رقصة الأقدار المجنونة
»»»»»»»»»»
**الرقصة السادسة /**
رقصة الصدع الأخير
»»»»»»
**(السَّاعَةُ الوَاحِدَةُ وَعَشْرُ دَقَائِقَ صَبَاحَاً – لَيْلَةُ رَأْسِ السَّنَة)**
سَقَطَتْ كَلِمَةُ "لَأ" مِنْ شَفَتَيْ مُصْطَفَى كَحَجَرِ صَوَّانٍ أُلْقِيَ فِي بِرْكَةِ صَمْتٍ، فَأَطْفَأَتْ بِتَمَوُّجَاتِهَا البَارِدَةِ آخِرَ لَهَبٍ مُتَوَسِّلٍ فِي عَيْنَيْ عِزّ. تَصَنَّمَ الشَّابُّ لِلَحْظَة، وَاقِفَاً وَسَطَ أَنْقَاضِ خُطَطِهِ المُتَهَدِّمَة، كَمَلِكٍ شَهِدَ سُقُوطَ مَمْلَكَتِهِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَة. لَقَدْ لَعِبَ بِكُلِّ أَوْرَاقِهِ؛ قِنَاعِ اللِّصِّ الظَّرِيف، قِنَاعِ الوَطَنِيِّ الغَيُور، قِنَاعِ الاِبْنِ المُنْتَقِم... وَكُلُّهَا احْتَرَقَتْ تَحْتَ نَظَرَاتِ مُصْطَفَى الجَلِيدِيَّة.
أَدَارَ مُصْطَفَى لَهُ ظَهْرَهُ، لَيْسَ تَعَالِيَاً، بَلْ كَمَنْ يُغْلِقُ بَابَاً صَدِئَاً عَلَى مَاضٍ مُؤْلِمٍ مِنْ الخُدُوعَاتِ لا يُرِيدُ أَنْ يَعِيشَهُ مُجَدَّدَاً. بَدَأَ يَلُمُّ شَتَاتَ أَسْلاكِهِ وَأَدَوَاتِهِ، مُحَاوِلاً إِعَادَةَ الفَوْضَى المَادِّيَّةِ إِلَى نِظَامِهَا، عَلَّهُ يُعِيدُ شَيْئَاً مِنَ النِّظَامِ إِلَى رُوحِهِ المُبَعْثَرَة. كَانَ الصَّمْتُ ثَقِيلَاً وَمُهِينَاً، صَمْتُ نِهَايَةِ المَسْرَحِيَّةِ بَعْدَ أَنْ أَسْدَلَ البَطَلُ السِّتَارَ بِنَفْسِهِ.
وَفِي ذُرْوَةِ هَذَا الصَّمْتِ المَشْحُونِ بِالهَزِيمَة، تَحَدَّثَ عِزّ. لَمْ يَكُنْ صَوْتُهُ غَاضِبَاً أَوْ مُتَوَسِّلاً، بَلْ هَادِئَاً بِشَكْلٍ مُخِيف، كَهُدُوءِ عَيْنِ العَاصِفَةِ قَبْلَ أَنْ تُدَمِّرَ كُلَّ شَيْء. كَانَ صَوْتَ رَجُلٍ سَقَطَتْ عَنْهُ كُلُّ الأَقْنِعَة، وَلَمْ يَبْقَ لَدَيْهِ مَا يَخْسَرُهُ سِوَى حَقِيقَتِهِ العَارِيَة.
_ "لما ضحكت على قصتك... أنا مكنتش بضحك عليك."_
تَجَاهَلَهُ مُصْطَفَى، وَظَهْرُهُ المُنْحَنِي يَحْكِي قِصَّةَ رَجُلٍ سَئِمَ الأَلْعَاب.
وَاصَلَ عِزٌّ وَكَأَنَّهُ يَنْزِفُ ذِكْرَيَاتِهِ كَلِمَات:
_ "أنا كنت بضحك لأني لأول مرة في حياتي... اتأكدت."_
تَوَقَّفَتْ يَدُ مُصْطَفَى فِي الهَوَاء. هُنَاكَ شَيْءٌ فِي نَبْرَةِ عِزٍّ هَزَّ أَعْمَاقَهُ، شَيْءٌ أَصْدَقُ مِنْ كُلِّ أَكَاذِيبِهِ السَّابِقَة. صِدْقُ اليَائِسِ الَّذِي يُلْقِي بِوَرَقَتِهِ الأَخِيرَةِ وَالأَثْمَن.
_ "بقالي سنين وأنا بدور عليك. من ساعة ما لقيت مذكراتها... دفتر جلد قديم، ورقه أصفر، ريحته حزن. وفيها... كانت حكايتكم. كانت كاتبة عن 'جاري اللي إيديه قادرة تصلح كل حاجة... إلا روحي المكسورة'."_
كَادَ قَلْبُ مُصْطَفَى أَنْ يَتَوَقَّف. هَذِهِ الكَلِمَات... كَانَتْ صَدَىً لِأَيَّامٍ ظَنَّ أَنَّ الزَّمَنَ قَدْ دَفَنَهَا تَحْتَ أَنْقَاضِهِ.
_ "كانت كاتبة عن الراجل اللي حبته بجد. الراجل اللي أهداها الأمل في ليلة، وسرقه منها القدر في الليلة اللي بعدها. في الأول مصدقتش. كنت لسه تحت تأثيره، تحت تأثير شريف محروس، الراجل اللي رباني وقال لي إنه أبويا. كنت فاكر إنها مجرد هذيان ست مريضة بالاكتئاب زي ما فهّمني. لحد ما لقيت التقارير الطبية القديمة اللي كان مخبيها... تقارير بتثبت إنه عقيم. إنه لا يمكن يكون أبويا."_
اسْتَدَارَ مُصْطَفَى بِبُطْءٍ شَدِيد، وَعَيْنَاهُ تَحْمِلانِ مَزِيجَاً مِنَ الغَضَبِ وَالذُّهُولِ وَالخَوْف. كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الشَّابِّ أَمَامَهُ وَكَأَنَّهُ يَرَاهُ لأَوَّلِ مَرَّة.
تَقَدَّمَ عِزٌّ خُطْوَةً، وَصَوْتُهُ أَصْبَحَ أَكْثَرَ عُمْقَاً وَأَلَمَاً.
_ "ساعتها بس رجعت للمذكرات تاني. ربطت الخيوط ببعضها. حكايتك عن الفلوس اللي اتسرقت... كانت هي هي نفس الحكاية اللي هي كاتباها، بس من وجهة نظرها. هي كتبت إن شريف لما عرف بحملها منك، اتجنن. هو اللي دبّر كل حاجة. هو اللي جاب رجالته يضربوك ويسرقوا الفلوس، وهو اللي خدها غصب عنها وهددها بقتلك لو نطقت بحرف. هو اللي سجنها معاه لسنين، وعذبها لحد ما قتلها، وخلّى موتها يبان انتحار."_
سَقَطَتِ الكَلِمَاتُ عَلَى رُوحِ مُصْطَفَى كَقَطَرَاتِ مَطَرٍ حَامِضِيّ، تُذِيبُ قِشْرَةَ اليَأْسِ الصَّلْبَةِ الَّتِي تَكَوَّنَتْ عَلَى مَدَى ثَلاثِينَ عَامَاً.
_ "أنا عشت عمري كله بكرهها، فاكرها سابتني واتخلت عني. وعشت عمري كله بحب الراجل اللي قتلها وسرقني منك. لما عرفت الحقيقة، قررت أنتقم. فضلت أدور عليك، على 'الجار' اللي في المذكرات. مكنش عندي غير مواصفاتك، ومهارتك في الإلكترونيات. ولما لقيتك، كان لازم أتأكد. كان لازم أسمع الحكاية منك انت. عشان كده استفزيتك تحكيلي. ولما حكيت... لما قلت نفس التفاصيل اللي قريتها بخط إيدها... ضحكت. ضحكة واحد تايه في الصحرا بقاله عمر، وفجأة لقى أبوه."_
صَمْتٌ. صَمْتٌ مُطْلَق، كَصَمْتِ القُبُور، كَصَمْتِ الفَضَاءِ الخَارِجِيّ. صَمْتٌ تَكَادُ تَسْمَعُ فِيهِ صَوْتَ تَشَقُّقِ جُدْرَانِ الرُّوح.
ثُمَّ انْفَلَتَتْ مِنْ مُصْطَفَى ضِحْكَةٌ عَصَبِيَّةٌ مُتَقَطِّعَة، ضِحْكَةُ مَنْ يَسْمَعُ نُكْتَةً سَخِيفَةً فِي جَنَازَة.
_ "هههه... لأ... لأ بجد إنت فنان! فنان يا ابن الإيه! دي أذكى كدبة في تاريخك... عايز تكسرني بالكامل؟ جاي تلعب على الوتر اللي بيوجع قوي... الأبوة! ههههه... مش ممكن! إنت اتجننت؟"_
بَيْنَمَا كَانَ لِسَانُهُ يَنْطِقُ بِكَلِمَاتِ السُّخْرِيَةِ وَالنُّكْرَان، كَانَ زِلْزَالٌ صَامِتٌ يَضْرِبُ أَعْمَاقَ رُوحِهِ. كَلِمَةُ "ابْنِي"... الكَلِمَةُ الَّتِي حَلُمَ بِهَا لِعُقُود، الكَلِمَةُ الَّتِي رَدَّدَهَا صَدِيقُهُ الثَّرِيُّ لِيُعَذِّبَهُ بِهَا صَبَاحَ هَذَا اليَوْمِ اللَّعِين. الكَلِمَةُ الَّتِي كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَنْ يَسْمَعَهَا أَبَدَاً. هَا هِيَ الآنَ تُرَدَّدُ أَمَامَهُ، قَادِمَةً مِنْ شَفَتَيْ شَابٍّ يَمْلِكُ مِنَ الدَّهَاءِ مَا يَكْفِي لِتَدْمِيرِ عَالَم، وَمِنَ الأَلَمِ مَا يَكْفِي لِجَعْلِ كِذْبَتِهِ تَبْدُو كَأَصْدَقِ حَقِيقَة.
شَعَرَ بِفَرْحَةٍ حَرَام، فَرْحَةٍ مُذْنِبَةٍ وَخَائِفَة، تَتَسَلَّلُ إِلَى قَلْبِهِ كَلِصٍّ فِي الظَّلام. فَرْحَةٌ يَخْشَى أَنْ يَعْتَرِفَ بِهَا حَتَّى لِنَفْسِهِ. أَنْ يَكُونَ لَهُ ابْن! وَلَيْسَ أَيَّ ابْن... بَلْ هَذَا الشَّابُّ، بِكُلِّ عُيُوبِهِ وَأَكَاذِيبِهِ، لَكِنَّهُ شَدِيدُ الذَّكَاءِ، عَبْقَرِيٌّ فِي خُطَطِهِ، مُحَارِبٌ لا يَسْتَسْلِم. صَدَىً لِرَغْبَةٍ دَفِينَةٍ فِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الشَّابُّ هُوَ فِعْلاً امْتِدَادَهُ، نُسْخَتُهُ المُحَسَّنَةُ وَالأَكْثَرُ شَرَاسَة. تَخَيَّلَهُ طِفْلاً، تَخَيَّلَ يَدَيْهِ الصَّغِيرَتَيْنِ، تَخَيَّلَ نَفْسَهُ وَهُوَ يُعَلِّمُهُ كَيْفَ يُفَكِّكُ سَاعَةً قَدِيمَة. انْفَطَرَ قَلْبُهُ عَلَى ثَلاثِينَ عَامَاً مِنَ الحَيَاةِ المَسْرُوقَة.
تَقَدَّمَ عِزٌّ خُطْوَةً أَخِيرَة، حَتَّى كَادَ يَلْمِسُ مُصْطَفَى. نَظَرَ مُبَاشَرَةً فِي أَعْمَاقِ عَيْنَيْهِ، وَكَأَنَّهُ يَنْظُرُ فِي مِرْآةٍ تَفْصِلُ بَيْنَهُمَا ثَلاثُونَ عَامَاً مِنَ الأَلَم. أَطْلَقَ القُنْبُلَةَ الأَخِيرَةَ بِصَوْتٍ خَرَجَ كَهَمْسٍ، لَكِنَّ صَدَاهُ كَانَ كَانْفِجَارِ كَوْكَب:
**_ "أنا... أنا ابنك... إنت يا مصطفى."_**
وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي كَادَ فِيهَا مُصْطَفَى أَنْ يَنْهَار، أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ لِيَلْمِسَ وَجْهَ هَذَا الشَّابِّ لِيَتَأَكَّدَ أَنَّهُ لَيْسَ شَبَحَاً مِنْ صُنْعِ خَيَالِهِ المُنْهَك، حَدَثَ شَيْءٌ كَسَرَ الصَّمْتَ المَشْحُون.
بِشَكْلٍ غَرِيزِيٍّ، الْتَقَطَ مُصْطَفَى اللَّابْ تُوبْ المَغْلَقَ مَرَّةً أُخْرَى، وَفَتَحَهُ بِسُرْعَةٍ.
لَمَعَتْ عَيْنَا عِزٍّ بِأَمَلٍ مُفَاجِئ. هَلْ نَجَحَتْ خُطَّتُهُ الأَخِيرَة؟ هَلْ قَبِلَ مُصْطَفَى أَخِيرَاً أَنْ يَتَعَاوَنَ مَعَهُ، مَدْفُوعَاً بِرَابِطَةِ الدَّمِ المُتَأَجِّجَة؟
_ "هتكمل معايا؟"_ سَأَلَ عِزٌّ بِلَهْفَة.
لَكِنَّ مُصْطَفَى لَمْ يَنْظُرْ إِلَيْهِ. كَانَتْ عَيْنَاهُ مُثَبَّتَتَيْنِ عَلَى الشَّاشَة، وَأَصَابِعُهُ تَنْقُرُ عَلَى لَوْحَةِ المَفَاتِيحِ بِسُرْعَةٍ مَحْمُومَة.
_ "اتكشفنا يا عز."_ قَالَ بِصَوْتٍ بَارِدٍ وَعَمَلِيٍّ أَخَافَ عِزَّاً أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ غَضَب. _"شريف باشا عرف إننا فتحنا موبايله."_
شَحُبَ وَجْهُ عِزّ، وَتَبَخَّرَ كُلُّ أَلَمِهِ وَذِكْرَيَاتِهِ أَمَامَ هَذَا الخَطَرِ الدَّاهِم.
_ "إيهْ؟! إزاي؟!"_
ضَغَطَ مُصْطَفَى عَلَى آخِرِ زِرٍّ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ بِبُرُودٍ مُطْلَق.
_ "خلاص... المشكلة اتحلت... بس بعد فوات الأوان."_
دَفَعَهُ حَدْسُهُ إِلَى التَّحَرُّك. انْدَفَعَ عِزٌّ نَحْوَ النَّافِذَةِ الوَحِيدَةِ فِي الشُّقَّة، تِلْكَ النَّافِذَةِ الصَّغِيرَةِ المُغَبَّرَةِ الَّتِي تُطِلُّ عَلَى شَارِعٍ جَانِبِيٍّ مُظْلِم. أَزَاحَ السِّتَارَةَ المَهْتَرِئَةَ بِيَدٍ مُرْتَعِشَة، وَنَظَرَ إِلَى الأَسْفَل.
تَجَمَّدَ الدَّمُ فِي عُرُوقِه.
لَمْ يَكُنِ الشَّارِعُ مُظْلِمَاً كَعَادَتِهِ. كَانَ مُضَاءً بِأَضْوَاءِ المَصَابِيحِ الأَمَامِيَّةِ لِثَلاثِ سَيَّارَاتٍ سَوْدَاءَ فَخْمَة، تَصْطَفُّ بِهُدُوءٍ مُمِيتٍ حَوْلَ مَدْخَلِ العِمَارَةِ القَدِيمَة، كَذِئَابٍ تُحَاصِرُ جُحْرَ أَرْنَب. انْفَتَحَتْ أَبْوَابُ السَّيَّارَاتِ بِتَزَامُنٍ مُخِيف، وَتَرَجَّلَ مِنْهَا رِجَالٌ يَرْتَدُونَ مَلابِسَ سَوْدَاء، ضِخَامُ الجُثَّةِ، مُفْتُولُو العَضَلات، تَتَحَرَّكُ رُؤُوسُهُمْ يَمِيناً وَيَسَارَاً كَرَادَارَاتٍ بَشَرِيَّة.
ثُمَّ، بِحَرَكَةٍ وَاحِدَةٍ مُنَظَّمَة، اقْتَحَمُوا مَدْخَلَ العِمَارَة.
اسْتَدَارَ عِزٌّ بِبُطْء، وَجْهُهُ شَاحِبٌ كَوَجْهِ شَبَح.
_ "وصلوا..."_ هَمَسَ بِصَوْتٍ مَبْحُوح. _"إحنا في الدور الأخير... إحنا محبوسين."_
الذِّئَابُ كَانَتْ دَاخِلَ العَرْين. وَلا مَهْرَب.
***
يتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق