رقصة الأقدار المجنونة
»»»»»»»»»
**الرقصة الثالثة /**
**_____هَمْسُ الدَّوْلَةِ فِي أُذُنِ الشَّيْطَانِ الصَّغِير___**
**(السَّاعَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ إِلَّا رُبْعَاً مَسَاءً – عَشِيَّةُ رَأْسِ السَّنَة)**
تَجَمَّدَ مُصْطَفَى، والهَاتِفُ فِي يَدِهِ يَنْبِضُ بِحَرَارَةِ السَّرِقَةِ المُكْتَشَفَةِ قَبْلَ أَوَانِهَا، وَصَوْتُ عِزّ الهَادِئِ السَّاخِرِ يَخْتَرِقُ البَابَ الخَشَبِيَّ العَتِيقَ كَإِبْرَةٍ دَقِيقَةٍ تُصِيبُ مَرْكَزَ العَصَب. لَمْ يَكُنْ يُسَاوِرُهُ أَدْنَى شَكٍّ فِي أَنَّ هَذِهِ هِيَ نِهَايَةُ الفَصْلِ الأَوَّلِ مِنْ مَسْرَحِيَّةِ هَزِيمَتِهِ المُتَوَقَّعَة، وَأَنَّ سَتَائِرَ السِّجْنِ أَوْ مَا هُوَ أَسْوَأُ عَلَى وَشْكِ أَنْ تُسْدَلَ عَلَى حَيَاتِهِ البَائِسَة. لَيْلَةُ رَأْسِ السَّنَةِ هَذِهِ، كَمَا كُلُّ عَام، تَأْبَى إِلَّا أَنْ تُقَدِّمَ لَهُ أَشَدَّ ضَرَبَاتِهَا قَسْوَة.
تَنَفَّسَ بِعُمْقٍ يُشَابِهُ تَنَهُدَاتِ مَنْ يَلْفِظُ أَنْفَاسَهُ الأَخِيرَة، مُحَاوِلاً اسْتِجْمَاعَ بَقَايَا كَرَامَةٍ مَزَّقَتْهَا الخَيْبَةُ وَالنَّدَمُ وَالشُّعُورُ بِالغَبَاءِ الفَادِح. وَضَعَ الهَاتِفَ بِتَأَنٍّ فَوْقَ كَوْمَةٍ مِنْ أَوْرَاقٍ صَفْرَاءَ قَدِيمَة، مُذَكِّرَاتٍ لِمَشَارِيعَ فَاشِلَةٍ وَرُسُومَاتٍ لِاخْتِرَاعَاتٍ لَمْ تَرَ النُّور، كَأَنَّهُ يُوَدِّعُ آخِرَ دَلِيلٍ عَلَى حَمَاقَتِهِ وَسُقُوطِهِ فِي فَخٍّ كَانَ مِنْ صُنْعِ يَدَيْهِ. سَارَ نَحْوَ البَابِ بِخُطُوَاتٍ ثَقِيلَة، كَجُنْدِيٍّ أَعْزَلَ يَسِيرُ مُرْغَمَاً نَحْوَ سَاحَةِ الإِعْدَام. فَتَحَ القُفْلَ الصَّدِئَ، الَّذِي أَصْدَرَ صَرِيرَاً كَأَنَّهُ يَبْكِي عَلَى حَالِ صَاحِبِهِ، لِيَجِدَ عِزَّاً يَقِفُ بِشَكْلٍ مُخْتَلِفٍ عَمَّا عَهِدَهُ فِي المِتْرُو. لَمْ تَعُدْ تِلْكَ الاِبْتِسَامَةُ المُسْتَفِزَّةُ تُرْسَمُ عَلَى شَفَتَيْهِ، بَلْ مَجَرَّدُ هُدُوءٍ غَرِيبٍ، يَكَادُ يَكُونُ وُدُودَاً، وَعَيْنَيْنِ تَحْمِلانِ بَرِيقَاً مُخْتَلِفَاً، بَرِيقَاً أَكْثَرَ جِدِّيَّةً وَعُمْقَاً، يُوحِي بِأَنَّ الأُمُورَ تَجَاوَزَتْ حَدَّ المُزَاحِ وَالخِدَاعِ السَّطْحِيّ.
_ "مِسَا الخِيرْ يَا أُسْتَاذْ مُصْطَفَى،"_ قَالَ عِزّ بِنَبْرَةٍ خَلَتْ تَقْرِيبَاً مِنَ السُّخْرِيَةِ اللَّاذِعَةِ الَّتِي مَيَّزَتْهُ سَابِقَاً، بَلْ حَمَلَتْ طَابَعَاً رَسْمِيَّاً بَعْضَ الشَّيْء، كَنَبْرَةِ مَنْ يُلْقِي بَيَانَاً هَامَّاً. _"أَتَمَنَّى مَاكُونْشِ أَزْعَجْتَكْ فِي وَقْتْ مِتْأَخَّرْ زَيّ دَه."_ وَدَخَلَ الشُّقَّةَ بِخُطُوَاتٍ وَاثِقَة، لا كَمُتَطَفِّلٍ أَوْ زَائِرٍ غَيْرِ مُرَحَّبٍ بِهِ، بَلْ كَمَنْ يَزُورُ مَكَانَاً مَأْلُوفَاً، أَوْ رُبَّمَا كَمَنْ يَمْتَلِكُ مَفَاتِيحَهُ الخَفِيَّةَ وَيَعْرِفُ كُلَّ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاه.
تِلْكَ الشُّقَّةُ الصَّغِيرَة، الَّتِي كَانَتْ بِالأَمْسِ القَرِيبِ مَسْرَحَاً لِيَأْسِهِ وَخَيْبَاتِهِ المُتَكَرِّرَة، بَدَتِ الآنَ تَحْتَ نَظَرَاتِ عِزّ الفَاحِصَةِ وَكَأَنَّهَا صُنْدُوقُ أَسْرَارٍ مَفْتُوحٌ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ. تَمَاثِيلُ الطُّيُورِ المُحَنَّطَةِ عَلَى الرُّفُوفِ المُتَهَالِكَة، الَّتِي اشْتَرَاهَا مُصْطَفَى فِي لَحَظَاتِ تَفَاؤُلٍ عَابِرَةٍ بِأَنَّهَا سَتَجْلِبُ الحَظَّ السَّعِيد، بَدَتْ كَأَنَّهَا تُحَدِّقُ فِيهِ بِعُيُونٍ زُجَاجِيَّةٍ تَحْمِلُ اتِّهَامَاً صَامِتَاً بِالسَّذَاجَة. كَوْمَةُ الكُتُبِ الفَلْسَفِيَّةِ المُتَهَالِكَةِ فِي الزَّاوِيَة، الَّتِي كَانَ يَهْرُبُ إِلَيْهَا مِنْ مَرَارَةِ الوَاقِعِ وَقَسْوَةِ النَّاس، بَدَتْ كَشَوَاهِدِ قُبُورٍ لِأَحْلَامٍ مِثَالِيَّةٍ سَحَقَهَا الزَّمَنُ وَطَحَنَتْهَا ظُرُوفُ الحَيَاة. حَتَّى رَائِحَةُ الغُبَارِ المَمْزُوجَةُ بِعَبَقِ القَهْوَةِ البَارِدَةِ وَبَقَايَا دُخَانِ السَّجَائِرِ الرَّخِيصَة، الَّتِي كَانَتْ تُشَكِّلُ هُوِيَّةَ المَكَانِ وَتُعْلِنُ عَنْ عَادَاتِ سَاكِنِهِ، بَدَتْ كَأَنَّهَا تُفْشِي أَسْرَارَ صَاحِبِهَا وَهَزَائِمَهُ المُتَتَالِيَة.
أَشَارَ عِزّ إِلَى الأَرِيكَةِ المَهْتَرِئَةِ الَّتِي لَمْ تَعُدْ تَحْتَمِلُ المَزِيدَ مِنْ أَعْبَاءِ الحَيَاةِ وَأَثْقَالِ الجَالِسِينَ عَلَيْهَا: _"مُمْكِنْ نِسْتَرَيَّحْ دِقِيقَة يَا أُسْتَاذْ مُصْطَفَى؟ فِيه مَوْضُوع مُهِمّ جِدَّاً مِحْتَاجْ أَتْكَلِّمْ مَعَاكْ فِيه."_
جَلَسَ مُصْطَفَى عَلَى حَافَةِ كُرْسِيِّهِ الخَشَبِيِّ المُخَلْخَل، الَّذِي كَانَ يُصْدِرُ صَرِيرَاً مُزْعِجَاً مَعَ كُلِّ حَرَكَةٍ كَأَنَّهُ يَئِنُّ مِنْ وَطْأَةِ الأَيَّامِ وَثِقَلِ الهُمُوم. كَانَ يَنْتَظِرُ أَنْ تَبْدَأَ المُسَاوَمَةُ عَلَى حُرِّيَّتِهِ، أَوْ رُبَّمَا تَهْدِيدَاً مُبَطَّنَاً بِسُخْرِيَةٍ لاذِعَة، لَكِنَّ عِزّ فَاجَأَهُ مَرَّةً أُخْرَى بِجِدِّيَّةٍ لَمْ يَعْهَدْهَا فِيه.
_"الأُسْتَاذْ مُصْطَفَى أَبُو خَلِيل..."_ بَدَأَ عِزّ وَكَأَنَّهُ يَقْرَأُ مِنْ مِلَفٍّ خَفِيٍّ أَمَامَهُ، مِلَفٍّ يَعْرِفُهُ مُصْطَفَى جَيِّدَاً، لِأَنَّهُ مِلَفُّ حَيَاتِهِ ذَاتِهَا. _"خَمْسُونْ عَامَاً، خِبْرَة وَاسِعَة فِي الإِلِكْتِرُونِيَّاتِ الدَّقِيقَةِ وَفَكِّ الشَّفَرَاتِ، مَهَارَاتٌ اسْتِثْنَائِيَّةٌ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الأَنْظِمَةِ المُعَقَّدَةِ وَإِصْلاحِ مَا يَسْتَعْصِي عَلَى الآخَرِين. ذَكَاءٌ حَادٌّ، وَقُدْرَةٌ عَلَى الاِرْتِجَالِ تَحْتَ الضَّغْط. تَارِيخٌ مِنْ الخَسَائِرِ المَالِيَّةِ المُتَتَالِيَة، وَتَجَارِبُ شَخْصِيَّةٌ مُرِيرَة أَدَّتْ إِلَى عَزْلَةٍ وَيَأْس. رَجُلٌ عَلَى حَافَةِ الهَاوِيَة... وَلَكِنَّهُ يَمْتَلِكُ مَفَاتِيحَ قَدْ تَفْتَحُ أَبْوَابَاً لا يَتَخَيَّلُهَا."_
اتَّسَعَتْ عَيْنَا مُصْطَفَى بِذُهُولٍ لَمْ يَسْتَطِعْ إِخْفَاءَهُ. كَيْفَ يَعْرِفُ عِزّ كُلَّ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ الدَّقِيقَةِ عَنْ حَيَاتِهِ؟ هَلْ كَانَتْ عَمَلِيَّةُ سَرِقَةِ المِحْفَظَةِ فِي المِتْرُو مُجَرَّدَ وَاجِهَةٍ لِشَيْءٍ أَعْمَق، لِعَمَلِيَّةِ رَصْدٍ وَتَجْنِيدٍ مُحْكَمَةٍ كَانَ هُوَ غَافِلاً عَنْهَا؟
ابْتَسَمَ عِزّ ابْتِسَامَةً خَفِيفَة، كَمَنْ يَكْشِفُ عَنْ وَرَقَةٍ رَابِحَةٍ فِي لُعْبَةِ بُوكَرٍ حَاسِمَة: _"مِسْتَغْرِبْ طَبْعَاً أَنَا عِرِفْتْ كُلّ دَه إِزَّايْ، مِشْ كِدَه؟"_ ثُمَّ انْحَنَى قَلِيلاً إِلَى الأَمَام، وَخَفَتَ صَوْتُهُ لِيُصْبِحَ هَمْسَاً يَحْمِلُ ثِقَلاً وَسِرِّيَّةً لا تُخْطِئُهُمَا الأُذُن: _"يَا أُسْتَاذْ مُصْطَفَى، أَنَا مِشْ مُجَرَّدْ وَاحِدْ قَابِلْتُه صُدْفَة فِي المِتْرُو، وَلَا أَنَا حَرَامِي مَحَافِظْ زَيّ مَا مُمْكِنْ تِكُونْ افْتَكَرْتْ فِي الأَوِّلْ. الحَقِيقَة... أَنَا بَنْتَمِي لِجِهَةٍ مَا... جِهَةٍ شُغْلَانْتَهَا تْحَافِظْ عَلَى البَلَدْ دِي نِضِيفَة مِنْ شْوَيِّةْ أَوْسَاخْ بِيحَاوْلُوا يِنْهَشُوهَا وِيخَرَّبُوهَا."_
تَجَمَّدَ الدَّمُ فِي عُرُوقِ مُصْطَفَى، وَشَعَرَ بِبُرُودَةٍ تَسْرِي فِي أَطْرَافِهِ. _"جِهَة أَمْنِيَّة؟"_ هَمَسَ بِصَوْتٍ مُخْتَنِق، كَأَنَّ الكَلِمَةَ ذَاتَهَا تَحْمِلُ وَزْنَاً ثَقِيلاً.
أَوْمَأَ عِزّ بِرَأْسِهِ بِبُطْء، وَعَيْنَاهُ الثَّاقِبَتَانِ لا تُفَارِقَانِ وَجْهَ مُصْطَفَى، كَأَنَّهُ يَقْرَأُ أَدَقَّ انْفِعَالاتِهِ وَيُقَيِّمُ رَدَّ فِعْلِهِ. _"مُمْكِنْ تِسَمِّيهَا كِدَه. جِهَةٌ بِتِشْتَغَلْ فِي الظِّلّ، عَشَانْ النُّورْ يِفْضَلْ مِنْوَّرْ لِلنَّاسْ الطَّيِّبَة اللِّي زَيَّكْ يَا أُسْتَاذْ مُصْطَفَى."_ ثُمَّ أَشَارَ بِرَأْسِهِ إِلَى الهَاتِفِ الفَاخِرِ الَّذِي كَانَ مُصْطَفَى قَدْ وَضَعَهُ بِارْتِبَاكٍ عَلَى الطَّاوِلَة. _"التِّلِيفُونْ دَه، يَا أُسْتَاذْ مُصْطَفَى، مِشْ مُجَرَّدْ تِلِيفُونْ غَالِي مَسْرُوقْ أَوْ مُعَطَّلْ. دَه صَنْدُوقْ أَسْوَدْ لِوَاحِدْ مِنْ أَكْبَرْ رُؤُوسْ الفَسَادْ فِي البَلَدْ دِي. وَاحِدْ إِحْنَا بِنْرَاقِبُه بَقَالْنَا شُهُورْ، وِبِنْحَاوِلْ نُوصَلْ لِدَلِيلْ قَاطِعْ يِدِينُه هُوَ وِكُلّ الشَّبَكَة اللِّي مَعَاه."_
صَمَتَ عِزّ لِلَحْظَة، كَأَنَّهُ يَتْرُكُ وَقْعَ الكَلِمَاتِ يَتَغَلْغَلُ فِي وَعْيِ مُصْطَفَى المُشَوَّش. ثُمَّ أَكْمَلَ بِنَبْرَةٍ تُشْعِرُكَ بِأَهَمِّيَّةِ المَهَمَّةِ وَخُطُورَتِهَا وَحَسَاسِيَّتِهَا: _"لِلأَسَفْ الشَّدِيد، الرَّاجِلْ دَه حَرِيصْ جِدَّاً وِمَاكِرْ. كُلّ أَسْرَارُه، كُلّ أَسْمَاء شُرَكَائِهِ، كُلّ تَفَاصِيل صَفَقَاتُه المَشْبُوهَة اللِّي بِتِدَمَّرْ اقْتِصَادْ البَلَد... مَوْجُودَة فِي مِلَفٍّ خَفِيٍّ عَلَى التِّلِيفُونْ دَه. مِلَفٍّ مِتْشَفَّرْ بِطَرِيقَةٍ مُعَقَّدَةٍ جِدَّاً، مَحَدِّشْ مِنْ خُبَرَائِنَا قِدِرْ يِوْصَلْ لُه لِغَايِةْ دِلْوَقْتِي."_
وَهُنَا، نَظَرَ عِزّ إِلَى مُصْطَفَى نَظْرَةً تَحْمِلُ تَقْدِيرَاً مَمْزُوجَاً بِالرَّجَاءِ وَالاِسْتِعْطَافِ الذَّكِيّ: _"وِهُنَا يِيجِي دُورَكْ يَا أُسْتَاذْ مُصْطَفَى. أَنَا شُفْتْ بِعِينِي إِمْكَانِيَّاتَكْ فِي المِتْرُو، وِشُفْتْ إِزَّايْ قِدِرْتْ بِلَمْسَة بَسِيطَة إِنَّكْ... تِسْتَعِيرْ المِحْفَظَة."_ ابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً كَادَتْ أَنْ تُعِيدَ شَيْئَاً مِنْ شَخْصِيَّتِهِ الأُولَى، قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ بِجِدِّيَّة. _"وِعِرِفْتْ كَمَانْ مِنْ مَصَادِرْنَا إِنَّكْ عَبْقَرِي فِي مَجَالَكْ دَه، وَإِنْ مَفِيشْ جِهَازْ إِلِكْتِرُونِي يِصْعَبْ عَلِيكْ. إِحْنَا مِحْتَاجِينْ مُسَاعِدْتَكْ. مِحْتَاجِينْ خِبْرِتَكْ عَشَانْ تِفْتَحْ لَنَا المِلَفّ دَه. المِلَفّ دَه هُوَ مُفْتَاحْ القَضِيَّة كُلَّهَا. لَوْ قِدِرْنَا نُوصَلْ لُه، هَنِقْدَرْ نِنَضَّفْ البَلَدْ مِنْ عِصَابَة كِبِيرَة جِدَّاً كَانِتْ هَتِغَرَّقْهَا."_
كَانَ التَّحَوُّلُ فِي شَخْصِيَّةِ عِزّ مُذْهِلَاً وَمُقْنِعَاً بِشَكْلٍ غَرِيب. اخْتَفَتْ خِفَّةُ اللَّصِّ الظَّرِيفِ وَاسْتِهْتَارُهُ، وَحَلَّ مَحَلَّهَا وَقَارُ رَجُلِ الدَّوْلَةِ الَّذِي يَحْمِلُ هَمَّ الوَطَنِ عَلَى عَاتِقِهِ. طَرِيقَةُ كَلامِهِ، نَبْرَةُ صَوْتِهِ، حَتَّى لُغَةُ جَسَدِهِ المُسْتَقِيمَةُ وَنَظَرَاتُهُ الثَّابِتَة، كُلُّهَا أَوْحَتْ بِالجِدِّيَّةِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ وَالصِّدْق. كَانَ مُصْطَفَى يَشْعُرُ وَكَأَنَّهُ أَمَامَ شَخْصَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ تَمَامَاً. الأَوَّلُ شَيْطَانٌ صَغِيرٌ أَغْوَاهُ بِالسَّرِقَةِ وَالسُّقُوط، وَالثَّانِي مَلاكُ أَمْنٍ يُرِيدُ أَنْ يَنْتَشِلَهُ وَيَطْلُبُ مِنْهُ خِدْمَةً وَطَنِيَّةً جَلِيلَة.
_"وِلِيه أَنَا بِالذَّاتْ؟"_ سَأَلَ مُصْطَفَى، وَلا يَزَالُ الشَّكُّ يَنْهَشُ قَلْبَهُ كَدُودَةٍ خَبِيثَة، فَالخَدِيعَةُ الأُولَى كَانَتْ مُؤْلِمَةً بِمَا يَكْفِي. _"أَكِيدْ عِنْدِكُمْ خُبَرَاءْ يِقْدَرُوا يِعْمِلُوا كِدَه."_
قَاطَعَهُ عِزّ بِهُدُوءٍ وَثِقَة: _"عِنْدِنَا طَبْعَاً. بَسْ لِلأَسَفْ، الوَقْتْ بِيضِيعْ مِنِّنَا. وِالرَّاجِلْ دَه مُمْكِنْ فِي أَيّ لَحْظَة يِمْسَحْ كُلّ حَاجَة مِنْ عَلَى التِّلِيفُونْ عَنْ بُعْد لَوْ حَسّ بِأَيّ خَطَر. إِحْنَا مِحْتَاجِينْ حَدّ يِشْتَغَلْ بِسُرْعَة وِبِدِقَّة، وِحَدّ مِشْ مَعْرُوفْ لِينَا بِشَكْلٍ رَسْمِي عَشَانْ لَوْ حَصَلْ أَيّ تَسْرِيبْ أَوْ مُشْكِلَة... إِنْتَ فَاهِمْ طَبْعَاً خُطُورَة المَوْقِفْ."_ ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةٍ تَحْمِلُ نَوْعَاً مِنَ التَّعَاطُفِ الصَّادِقِ مَعَ حَالِهِ: _"وِأَنَا عَارِفْ إِنَّكْ بِتِمُرّ بِظُرُوفْ صَعْبَة يَا أُسْتَاذْ مُصْطَفَى. وِعَارِفْ إِنَّكْ مِحْتَاجْ فُرْصَة تِثْبِتْ فِيهَا نَفْسَكْ، وِتِسْتَعِيدْ اعْتِبَارَكْ، وِتِعْمِلْ حَاجَة كُوَيِّسَة تِفَاخَرْ بِيهَا."_
_"وِالفِلُوسْ اللِّي كَانِتْ فِي المِحْفَظَة؟"_ سَأَلَ مُصْطَفَى، مُشِيرَاً إِلَى مِحْفَظَةِ عِزّ الَّتِي سَرَقَهَا ثُمَّ اكْتَشَفَ أَنَّهَا مُزَيَّفَة. _"وِالـ... الدُّولَارَاتْ الوَهْمِيَّة؟"_
ابْتَسَمَ عِزّ: _"دِي كَانِتْ مُجَرَّدْ تَمْوِيهْ يَا أُسْتَاذْ مُصْطَفَى، وِاسْتِدْرَاجْ. جُزْء مِنْ الخِطَّة عَشَانْ أَقَرَّبْ مِنْكَ، وِعَشَانْ أَخْتَبِرْ رَدّ فِعْلَكْ وِقُدْرَاتَكْ. إِحْنَا مَيِهِمِّنَاشْ الفِلُوسْ دِي فِي حَاجَة. هَدَفْنَا أَكْبَرْ مِنْ كِدَه بِكْتِيرْ."_ ثُمَّ مَالَ نَحْوَهُ مَرَّةً أُخْرَى، وَخَفَتَ صَوْتُهُ كَمَنْ يَبُوحُ بِسِرٍّ ثَمِينٍ لا يُقَدَّرُ بِمَال: _"لَكِنْ أَوْعِدَكْ، لَوْ سَاعِدْتِنَا فِي المَهَمَّة دِي، وِنِجِحْنَا فِي إِنِّنَا نُوصَلْ لِلْمِلَفّ دَه... أَنَا شَخْصِيَّاً هَضْمَنْ لَكْ إِنَّكْ تَاخُدْ مُكَافْأَة مُجْزِيَة جِدَّاً. مُكَافْأَة تِخَلِّيكْ تِنْسَى كُلّ اللِّي فَاتْ، وِتِبْدَأْ حَيَاة جِدِيدَة تِلِيقْ بِيكْ وِبِإِمْكَانِيَّاتَكْ العَالِيَة. وِحَتَّى لَوْ احْتَجْتْ جُزْء مِنْ الفِلُوسْ اللِّي فِي حِسَابْ الرَّاجِلْ دَه كَـ... تَسْبِيقْ، مَفِيشْ أَيّ مُشْكِلَة. المُهِمّ عِنْدِنَا هُوَ المِلَفّ، لِأَنُّه مَصِيرْ بَلَدْ."_
كَانَ العَرْضُ مُغْرِيَاً بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ هَذِهِ المَرَّة. لَمْ يَعُدِ الأَمْرُ مُجَرَّدَ سَرِقَةٍ وَانْتِهَازِ فُرْصَةٍ لِلثَّرَاءِ الحَرَام، بَلْ أَصْبَحَ مَهَمَّةً وَطَنِيَّةً نَبِيلَة، فُرْصَةً لِلْمُسَاهَمَةِ فِي تَحْقِيقِ العَدَالَةِ وَتَطْهِيرِ البَلَدِ مِنَ الفَسَاد، وَفَوْقَ كُلِّ هَذَا، فُرْصَةً لِلْخَلاصِ الشَّخْصِيِّ وَاسْتِعَادَةِ الذَّات. شَعَرَ مُصْطَفَى بِأَنَّ الأَقْدَارَ تَرْقُصُ مَعَهُ رَقْصَةً أَكْثَرَ تَعْقِيدَاً وَجُنُونَاً مِمَّا ظَنّ. هَلْ هُوَ مُجَرَّدُ بَيْدَقٍ فِي لُعْبَةِ مُخَابَرَاتٍ أَكْبَرَ مِنْهُ بِكَثِير؟ أَمْ أَنَّهُ فِعْلاً الرَّجُلُ المُنَاسِبُ فِي المَكَانِ المُنَاسِب، الَّذِي سَتُتَاحُ لَهُ فُرْصَةٌ نَادِرَةٌ لِتَغْيِيرِ مَصِيرِهِ وَمَصِيرِ آخَرِينَ؟
نَظَرَ إِلَى وَجْهِ عِزّ، مُحَاوِلاً أَنْ يَرَى مَا خَلْفَ قِنَاعِ رَجُلِ الأَمْنِ هَذَا. هَلْ هُوَ صَادِقٌ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ قَالَهَا؟ أَمْ أَنَّهَا مُجَرَّدُ خُدْعَةٍ أُخْرَى، أَكْثَرُ إِحْكَامَاً وَدَهَاءً وَإِغْرَاءً مِنْ سَابِقَتِهَا؟ لَكِنَّ شَيْئَاً فِي نَبْرَةِ عِزّ، فِي جِدِّيَّةِ عَيْنَيْهِ، فِي الحَرَارَةِ الَّتِي بَدَتْ صَادِقَةً فِي صَوْتِهِ وَهُوَ يَتَحَدَّثُ عَنِ الوَطَنِ وَالفَسَاد، جَعَلَهُ يَمِيلُ إِلَى التَّصْدِيق، أَوْ رُبَّمَا... إِلَى الرَّغْبَةِ الشَّدِيدَةِ فِي التَّصْدِيق.
_"وِلَوْ فَشَلْتْ؟"_ سَأَلَ مُصْطَفَى، وَهُوَ يَشْعُرُ بِأَنَّ هَذَا السُّؤَالَ أَصْبَحَ لازِمَةً مُحْزِنَةً فِي حِوَارِهِ مَعَ عِزّ، يُذَكِّرُهُ بِفَشَلِهِ المُسْتَمِرّ.
تَنَهَّدَ عِزّ تَنَهِيدَةً عَمِيقَةً وَكَأَنَّهُ يَحْمِلُ عِبْءَ العَالَمِ كُلِّهِ عَلَى كَتِفَيْهِ: _"سَاعِتْهَا يَا أُسْتَاذْ مُصْطَفَى، هَنِكُونْ خْسِرْنَا فُرْصَة كِبِيرَة قَوِي. وِهَنِضْطَرّ نِدَوَّرْ عَلَى طَرِيقَة تَانْيَة أَصْعَبْ وِأَخْطَرْ. بَسْ أَنَا وَاثِقْ إِنَّكْ مِشْ هَتِفْشَلْ. أَنَا مُؤْمِنْ بِقُدْرَاتَكْ دِي."_ ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةٍ وُدُودَةٍ تُحَاوِلُ أَنْ تُزِيلَ أَيَّ أَثَرٍ لِلْخَوْفِ أَوِ التَّرَدُّد: _"وِمَتِقْلَقْشِ، لَوْ فَشَلْتْ، مَحَدِّشْ هَيْحَاسْبَكْ عَلَى حَاجَة. إِنْتَ هَتِكُونْ عَمَلْتْ اللِّي عَلِيكْ وِزْيَادَة، وِهَنِفْضَلْ أَصْدِقَاء."_
أَصْدِقَاء؟ كَلِمَةٌ غَرِيبَةٌ وَمُفَاجِئَةٌ فِي هَذَا السِّيَاقِ المُلَبَّدِ بِالغُمُوضِ وَالخَطَرِ وَالمَصَالِحِ المُتَضَارِبَة.
نَهَضَ عِزّ، وَمَدَّ يَدَهُ لِمُصْطَفَى: _"هَا، قُلْتِ إِيهْ يَا أُسْتَاذْ مُصْطَفَى؟ مِسْتَعِدّ تْسَاعِدْ بَلَدَكْ... وِتْسَاعِدْ نَفْسَكْ؟"_
وَقَفَ مُصْطَفَى. صَافَحَ يَدَ عِزّ، الَّتِي بَدَتْ دَافِئَةً وَثَابِتَةً هَذِهِ المَرَّة، لا كَيَدِ اللِّصِّ المُرَاوِغ. شَعَرَ بِأَنَّ قَرَارَاً مَصِيرِيَّاً قَدِ اتُّخِذَ، وَأَنَّ رَقْصَةَ الأَقْدَارِ قَدْ دَخَلَتْ مُنْعَطَفَاً جَدِيدَاً، لا يَقِلُّ جُنُونَاً عَنْ سَابِقِهِ، وَلَكِنَّهُ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ بَصِيصَ أَمَلٍ مُخْتَلِف، أَمَلٍ فِي الخَلاصِ وَالتَّكْفِير.
_"أَنَا مَعَاكُمْ،"_ قَالَ مُصْطَفَى بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَكِنَّهُ يَحْمِلُ عَزْمَاً مُفَاجِئَاً، _"بَسْ بِشَرْط وَاحِدْ."_
ابْتَسَمَ عِزّ ابْتِسَامَةً مُشْرِقَة: _"اتْفَضَّلْ يَا أُسْتَاذْ مُصْطَفَى. شُرُوطَكْ أَوَامِرْ."_
_"شَرْطِي،"_ قَالَ مُصْطَفَى وَعَيْنَاهُ تَلْمَعَانِ بِتَصْمِيمٍ لَمْ يَرَهُ فِيهِمَا أَحَدٌ مُنْذُ سَنَوَات، _"إِنْ بَعْد مَا نِخَلَّصْ المَهَمَّة دِي، وِنِوَصَّلْ لِلْمِلَفّ، تْسَاعِدُونِي أَلَاقِي شُغْلَانَة مُحْتَرَمَة فِي مَجَالْ خِبْرِتِي. شُغْلَانَة أَقْدَرْ أَعِيشْ مِنْهَا بِكَرَامَة، بَعِيدْ عَنْ كُلّ القَرَفْ دَه، وِمَا اضْطَرِّشْ أَمِدّ إِيدِي لِحَدّ تَانِي أَبَدَاً."_
اتَّسَعَتِ ابْتِسَامَةُ عِزّ، وَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ بِحَرَارَةٍ وَتَأْكِيد: _"دَه أَقَلّ وَاجِبْ يَا أُسْتَاذْ مُصْطَفَى. اعْتِبِرْ المَوْضُوعْ دَه مِنْ أَوْلَه لِآخِرُه مُنْتَهِي. بِمُجَرَّدْ مَا المِلَفّ دَه يِكُونْ فِي إِيدِينَا، مُسْتَقْبَلَكْ كُلُّه هَيِتْغَيَّرْ لِلأَحْسَنْ. أَوْعِدَكْ بِكِدَه قُدَّامْ رَبِّنَا."_
ثُمَّ أَشَارَ إِلَى الهَاتِفِ مَرَّةً أُخْرَى، وَعَادَتْ إِلَى وَجْهِهِ نَظْرَةُ الجِدِّيَّةِ وَالتَّرْكِيزِ وَالحَذَر: _"طَيِّبْ يَا بَطَلْ. أَوِّلْ خَطْوَة، مِحْتَاجِينْ نِعْرَفْ إِزَّايْ نُوصَلْ لِلْمِلَفّ دَه مِنْ غِيرْ مَا صَاحِبْ التِّلِيفُونْ يِحِسّ بِأَيّ حَاجَة. عِنْدَكْ أَيّ أَفْكَارْ مُبْدِئِيَّة؟ خُصُوصَاً إِنَّنَا لَغِينَا طَلَبْ التَّحْوِيلْ اللِّي كُنْتَ لِسَّه هَتِبْدَأ فِيه دَه. كَانْ مُمْكِنْ يِكْشِفْنَا."_
أَخَذَ مُصْطَفَى الهَاتِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، هَذِهِ المَرَّة لَيْسَ كَغَنِيمَةٍ مَسْرُوقَةٍ أَوْ لُعْبَةٍ يَتَسَلَّى بِهَا، بَلْ كَأَدَاةٍ فِي مَهَمَّةٍ خَطِيرَةٍ وَمَصِيرِيَّة. نَظَرَ إِلَى عِزّ، وَقَالَ بِنَبْرَةِ الخَبِيرِ الَّذِي يَسْتَعْرِضُ عُضَلاتِهِ الفِكْرِيَّةَ بِثِقَة:
_"عِنْدِي أَكْتَرْ مِنْ فِكْرَة. بَسْ الأَوَّلْ، مِحْتَاجْ أَعْرَفْ كُلّ تَفْصِيلَة صَغِيرَة عَنْ نِظَامْ حِمَايِةْ التِّلِيفُونْ دَه... وِعَنْ صَاحْبُه. كُلّ مَا المَعْلُومَاتْ كَانِتْ أَدَقّ، كُلّ مَا كَانِتْ فُرْصِتْنَا فِي النَّجَاحْ أَكْبَرْ."_
ابْتَسَمَ عِزّ ابْتِسَامَةَ المُنْتَصِرِ الَّذِي وَجَدَ ضَالَّتَهُ: _"كُلّ اللِّي هَتِحْتَاجُه مِنْ مَعْلُومَاتْ وِأَدَوَاتْ هَيِكُونْ عِنْدَكْ خِلَالْ دَقَايِقْ. المَهَمَّة بَدَأَتْ بِالْفِعْل يَا أُسْتَاذْ مُصْطَفَى. وِيَارَبّ تِكُونْ لِيلَة رَأْسِ السَّنَة دِي هِيَ بِدَايِةْ الخِيرْ عَلِينَا كُلِّنَا."_
لَقَدْ بَدَأَتِ الرَّقْصَةُ الثَّالِثَةُ بِالْفِعْل، رَقْصَةٌ تَتَدَاخَلُ فِيهَا خُيُوطُ الوَطَنِيَّةِ بِالخِدَاع، وَاليَأْسِ بِالأَمَل، وَحَيْثُ كُلُّ قِنَاعٍ يُخْفِي وَرَاءَهُ قِنَاعَاً آخَرَ، وَلا أَحَدَ يَعْلَمُ الوَجْهَ الحَقِيقِيَّ الَّذِي سَيَرْقُصُ حَتَّى النِّهَايَة، وَمَنْ سَيَقُودُ الأَنْغَامَ وَمَنْ سَيَتَعَثَّرُ بِالإِيقَاعِ المَجْنُون.
»»»»»»»»»»»»
يتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق