الحِسَابِ لَيْسَ مُجَرَّدَ ثَرِيٍّ، بَلْ إِمْبَرَاطُورٌ مِنْ إِمْبَرَاطُورِيَّاتِ المَالِ الخَفِيَّة.
لَمْ يَتَرَدَّدْ هَذِهِ المَرَّة. الضَّمِيرُ كَانَ قَدْ أُصِيبَ بِغَيْبُوبَةٍ مُؤَقَّتَة. بَدَأَ عَمَلِيَّةَ التَّحْوِيل. لَمْ يَكُنْ جَشَعَاً بِالْكَامِل، فَقَدْ اخْتَارَ مَبْلَغَاً ضَخْمَاً يُؤَمِّنُ مُسْتَقْبَلَهُ وَيُعِيدُ إِلَيْهِ شَيْئَاً مِنْ كَرَامَتِهِ المَسْلُوبَة، لَكِنَّهُ كَانَ لا يَزَالُ جُزْءَاً بَسِيطَاً نِسْبِيَّاً مِنَ الرَّصِيدِ الكُلِّيِّ، مَبْلَغَاً يُمْكِنُ أَنْ يَمُرَّ دُونَ أَنْ يُثِيرَ ضَجَّةً كَبِيرَةً... أَوْ هَكَذَا أَقْنَعَ نَفْسَهُ. أَدْخَلَ تَفَاصِيلَ حِسَابِهِ البَائِس، وَأَكَّدَ العَمَلِيَّةَ بِقَلْبٍ يَخْفِقُ بِعُنْف. ظَهَرَتْ رِسَالَةٌ عَلَى الشَّاشَةِ بِلَوْنٍ أَخْضَرَ مُطَمْئِنٍ ظَاهِرِيَّاً: **"طَلَبُكَ قَيْدَ المُعَالَجَة، سَيَتِمُّ إِرْسَالُ رَمْزِ تَأْكِيدٍ إِلَى الرَّقْمِ المُسَجَّلِ..."**
رَمْزُ تَأْكِيد؟ إِلَى أَيِّ رَقْم؟ قَلْبُهُ هَوَى إِلَى قَدَمَيْهِ. بِالتَّأْكِيدِ لَيْسَ رَقَمَهُ هُوَ، وَلا رَقَمَ عِزّ (المَوْجُودَ فِي هَاتِفِهِ المَسْرُوقِ الآنَ)، بَلْ رَقَمُ صَاحِبِ الهَاتِفِ الأَصْلِيِّ! شَعَرَ بِالدَّمِ يَتَجَمَّدُ فِي عُرُوقِهِ، وَبِقَطَرَاتِ عَرَقٍ بَارِدَةٍ تَتَشَكَّلُ عَلَى جَبِينِهِ وَظَهْرِهِ. هَلْ كَانَ عِزّ يَعْلَمُ بِهَذَا؟ هَلْ هَذِهِ هِيَ نُقْطَةُ الفَشَلِ فِي خُطَّتِهِ، أَمْ أَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ الفَخِّ الأَكْبَرِ الَّذِي نَصَبَهُ لَهُ؟ هَلْ هُوَ الآنَ فِي وَرْطَةٍ أَعْمَقَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى، وَرْطَةٌ لا مَخْرَجَ مِنْهَا؟
وَفِيمَا هُوَ يُحَدِّقُ فِي الشَّاشَةِ بِعُيُونٍ مُتَّسِعَةٍ كَفِنْجَانَيْنِ مِنَ الرُّعْب، وَقَدْ بَدَأَ العَرَقُ البَارِدُ يَتَصَبَّبُ مِنْهُ مَجْدَدَاً كَأَنَّهُ فِي حَمَّامِ سَوْنَا، وَقَبْلَ أَنْ يَتَمَالَكَ نَفْسَهُ لِيُلْغِيَ العَمَلِيَّةَ أَوْ يُفَكِّرَ فِي خُطْوَتِهِ التَّالِيَة... سُمِعَ صَوْتُ نَقْرٍ هَادِئٍ وَمُنْتَظَمٍ عَلَى بَابِ شُقَّتِهِ.
نَقْرٌ لَمْ يَكُنْ غَرِيبَاً، لَكِنَّهُ فِي هَذَا التَّوْقِيتِ، وَبَعْدَ كُلِّ مَا حَدَث، بَدَا كَأَنَّهُ نَقْرُ أَصَابِعِ القَدَرِ ذَاتِهِ. لَيْسَ نَقْرَ سَاعِي البَرِيدِ المُتَأَخِّرِ بِهَدِيَّةِ رَأْسِ سَنَةٍ لَنْ تَأْتِي، وَلا نَقْرٌ الأصدقاء الَّذِينَ نَسُوا أَمْرَهُ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيد. إِنَّهُ نَقْرٌ وَاثِق، هَادِئ، لا يَحْمِلُ أَيَّ تَرَدُّد. نَقْرُ شَخْصٍ يَعْرِفُ أَنَّهُ سَيُفْتَحُ لَهُ البَاب، وَيَعْرِفُ مَا يَدُورُ خَلْفَهُ مِنْ أَسْرَارٍ وَمَخَاوِف.
تَجَمَّدَ مُصْطَفَى فِي مَكَانِهِ كَالتِّمْثَال، الهَاتِفُ فِي يَدِهِ كَقِطْعَةِ جَمْرٍ مُلْتَهِبَة، وَصَوْتُ دَقَّاتِ قَلْبِهِ يُطَغِّي عَلَى صَوْتِ النَّقْرِ القَادِمِ مِنْ الخَارِج، كَطُبُولِ حَرْبٍ تُقْرَعُ فِي سُكُونِ اللَّيْل.
*طَقْ... طَقْ... طَقْ.*
ثُمَّ صَوْتٌ مَأْلُوف، هَادِئ، يَحْمِلُ نَبْرَةَ مَرَحٍ بِالْكَادِ تُخْفِي مَا تَحْتَهَا مِنْ دَهَاءٍ وَتَرَقُّبٍ، جَاءَ مِنْ خَلْفِ البَابِ، وَكَأَنَّهُ صَدَىً لِأَفْكَارِ مُصْطَفَى الأَكْثَرِ قَتَامَة:
**_"أُسْتَاذْ مُصْطَفَى؟ إِيهْ الأَخْبَارْ؟ شَكْلَكْ كِدَه مَشْغُولْ فِي حَاجَاتْ مُهِمَّة جُوَّه... مُمْكِنْ أَدْخُلْ؟ أَصْلِي جَايْ آخُدْ الأَمَانَة بِتَاعْتِي... وِشَكْلِنَا مِحْتَاجِينْ نِتْكَلِّمْ شْوَيَّة فِي البِيزْنِسْ الجِدِيدْ اللِّي شَكْلَكْ فَتَحْتُه دَه."_**
كَانَ عِزّ... قَدْ عَاد. وَلَمْ يَعُدْ وَحْدَهُ هَذِهِ المَرَّة، بَلْ عَادَ مَعَهُ الشَّكُّ وَالخَوْفُ وَرَائِحَةُ الخَطَرِ الَّتِي بَدَأَتْ تَفُوحُ فِي أَرْجَاءِ الشُّقَّةِ المُظْلِمَة.
»»»»»»»»»»
يتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق