الثلاثاء، 17 يونيو 2025

.. رقصة الأقدار المجنونة ج4.. قصة بقلم الأديب/ نصر الدين يوسف


 رقصة الأقدار المجنونة

      »»»»»»»»»»


**الرقصة الرابعة /**

**_____رَقْصَةُ الذِّئَابِ حَوْلَ شَمْسٍ غَائِبَة_____**


**(السَّاعَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ والنِّصْفُ مَسَاءً – عَشِيَّةُ رَأْسِ السَّنَة)**


تَحَوَّلَتْ شُقَّةُ مُصْطَفَى، مَقْبَرَةُ الذِّكْرَيَاتِ البَالِيَة، إِلَى غُرْفَةِ عَمَلِيَّاتِ حَرْبٍ إِلِكْتِرُونِيَّةٍ مُصَغَّرَة. الهَوَاءُ المُتْخَمُ بِرَائِحَةِ الغُبَارِ القَدِيمِ وَالدُّخَانِ البَارِد، تَشَبَّعَ الآنَ بِهَمَسَاتٍ جَدِيدَة: هَمْسُ مَرْوَحَةِ اللَّابْ تُوبْ الخَاصِّ بِعِزّ وَهِيَ تُكَافِحُ لِتَبْرِيدِ مُعَالِجِهِ المَحْمُوم، وَأَزِيزُ الكَهْرَبَاءِ الخَافِتِ فِي الأَسْلاكِ العَارِيَةِ الَّتِي اسْتَخْدَمَهَا مُصْطَفَى لِإِنْشَاءِ تَوْصِيلاتِهِ المُؤَقَّتَة. كَانَ مُصْطَفَى يَسْبَحُ فِي عَالَمِهِ، غَارِقَاً حَتَّى أُذُنَيْهِ فِي مُحِيطٍ مِنَ الرُّمُوزِ وَالأَكْوَادِ الَّتِي تَتَرَاقَصُ عَلَى شَاشَةِ الهَاتِف، كَأَنَّهَا طَلاسِمُ سِحْرٍ لا يَفُكُّ شِفْرَتَهَا سِوَاه.


كَانَتْ أَصَابِعُهُ تَتَحَرَّكُ بِرَشَاقَةٍ وَتَرْكِيزِ الجَرَّاحِ الَّذِي يُجْرِي عَمَلِيَّةً دَقِيقَةً فِي قَلْبِ المَرِيض. كُلُّ نَقْرَةٍ، كُلُّ تَمْرِيرَة، كَانَتْ مَحْسُوبَة. لَقَدْ تَحَوَّلَ مِنْ رَجُلٍ عَلَى حَافَةِ الهَاوِيَةِ إِلَى قُبْطَانٍ يَقُودُ سَفِينَتَهُ المُتَهَالِكَةَ وَسَطَ عَاصِفَةٍ رَقْمِيَّةٍ هَوْجَاء. كَانَتِ الحِمَايَةُ حَوْلَ المِلَفِّ المَنْشُودِ كَقَلْعَةٍ مَنِيعَة، طَبَقَاتٌ فَوْقَ طَبَقَاتٍ مِنْ الجُدْرَانِ النَّارِيَّةِ وَالتَّشْفِيرِ المُعَقَّد، كَأَنَّ صَاحِبَ الهَاتِفِ قَدْ بَنَى سِجْنَاً إِلِكْتِرُونِيَّاً حَوْلَ أَسْرَارِهِ، لا يَحْرُسُهُ جُنُود، بَلْ خُوَارِزْمِيَّاتٌ صَمَّاءُ لا تَعْرِفُ الشَّفَقَة.


بَعْدَ نِصْفِ سَاعَةٍ مِنَ المُحَاوَلاتِ المُضْنِيَة، الَّتِي كَانَتْ أَشْبَهَ بِنَقْشِ صَخْرَةٍ بِإِبْرَة، تَنَهَّدَ مُصْطَفَى تَنْهِيدَةً تَحْمِلُ مَزِيجَاً مِنَ الإِرْهَاقِ وَالإِعْجَابِ المَمْزُوجِ بِالحَنَق.

_ "الرَّاجِلْ دَه مِشْ سَهْل أَبَدَاً... حَاطِطْ نِظَامْ حِمَايَة يِتْدَرِّسْ فِي كُلِّيَّاتِ المُخَابَرَات."_


كَانَ عِزّ يُرَاقِبُهُ مِنْ بَعِيد، يَجْلِسُ عَلَى حَافَةِ الأَرِيكَةِ المُتَهَالِكَة، سِيجَارَةٌ مُشْتَعِلَةٌ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَعَيْنَاهُ تَلْمَعَانِ بِتَرَقُّبٍ ذَكِيّ. لَمْ يَكُنْ قَلِقَاً، بَلْ كَانَ أَشْبَهَ بِمُدَرِّبٍ يُرَاقِبُ فَرَسَهُ الأَصِيلَ وَهُوَ يَخُوضُ سِبَاقَهُ الصَّعْب، وَاثِقَاً مِنْ قُدُرَاتِه.

_ "يَعْنِي مَفِيشْ أَمَل؟"_ سَأَلَ عِزّ بِهُدُوء.


هَزَّ مُصْطَفَى رَأْسَهُ نَافِيَاً، وَعَيْنَاهُ لَمْ تُفَارِقَا الشَّاشَة.

_ "الأَمَلْ مَوْجُودْ... بَسْ مِشْ بِالطُّرُقِ التَّقْلِيدِيَّة. الحِمَايَة دِي عَامْلَة زَيّ البَابْ اللِّي لِيه أَلْف قِفْل، لَوْ حَاوِلْت أَفْتَحْهُمْ قِفْل قِفْل، مُمْكِنْ صَاحِبْ التِّلِيفُونْ يَاخُدْ بَالُه وِيِمْسَحْ كُلّ حَاجَة عَنْ بُعْد زَيّ مَا قُلْت. لَازِمْ نِكْسَرْ البَابْ كُلُّه مَرَّة وَاحْدَة."_

_ "وِإِيهْ المَطْلُوبْ عَشَانْ نِكْسَرْ البَابْ دَه؟"_

_ "مِحْتَاجِينْ مَدْفَعْ... بَرْنَامَجْ مُتَخَصِّصْ فِي اخْتِرَاقْ النُّوعْ دَه مِنَ الحِمَايَة. هَضْطَرّ أَحَمِّلُه مِنْ عَلَى سِيرْفَرَاتْ خَاصَّة فِي 'الدَّارْك وِيبْ'. المُشْكِلَة إِنُّه تِقِيلْ جِدَّاً وِالنِّتّ هِنَا عَلَى قَدُّه... هَيَاخُدْ وَقْت."_

_ "وَقْت قَدْ إِيهْ يَعْنِي؟"_

_ "مِشْ أَقَلّ مِنْ سَاعَة... يِمْكِنْ سَاعَة وُرُبْع."_


ضَغَطَ مُصْطَفَى عَلَى عِدَّةِ أَزْرَار، وَبَدَأَ شَرِيطُ التَّحْمِيلِ الأَزْرَقُ يَزْحَفُ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ عَلَى شَاشَةِ اللَّابْ تُوب، كَسُلَحْفَاةٍ عَجُوزٍ تَصْعَدُ جَبَلاً. فَجْأَةً، خَيَّمَ صَمْتٌ ثَقِيلٌ عَلَى الغُرْفَة، لَمْ يَقْطَعْهُ سِوَى أَزِيزِ الأَجْهِزَةِ وَزَحْفِ شَرِيطِ التَّحْمِيلِ البَطِيء. انْتَهَتِ المَعْرَكَةُ مُؤَقَّتَاً، وَحَلَّتْ هُدْنَةٌ إِجْبَارِيَّة.


وَجَدَ عِزّ فِي هَذَا الاِنْتِظَارِ الطَّوِيلِ فُرْصَةً لِفَتْحِ أَبْوَابٍ أُخْرَى، أَبْوَابِ رُوحِ مُصْطَفَى المُوْصَدَة. نَفَثَ دُخَانَ سِيجَارَتِهِ فِي الهَوَاء، وَنَظَرَ إِلَى وَجْهِ مُصْطَفَى المُتْعَبِ الَّذِي أَضَاءَتْهُ شَاشَةُ اللَّابْ تُوبْ بِبُرُود.

_ "سَاعَة وُرُبْع... وَقْت طَوِيلْ نِتْكَلِّمْ فِيه شْوَيَّة. أَصْلَكْ حَيَّرْتِنِي يَا أُسْتَاذْ مُصْطَفَى."_

رَفَعَ مُصْطَفَى حَاجِبَهُ دُونَ أَنْ يَلْتَفِت. _ "حَيَّرْتَكْ فِي إِيهْ؟"_

_ "فِي السِّتَّاتْ... فِي الحُبّ. يَعْنِي رَاجِلْ بِإِمْكَانِيَّاتَكْ وِذَكَاءَكْ دَه، اتْجَوِّزْت مَرِّتِينْ وِفَشَلْت... غَرِيبَة شْوَيَّة. لِيه؟ مَا قَابِلْتِشْ الحُبّ الحَقِيقِي وَلَّا إِيهْ الحِكَايَة؟"_


ارْتَسَمَتْ عَلَى شَفَتَيْ مُصْطَفَى ابْتِسَامَةٌ سَاخِرَة، ابْتِسَامَةُ مَنْ ذَاقَ مَرَارَةَ التَّجْرِبَةِ حَتَّى ارْتَوَى. الْتَفَتَ أَخِيرَاً إِلَى عِزّ، وَعَيْنَاهُ تَحْمِلانِ حِكْمَةَ الفَلاسِفَةِ وَيَأْسَ المُقَامِرِين.

_ "الحُبّ... وِالسِّتَّاتْ. شُوفْ يَا عِزّ بِيهْ، فِيه سِتَّاتْ كِتِيرْ بِيِبْقُوا عَامْلِينْ زَيّ اللِّي بِيبْنِي بِيتْ بِإِيدُه، طُوبَة طُوبَة، وِلَمَّا البِيتْ يِخْلَصْ وِيِبْقَى جَنَّة، يِوَلَّعْ فِيه بِإِيدُه بَرْضُه وِيِنْزِلْ يِقْعُدْ فِي الخَرَابَة اللِّي جَنْبُه، وِيِقْعُدْ يِعَيَّطْ وِيِقُولْ مَحَدِّشْ فَاهِمْنِي وِمَحَدِّشْ حَاسِسْ بِيَّا."_

ضَحِكَ عِزّ. _ "فَلْسَفَة دِي وَلَّا تَجْرِبَة شَخْصِيَّة؟"_

_ "الاِتْنِينْ... مَرَاتِي الأُولَى كَانِتْ كِدَه. عَمَلْتِلْهَا كُلّ اللِّي تِتْمَنَّاه، وِلَمَّا لَقِتِ الحَيَاة مُسْتَقِرَّة وِمَفِيهَاشْ مَشَاكِل، بَدَأَتْ تِخْلَقْ المَشَاكِلْ بِنَفْسِهَا. أَصْل فِيه سِتَّاتْ، يَا عِزّ، بِيحِسُّوا بِقِيمِتْهُمْ فِي الدُّرَامَا، لَوْ مَفِيشْ حُزْن وِنَكَد، يِحِسُّوا إِنْهُمْ مِشْ عَايْشِين. زِهْقِتْ... وِطَلَّقْتَهَا."_

_ "وِالتَّانْيَة؟"_

_ "التَّانْيَة كَانِتِ العَكْس. عَمَلِيَّة زِيَادَة عَنِ اللُّزُوم. كُلّ حَاجَة عِنْدَهَا بِالحِسَاب، بِالْوَرَقَة وَالْقَلَم. الحُبّ عِنْدَهَا كَانْ مُجَرَّدْ بَنْد فِي مِيزَانِيِّةِ الحَيَاة. لَمَّا المِيزَانِيَّة اخْتَلِّتْ، وِالحَالْ وِقِفْ... البَنْد اتْلَغَى. سَابِتْنِي وِمِشْيِتْ."_


صَمَتَ مُصْطَفَى لِلَحْظَة، وَأَشْعَلَ سِيجَارَة، وَبَدَا كَأَنَّهُ يُبْحِرُ فِي مُحِيطٍ مِنْ الذِّكْرَيَاتِ البَعِيدَة. نَظَرَ عِزّ إِلَيْهِ بِفُضُولٍ حَقِيقِيّ.

_ "يَعْنِي مِنْ كُلّ دُولْ... مَا قَابِلْتِشْ الحُبّ بِجَدّ؟ الحُبّ اللِّي يِخَلِّيكْ تِنْسَى كُلّ دَه؟"_


هُنَا، تَغَيَّرَتْ مَلامِحُ مُصْطَفَى. لَمْ تَعُدْ سَاخِرَةً أَوْ فَيْلَسُوفِيَّة. بَلْ غَلَّفَهَا حُزْنٌ شَفَّاف، حَنِينٌ رَقِيقٌ إِلَى زَمَنٍ آخَر، إِلَى عَالَمٍ آخَرَ كَانَ فِيهِ شَخْصَاً مُخْتَلِفَاً. سَافَرَ صَوْتُهُ عَبْرَ الزَّمَن، وَعَادَ شَابَّاً مَرَّةً أُخْرَى.


**\***


**(ذِكْرَيَاتُ العَجَمِي... قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثِينَ عَامَاً)**


> السَّمَاءُ زَرْقَاءُ صَافِيَة، وَرَائِحَةُ اليُودِ وَالمِلْحِ تَمْلأُ الهَوَاء. أَمْوَاجُ البَحْرِ الأَبْيَضِ المُتَوَسِّطِ تَضْرِبُ الشَّاطِئَ فِي لَحْنٍ أَبَدِيٍّ هَادِئ. كَانَ مُصْطَفَى شَابَّاً فِي أَوَائِلِ العِشْرِينِيَّات، يَمْلِكُ مِنَ المَالِ مَا يَكْفِي لِشِرَاءِ الأَحْلَام، وَمِنَ الوَقْتِ مَا يَكْفِي لِإِضَاعَتِهَا. كَانَ قَدْ حَصَلَ لِتَوِّهِ عَلَى مَبْلَغٍ ضَخْم، عُمُولَتُهُ مِنَ التَّوَسُّطِ فِي بَيْعِ قِطْعَةٍ أَثَرِيَّةٍ فِرْعَوْنِيَّةٍ نَادِرَةٍ لأَحَدِ الهُوَاةِ الأَثْرِيَاء. بَعْدَ طَلاقِهِ الأَوَّلِ مُبَاشَرَةً، اسْتَأْجَرَ فِيلَّا صَغِيرَةً أَنِيقَةً عَلَى شَاطِئِ العَجَمِي، أَرَادَ أَنْ يَغْسِلَ هُمُومَهُ بِمِيَاهِ البَحْر، وَيَبْدَأَ مِنْ جَدِيد.

>

> لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّ القَدَرَ كَانَ يُخَبِّئُ لَهُ شَمْسَهُ الخَاصَّةَ... وَجَحِيمَهُ أَيْضَاً.

>

> كَانَتْ تَسْكُنُ فِي الفِيلَّا المُجَاوِرَة. اسْمُهَا "شَمْس". وَكَانَ اسْمُهَا مُطَابِقَاً لِصِفَاتِهَا. امْرَأَةٌ فِي مُنْتَصَفِ العِشْرِينِيَّات، تَمْتَلِكُ جَمَالاً شَرْقِيَّاً أَصِيلاً يَخْطَفُ الأَنْفَاس. عُيُونُهَا سَوْدَاءُ وَاسِعَةٌ كَلَيَالِي الصَّحْرَاء، تَحْمِلُ حُزْنَاً قَدِيمَاً يَجْعَلُكَ تَرْغَبُ فِي الغَوْصِ فِيهَا لاكْتِشَافِ أَسْرَارِهَا. بَشَرَتُهَا خَمْرِيَّةٌ صَافِيَةٌ كَعَسَلِ النَّحْل، وَشَعْرُهَا أَسْوَدُ طَوِيلٌ يَنْسَدِلُ عَلَى كَتِفَيْهَا كَشَلَّالٍ مِنَ اللَّيْل.

>

> رَآهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهِيَ تَنْشُرُ الغَسِيلَ فِي حَدِيقَةِ فِيلَّتِهَا. كَانَتْ حَرَكَاتُهَا رَشِيقَة، لَكِنَّهُ لَمَحَ فِي عَيْنَيْهَا ظِلَّاً مِنَ الخَوْف، تَرَقُّبَاً دَائِمَاً جَعَلَ جَمَالَهَا يَبْدُو هَشَّاً، كَزَهْرَةٍ نَادِرَةٍ عَلَى وَشْكِ أَنْ تَذْبُل.

>

> _ "صَبَاحِ الخِيرْ يَا جَارَة."_ قَالَهَا مُصْطَفَى بِابْتِسَامَةٍ لَمْ يَسْتَطِعْ كَبْحَهَا.

>

> ارْتَبَكَتْ شَمْس، وَنَظَرَتْ حَوْلَهَا بِخَوْفٍ قَبْلَ أَنْ تَرُدَّ بِهَمْس:

> _ "صَبَاحِ النُّور."_

>

> مِنْ تِلْكَ اللَّحْظَة، بَدَأَتْ قِصَّةُ حُبِّهِمَا المَمْنُوعَة. لِقَاءَاتٌ خَاطِفَةٌ عِنْدَ سُورِ الحَدِيقَة، ابْتِسَامَاتٌ مَسْرُوقَة، كَلِمَاتٌ قَلِيلَةٌ تَحْمِلُ مَعَانِيَ كَثِيرَة. عَلِمَ مِنْهَا أَنَّهَا سَجِينَةٌ فِي فِيلَّتِهَا، مُتَزَوِّجَةٌ مِنْ رَجُلِ أَعْمَالٍ يَكْبُرُهَا بِسَنَوَاتٍ عَدِيدَة، رَجُلٍ سَادِيٍّ يَتَلَذَّذُ بِتَعْذِيبِهَا وَإِهَانَتِهَا. كَانَتِ الكَدَمَاتُ الزَّرْقَاءُ الَّتِي تَظْهَرُ أَحْيَانَاً عَلَى ذِرَاعَيْهَا تَحْكِي فُصُولاً مِنَ الوَحْشِيَّةِ لَمْ تَجْرُؤ هِيَ عَلَى البَوْحِ بِهَا كَامِلَة.

>

> كَانَ مُصْطَفَى يَرَى فِيهَا الضَّحِيَّةَ الَّتِي جَاءَ لِيُنْقِذَهَا، الفَرَسَ الَّتِي سَيُحَرِّرُهَا مِنْ فَارِسِهَا الأَسْوَد. كَانَتْ حِكَايَاتُهَا المُؤْلِمَةُ وَدُمُوعُهَا الصَّامِتَةُ وَقُودَاً يُشْعِلُ نَارَ الحُبِّ وَالشَّهَامَةِ فِي قَلْبِه.

>

> فِي إِحْدَى اللَّيَالِي المُقْمِرَة، تَسَلَّلَ إِلَى حَدِيقَتِهَا. وَجَدَهَا تَبْكِي بِصَمْتٍ تَحْتَ شَجَرَةِ يَاسَمِين.

> _ "لِحَدّ إِمْتَى هَتِفْضَلِي فِي السِّجْن دَه يَا شَمْس؟ اطْلُبِي الطَّلاق! أَنَا مَعَاكِي وِهَاقَفْ جَنْبِكْ."_

>

> هَزَّتْ رَأْسَهَا بِيَأْسٍ، وَالدُّمُوعُ تَنْهَمِرُ عَلَى خَدَّيْهَا.

> _ "مِشْ هَيِرْضَى... قَالِّي لَوْ فَكَّرْتِي بَسْ تِسِيبِينِي هَقْتِلِكْ وِأَشْرَبْ مِنْ دَمِّكْ. هُوَ مَرِيضْ يَا مُصْطَفَى... مَرِيضْ."_

>

> فِي تِلْكَ اللَّيْلَة، اتَّخَذَا قَرَارَهُمَا. قَرَّرَا الهَرَب. سَيَهْرُبَانِ مَعَاً وَيَبْدَآنِ حَيَاةً جَدِيدَةً بَعِيدَاً عَنْ هَذَا الجَحِيم. وَضَعَ مُصْطَفَى كُلَّ مَا يَمْلِكُ مِنْ مَالٍ – ثَرْوَتَهُ الَّتِي جَنَاهَا مِنْ صَفْقَةِ الآثَار – فِي حَقِيبَةِ سَفَرٍ كَبِيرَة. كَانَتْ تِلْكَ الأَمْوَالُ هِيَ تَذْكِرَتَهُمَا إِلَى الحُرِّيَّة.

>

> حَدَّدَا المَوْعِد. لَيْلَةَ الخَمِيس، عِنْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْل، عَلَى الطَّرِيقِ الصَّحْرَاوِيِّ خَلْفَ مِنْطَقَةِ الفِيلَّات. سَيَأْتِي زَوْجُهَا مُتَأَخِّرَاً كَعَادَتِهِ، وَسَتَكُونُ فُرْصَتُهَا لِلْهَرَب.

>

> انْتَظَرَهَا مُصْطَفَى فِي سَيَّارَتِهِ، وَالظَّلامُ يَلُفُّ كُلَّ شَيْء. قَلْبُهُ يَخْفِقُ بِعُنْف، مَزِيجَاً مِنَ الخَوْفِ وَالتَّرَقُّبِ وَالحُلْمِ بِمُسْتَقْبَلٍ وَرْدِيّ. رَأَى أَضْوَاءَ سَيَّارَةٍ قَادِمَةٍ مِنْ بَعِيد. ابْتَسَم. لَقَدْ أَتَتْ شَمْسُهُ.

>

> تَوَقَّفَتِ السَّيَّارَة، لَكِنْ لَمْ يَتَرَجَّلْ مِنْهَا سِوَى أَرْبَعَةِ رِجَالٍ ضِخَامِ البُنْيَة، مَلامِحُهُمْ كَالصَّخْر. حَاصَرُوا سَيَّارَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْعِبَ مَا يَحْدُث. فُتِحَ بَابُ سَيَّارَتِهِ بِعُنْف، وَسُحِبَ مِنْهَا.

>

> _ "إِنْتَ بَقَى اللِّي عَامِلْ فِيهَا عَنْتَرْ وِعَايِزْ تِخْطَفْ سِتَّاتِ النَّاسْ يَا رُوحْ أُمَّكْ؟"_

>

> لَمْ يَنْتَظِرُوا رَدَّاً. انْهَالُوا عَلَيْهِ بِالضَّرْبِ وَاللَّكَمَاتِ وَالرَّكَلات. كَانَتْ كُلُّ ضَرْبَةٍ تَسْحَقُ جُزْءَاً مِنْ أَحْلَامِه. رَأَى أَحَدَهُمْ يَفْتَحُ صُنْدُوقَ سَيَّارَتِهِ وَيَأْخُذُ حَقِيبَةَ المَال. وَسَطَ أَلَمِهِ وَضَبَابِيَّةِ وَعْيِهِ، كَانَتْ آخِرُ صُورَةٍ رَآهَا قَبْلَ أَنْ يَبْتَلِعَهُ الظَّلامُ هِيَ لَمْحَةٌ لِوَجْهِ شَمْس. لَمْحَةٌ خَاطِفَة. كَانَتْ تُقْتَادُ بِعُنْفٍ إِلَى سَيَّارَةِ الرِّجَال، وَفِي عَيْنَيْهَا نَظْرَةُ رُعْبٍ مُطْلَق، صَرْخَةٌ مَكْتُومَةٌ فِي حَلْقِهَا، وَدَمْعَةٌ أَخِيرَةٌ تَتَرَاقَصُ عَلَى خَدِّهَا قَبْلَ أَنْ تَخْتَفِيَ فِي ظُلْمَةِ السَّيَّارَةِ الَّتِي انْطَلَقَتْ بِسُرْعَةٍ جُنُونِيَّة.

>

> اسْتَيْقَظَ مُصْطَفَى فِي مُسْتَشْفَىً حُكُومِيّ، عِظَامُهُ مَكْسُورَةٌ وَكَرَامَتُهُ مُحَطَّمَة. عِنْدَمَا أَبْلَغَ الشُّرْطَة، لَمْ يَجِدُوا أَيَّ أَثَرٍ لِشَمْسٍ أَوْ زَوْجِهَا. لَقَدِ اخْتَفَيَا، تَبَخَّرَا فِي الهَوَاء، وَمَعَهُمَا كُلُّ أَمْوَالِهِ، وَكُلُّ أَحْلَامِه، وَقَلْبُهُ الَّذِي مَاتَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة.


**\***


أَنْهَى مُصْطَفَى قِصَّتَهُ. كَانَ صَوْتُهُ مَبْحُوحَاً، وَالدُّخَانُ يَتَصَاعَدُ مِنْ سِيجَارَتِهِ كَدُخَانِ حَرِيقٍ قَدِيم. سَادَ الصَّمْتُ مَرَّةً أُخْرَى، صَمْتٌ أَثْقَلُ مِنْ ذِي قَبْل، مُشْبَعٌ بِمَرَارَةِ الخِذْلان. كَانَ يَنْتَظِرُ مِنْ عِزّ كَلِمَةَ مُوَاسَاة، لَمْسَةَ تَعَاطُف.


وَلَكِنَّ مَا حَدَثَ كَانَ كَالصَّاعِقَة.


انْفَجَرَ عِزّ فِي ضِحْكَةٍ عَالِيَة، صَافِيَة، وَرَنَّانَة. ضِحْكَةٌ قَادِمَةٌ مِنَ الأَعْمَاق، خَالِيَةٌ مِنْ أَيِّ مُجَامَلَة، مَلِيئَةٌ بِتَسْلِيَةٍ حَقِيقِيَّة، أَوْ رُبَّمَا... بِشَيْءٍ آخَرَ، شَيْءٌ يُشْبِهُ فَرْحَةَ المُنْتَصِرِ بَعْدَ عَنَاءٍ طَوِيل. اهْتَزَّ جَسَدُهُ مِنْ فَرْطِ الضَّحِكِ حَتَّى كَادَتِ الدُّمُوعُ أَنْ تَفِرَّ مِنْ عَيْنَيْه.


تَجَمَّدَ مُصْطَفَى، وَاتَّسَعَتْ عَيْنَاهُ بِصَدْمَةٍ لا تُصَدَّق، تَحَوَّلَتْ بِسُرْعَةٍ إِلَى غَضَبٍ مُشْتَعِل. شَعَرَ وَكَأَنَّ عِزّ قَدْ دَنَّسَ قُدْسَ أَقْدَاسِهِ، ذِكْرَاهُ المُقَدَّسَة.

_ "إنت... إنت بتضحك على إيه؟"_ قَالَهَا بِصَوْتٍ مُتَحَشْرِجٍ يَرْتَجِفُ مِنَ الغَضَب.


مَسَحَ عِزّ دَمْعَةً تَسَلَّلَتْ مِنْ عَيْنَيْهِ، وَحَاوَلَ أَنْ يَسْتَعِيدَ جِدِّيَّتَهُ، لَكِنَّ ابْتِسَامَةً غَامِضَةً، مُعَقَّدَة، ظَلَّتْ مُرْتَسِمَةً عَلَى شَفَتَيْهِ، ابْتِسَامَةُ مَنْ وَجَدَ أَخِيرَاً قِطْعَةَ الأُحْجِيَةِ المَفْقُودَة.

_ "بضحك عليك يا أستاذ مصطفى! آسف... بس بجد... يا لسذاجتك! إزاي مشوفتهاش؟"_


وَقَفَ مُصْطَفَى، وَارْتَعَشَ جَسَدُهُ بِالْكَامِل. _"قصدك إيه؟!"_ صَرَخَ بِغَضَبٍ مَكْتُوم. _"قصدك إن شمس كانت بتخدعني؟ وإن اللي بينا مكنش حب؟!"_


هَزَّ عِزّ رَأْسَهُ وَهُوَ يُطْفِئُ سِيجَارَتَهُ، وَنَظَرَ إِلَيْهِ نَظْرَةَ الخَبِيرِ الَّذِي يُحَلِّلُ مَسْرَحِيَّةً رَدِيئَة، نَظْرَةً قَاسِيَةً كَانَ لابُدَّ مِنْهَا لِيُخْفِيَ الحَقِيقَةَ الأَكْبَرَ فِي الوَقْتِ الحَالِيّ.

_ "حب؟ حب إيه يا أستاذ مصطفى؟ الحكاية واضحة زي الشمس... اللي هي شمس! دي تمثيلية متسبكة بالمللي. المظلومة، والجلاد، والفارس المنقذ الغني! جابوك على ملا وشك، وخبّطوك علقة موت، ولطشوا الفلوس وهربوا. كلاسيكيات نصب يعني."_


كَانَتْ كَلِمَاتُ عِزّ كَالأَحْمَاض، تَحْرِقُ أَجْمَلَ وَأَغْلَى ذِكْرَى فِي حَيَاةِ مُصْطَفَى، وَتُحَوِّلُهَا إِلَى مُجَرَّدِ عَمَلِيَّةِ نَصْبٍ رَخِيصَة.

وَاصَلَ عِزّ بِبُرُودٍ قَاطِع، مُسْتَخْدِمَاً السُّخْرِيَةَ كَدِرْع:

_ "تخيل لو الفلوس دي كانت فضلت معاك من تلاتين سنة... كنت زمانك دلوقتي إيه؟ وبقيت فين؟ يمكن كنت بقيت واحد تاني خالص. بس أهو... درس... واتعلمته متأخر قوي."_


اشْتَعَلَ الغَضَبُ فِي صَدْرِ مُصْطَفَى حَتَّى كَادَ يَخْتَنِق. العَالَمُ كُلُّهُ انْهَارَ فِي لَحْظَة. لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ خِيَانَةِ امْرَأَة، بَلْ كَانَتْ خِيَانَةً لِمَاضِيهِ كُلِّهِ، لِلْحَقِيقَةِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا يَأْسَهُ الحَالِيّ.


وَفِي ذُرْوَةِ تِلْكَ اللَّحْظَةِ المَشْحُونَة، وَفِيمَا كَانَ الصَّمْتُ يَئِنُّ تَحْتَ وَطْأَةِ الغَضَبِ وَالأَلَم، صَدَرَ صَوْتٌ حَادٌّ وَمُفَاجِئٌ مِنَ اللَّابْ تُوب.


**"Ding!"**


صَوْتٌ إِلِكْتِرُونِيٌّ بَسِيط، لَكِنَّهُ كَانَ كَفِيلاً بِكَسْرِ تَعْوِيذَةِ المَاضِي. الْتَفَتَ الاِثْنَانِ فِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ نَحْوَ الشَّاشَة.


لَقَدِ اكْتَمَلَ التَّحْمِيل.


المَدْفَعُ أَصْبَحَ جَاهِزَاً.


»»»»»»»»»»» 

                    يتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

🧚لحظة🧚كلمات الشاعرة/ صفاء الخواجة

 😢لحظة😢 سأبحث عنك مابين الشقوق وفوق الصخور وبين العدم يالحظة حنان طواها الزمان  فباتت بسقم تعاني الندم *** 😢بقلمي/ صفاء الخواجة 😢