**رقصة الأقدار المجنونة**
**»»»»»»»»»»**
**الرقصة الخامسة /**
**متاهة الأوجه الثلاثة**
»»»»»»»
**(السَّاعَةُ الوَاحِدَةُ إِلَّا رُبْعَاً صَبَاحَاً – لَيْلَةُ رَأْسِ السَّنَة)**
صَوْتُ "الدِّينْج" الإِلِكْتِرُونِيُّ الَّذِي صَدَرَ عَنِ اللَّابْ تُوبْ كَانَ كَنَقْرَةِ عَصَا المَايِسْتْرُو الَّتِي تُعْلِنُ بِدَايَةَ حَرَكَةٍ جَدِيدَةٍ فِي السِّيمْفُونِيَّةِ المَجْنُونَة. حَرَكَةٌ سَرِيعَةٌ وَعَنِيفَة، أَنْقَذَتْ عِزَّاً مِنْ بَرَاثِنِ غَضَبِ مُصْطَفَى الَّذِي كَانَ عَلَى وَشْكِ الاِنْفِجَار، وَأَعَادَتْ كِلَيْهِمَا مِنْ ضَبَابِ ذِكْرَيَاتِ العَجَمِي المُرَّةِ إِلَى حَقِيقَةِ شُقَّةِ الخَرَابِ الأَكْثَرِ خُطُورَة.
لِلَحْظَة، تَلَاشَتْ صُورَةُ شَمْس، وَتَبَدَّدَتْ ضِحْكَةُ عِزّ السَّاخِرَة، وَلَمْ يَبْقَ فِي الغُرْفَةِ سِوَى شَاشَةٍ مُضِيئَةٍ تَحْمِلُ "المَدْفَعَ" الجَاهِزَ لِلإِطْلاق، وَرَجُلَيْنِ يَقِفَانِ عَلَى حَافَتَيْ هَاوِيَةٍ مُخْتَلِفَة، أَحَدُهُمَا قَلْبُهُ يَنْزِفُ مِنْ جُرْحٍ قَدِيمٍ أُعِيدَ فَتْحُهُ بِقَسْوَة، وَالآخَرُ عَيْنَاهُ تَلْمَعَانِ بِبَرِيقِ الذِّئْبِ الَّذِي اقْتَرَبَ مِنْ فَرِيسَتِهِ.
بِبُرُودٍ مَفَاجِئ، جَلَسَ مُصْطَفَى إِلَى مَقْعَدِهِ مُجَدَّدَاً. لَمْ يَكُنْ هُدُوءَ اسْتِسْلام، بَلْ هُدُوءَ الجَلِيدِ الَّذِي يُغَطِّي بُرْكَانَاً ثَائِرَاً. لَقَدْ حَطَّمَ عِزّ آخِرَ مَعْقِلٍ لِلنُّبْلِ وَالحَنِينِ فِي قَلْبِهِ، وَلَمْ يَتْرُكْ لَهُ شَيْئَاً لِيَخْسَرَهُ. الآنَ، أَصْبَحَتِ اللُّعْبَةُ بَارِدَةً كَقَطْعِ الشِّطْرَنْج، مَنْطِقٌ صِرْف، وَبَقَاءٌ لِلأَكْثَرِ دَهَاءً.
_ "المَدْفَعْ جَاهِزْ."_ قَالَ مُصْطَفَى بِصَوْتٍ خَالٍ مِنْ أَيِّ انْفِعَال، كَأَنَّ رُوحَهُ غَادَرَتْ جَسَدَهُ وَتَرَكَتْ وَرَاءَهَا آلَةً تُنَفِّذُ الأَوَامِر.
عَادَتِ الجِدِّيَّةُ إِلَى مَلامِحِ عِزّ فَوْرَاً، وَاقْتَرَبَ مِنَ اللَّابْ تُوبْ كَمَنْ يَقْتَرِبُ مِنْ صُنْدُوقِ كَنْزٍ عَلَى وَشْكِ أَنْ يُفْتَح.
_ "يَلَّا بِينَا يَا بَطَلْ. وَرِّينِي سِحْرَكْ."_
بِدُونِ كَلِمَةٍ أُخْرَى، بَدَأَتْ أَصَابِعُ مُصْطَفَى رَقْصَتَهَا الأَخِيرَةَ عَلَى لَوْحَةِ المَفَاتِيح. أَطْلَقَ البَرْنَامَجَ، فَظَهَرَتْ عَلَى الشَّاشَةِ سُطُورٌ مِنَ الأَكْوَادِ الخَضْرَاءِ تَتَدَفَّقُ بِسُرْعَةٍ مَهُولَة، كَشَلَّالٍ رَقْمِيٍّ يَقْتَحِمُ حُصُونَ القَلْعَةِ المَنِيعَة. كَانَ المَنْظَرُ مُهيبَاً، كَمُشَاهَدَةِ جَيْشٍ مِنْ نَمْلِ النَّارِ الإِلِكْتِرُونِيِّ وَهُوَ يَلْتَهِمُ أَسَاسَاتِ الحِمَايَةِ شَيْئَاً فَشَيْئَاً. صَرِيرٌ خَافِتٌ يَنْبَعِثُ مِنْ سَمَّاعَاتِ اللَّابْ تُوب، كَأَنَّهُ صَرَخَاتُ النِّظَامِ وَهُوَ يَنْهَار.
دَقَائِقُ قَلِيلَة، بَدَتْ كَالدَّهْر، ثُمَّ... صَمْت.
ظَهَرَتْ عَلَى الشَّاشَةِ أَيْقُونَةُ مِلَفٍّ وَاحِدٍ، مَعْزُولٍ وَسَطَ شَاشَةٍ سَوْدَاء، كَأَنَّهُ قَلْبُ التِّنِّينِ الَّذِي تَمَّ اقْتِلاعُهُ أَخِيرَاً.
لَمَعَتْ عَيْنَا عِزّ بِلَهْفَةٍ لَمْ يَسْتَطِعْ إِخْفَاءَهَا.
_ "هُوَ دَه؟"_
أَوْمَأَ مُصْطَفَى بِرَأْسِهِ، وَضَغَطَ بِبُطْءٍ عَلَى أَيْقُونَةِ المِلَفّ.
انْفَجَرَ المِلَفُّ عَلَى الشَّاشَة، لَا كَقَائِمَةِ أَسْمَاءٍ جَافَّة، بَلْ كَصُنْدُوقِ بَانْدُورَا الَّذِي أُطْلِقَتْ مِنْهُ كُلُّ شُرُورِ العَالَمِ السُّفْلِيِّ لِلثَّرَاء. كَانَتْ قَائِمَةً تَضُمُّ عَشَرَاتِ الأَسْمَاءِ لِشَخْصِيَّاتٍ ذَاتِ وَزْنٍ فِي عَالَمِ المَالِ وَالأَعْمَال، بَعْضُهُمْ ذُو وَجَاهَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ كَبِيرَة. وَبِجَانِبِ كُلِّ اسْمٍ، لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ فَقَطْ أَرْصِدَتُهُمْ البَنْكِيَّةُ الخَيَالِيَّة، وَلَكِنْ تَفَاصِيلٌ دَقِيقَةٌ لِعَمَلِيَّاتِ غَسِيلِ أَمْوَال، صَفَقَاتِ سِلاحٍ مَشْبُوهَة، رَشَاوَى، تَسْجِيلاتٌ صَوْتِيَّةٌ وَمُكَالَمَاتٌ تُدِينُهُمْ بِشَكْلٍ قَاطِع، وَالأَهَمُّ... كَلِمَاتُ المُرُورِ وَأَكْوَادُ الدُّخُولِ لِحِسَابَاتِهِمْ السِّرِّيَّةِ فِي بَنَامَا وَسُوِيسْرَا وَجُزُرِ الكَايْمَان.
كَانَ المِلَفُّ أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ دَلِيلِ إِدَانَة... كَانَ سِلَاحَ دَمَارٍ شَامِل، قَادِرَاً عَلَى هَدْمِ إِمْبَرَاطُورِيَّاتٍ بِأَكْمَلِهَا.
نَظَرَ مُصْطَفَى إِلَى عِزّ، مُنْتَظِرَاً رَدَّ فِعْلِ رَجُلِ الدَّوْلَةِ المَزْعُوم، مُتَوَقِّعَاً أَنْ يَرَاهُ يُخْرِجُ هَاتِفَاً لِيُبَلِّغَ قِيَادَتَهُ بِالنَّصْرِ المُبِين.
لَكِنَّ مَا رَآهُ هَشَّمَ آخِرَ ذَرَّةِ تَصْدِيقٍ كَانَتْ مُتَبَقِّيَةً لَدَيْه.
انْحَنَى عِزّ عَلَى الشَّاشَة، وَعَيْنَاهُ تَلْتَهِمَانِ الأَرْقَامَ الْتِهَامَاً، لا كَرَجُلِ أَمْنٍ يَبْحَثُ عَنِ الحَقِيقَة، بَلْ كَقُرْصَانٍ وَجَدَ خَرِيطَةَ الكَنْزِ المَفْقُود. لَعَقَ شَفَتَيْهِ بِحَرَكَةٍ لا إِرَادِيَّة، وَصَوْتُهُ خَرَجَ كَهَمْسٍ جَشِعٍ مَحْمُوم:
_ "يَا الله... يَا الله! كُلّ دَه! المَبَالِغْ دِي... أَكْتَرْ مَا كُنْت أَتَخَيَّلْ بِكْتِير... مَعَاهُمْ كَلِمَاتِ السِّرّ كَمَانْ... ههههه... شَرِيفْ بَاشَا كَانْ عَامِلْ لِنَفْسُه بَنْكْ خَاصّ عَلَى حِسَابْهُمْ كُلُّهُمْ!"_
هُنَا، فَهِمَ مُصْطَفَى كُلَّ شَيْء. لَا جِهَةَ أَمْنِيَّة، وَلا وَطَن، وَلا تَطْهِيرُ البَلَدِ مِنَ الفَسَاد. إِنَّهَا أَكْبَرُ عَمَلِيَّةِ سَطْوٍ فِي التَّارِيخ، وَهُوَ كَانَ الأَدَاةَ الَّتِي فَتَحَتِ الخَزْنَة. شَعَرَ بِمَرَارَةٍ تَفُوقُ مَرَارَةَ خِيَانَةِ شَمْس، لِأَنَّ هَذِهِ الخِيَانَةَ كَانَتْ أَكْثَرَ ذَكَاءً وَأَعْظَمَ خُبْثَاً.
بِحَرَكَةٍ وَاحِدَةٍ سَرِيعَةٍ كَلَدْغَةِ الأَفْعَى، سَحَبَ مُصْطَفَى اللَّابْ تُوبْ مِنْ أَمَامِ عِزّ، وَبِضَغْطَةٍ سَرِيعَةٍ عَلَى لَوْحَةِ المَفَاتِيح، أَغْلَقَ المِلَفَّ وَأَعَادَ تَشْفِيرَهُ بِكَلِمَةِ سِرٍّ جَدِيدَةٍ مِنْ اخْتِرَاعِهِ فِي لَحْظَتِهَا.
_ "اللُّعْبَة انْتَهَتْ يَا عِزّ."_ قَالَ بِصَوْتٍ جَلِيدِيّ.
تَجَمَّدَتْ مَلامِحُ عِزّ، وَتَحَوَّلَ لَهَفُهُ إِلَى غَضَبٍ بَارِد.
_ "إِنْتَ عَمَلْتِ إِيهْ يَا مَجْنُونْ؟!"_
_ "حَمِيتْ نَفْسِي مِنَّكْ. وِحَمِيتْ المِلَفّ دَه مِنْ جَشَعَكْ. مَفِيشْ جِهَاتْ أَمْنِيَّة، صَحّ؟ كُلّ دَه كَانْ فِيلْم مِنْ تَأْلِيفَكْ عَشَانْ تَحْط إِيدَكْ عَلَى الفِلُوسْ دِي."_
حَاوَلَ عِزّ أَنْ يَتَمَالَكَ أَعْصَابَهُ. ابْتَسَمَ ابْتِسَامَتَهُ المَارِقَةَ مُجَدَّدَاً، لَكِنَّهَا كَانَتْ هَشَّةً هَذِهِ المَرَّة.
_ "لِيه الْعَصَبِيَّة دِي يَا أُسْتَاذْ مُصْطَفَى؟ خَلِّينَا نِتْكَلِّمْ بِالْعَقْل. سَوَاء جِهَة أَمْنِيَّة أَوْ لَأ، إِيهْ اللِّي فَرَقْ مَعَاكْ؟ المُكَافْأَة اللِّي وِعِدْتَكْ بِيهَا لِسَّه قَايْمَة. عَايِزْ كَامْ؟ مِلْيُونْ؟ اِتْنِينْ؟ عَشَرَة؟ قُولْ الرَّقَمْ اللِّي يِرَيَّحَكْ، وِاعْتِبْرُه فِي حِسَابَكْ الصُّبْح. بَسْ افْتَحْ المِلَفّ تَانِي."_
ضَحِكَ مُصْطَفَى بِسُخْرِيَةٍ مُرَّة. _ "لَا يَا عِزّ. المَوْضُوعْ مَبَقَاشْ فِلُوسْ. بَقَى مَبْدَأ. إِنْتَ لَعِبْتْ بِيَّا لِلمَرَّة التَّانْيَة، وِاسْتَخْدَمْت كَلِمَة 'الوَطَنْ' عَشَانْ تِضْحَكْ عَلَيَّا. أَنَا مُمْكِنْ أَكُونْ فَقِيرْ، وِيَائِسْ، وِعَلَى حَافِةِ الهَاوِيَة... بَسْ لِسَّه عِنْدِي شْوَيِّةْ كَرَامَة."_
تَنَهَّدَ عِزّ تَنْهِيدَةً عَمِيقَة، وَأَطْفَأَ آخِرَ بَصِيصٍ مِنَ المُزَاحِ فِي عَيْنَيْه. جَلَسَ أَمَامَ مُصْطَفَى، وَنَظَرَ إِلَيْهِ بِجِدِّيَّةٍ مُطْلَقَة.
_ "طَيِّب. إِنْتَ كَسَبْتِ الجَوْلَة دِي يَا مُصْطَفَى. فِعْلَاً مَفِيشْ جِهَة أَمْنِيَّة... بَسْ المَوْضُوعْ كَمَانْ مِشْ سَرِقَة وِجَشَعْ زَيّ مَا إِنْتَ فَاكِر. الحِكَايَة أَعْمَقْ مِنْ كِدَه بِكْتِيرْ. الحِكَايَة شَخْصِيَّة."_
انْتَظَرَ مُصْطَفَى بِصَمْتٍ حَذِر، يَدُهُ لا تُفَارِقُ اللَّابْ تُوبْ.
_ "صَاحِبْ التِّلِيفُونْ دَه..."_ بَدَأَ عِزّ، وَصَوْتُهُ يَحْمِلُ نَبْرَةً مُخْتَلِفَة، نَبْرَةً مِنْ كَرَاهِيَةٍ دَفِينَة. _ "اسْمُه شَرِيفْ مَحْرُوس. رَجُلْ أَعْمَال كِبِير... وِزَوْجْ أُمِّي."_
كَانَتْ هَذِهِ مُفَاجَأَةً لَمْ يَتَوَقَّعْهَا مُصْطَفَى.
_ "أُمِّي اتْجَوِّزِتُه وِأَنَا طِفْل صَغِير. الرَّاجِلْ دَه كَانْ عَقِيمْ، فَرَبَّانِي كَأَنِّي ابْنُه اللِّي مَخَلِّفُوشْ. عَامِلْنِي أَحْسَنْ مُعَامْلَة، دَخَّلْنِي أَحْسَنْ مَدَارِسْ، سَفَّرْنِي بِرَّه أَتَعَلِّمْ... كُنْت فَاكْرُه مَلاكْ. وَكُنْت بِحِبُّه أَكْتَرْ مِنْ أَيّ حَدّ فِي الدُّنْيَا."_
صَمَتَ عِزّ، وَكَأَنَّهُ يَلْتَقِطُ أَنْفَاسَهُ لِيُوَاصِلَ حِكَايَةً مُؤْلِمَة.
_ "لِحَدّ مَا أُمِّي مَاتِتْ. قَالُوا إِنْهَا انْتَحَرَتْ. اكْتِئَابْ حَادّ. صَدَّقْتُهُمْ سَاعِتْهَا. بَعْدَهَا بِسَنَوَات، بِالصُّدْفَة، لَقِيتْ مُذَكَّرَاتْهَا اللِّي كَانِتْ مِخَبِّيَاهَا. وَقَرِيتْ... قَرِيتْ الحَقِيقَة."_
ارْتَعَشَتْ شَفَتَا عِزّ قَلِيلاً. _ "الرَّاجِلْ دَه، المَلاكْ اللِّي رَبَّانِي، كَانْ شَيْطَانْ. كَانْ بِيخُونْهَا، وِيِضْرَبْهَا، وِيِعَذِّبْهَا نَفْسِيَّاً. هُوَ اللِّي دَفَعَهَا لِلاِنْتِحَار دَفْع. هُوَ اللِّي قَتَلَهَا بِالبَطِيء. وَأَنَا... أَنَا كُنْت أَعْمَى."_
نَظَرَ عِزّ مُبَاشَرَةً فِي عَيْنَيْ مُصْطَفَى، وَعَيْنَاهُ تَحْمِلانِ أَلَمَاً حَقِيقِيَّاً هَذِهِ المَرَّة.
_ "سَاعِتْهَا، قَرَّرْت أَنْتَقِمْ. مِشْ هَقْتِلُه، لَا. القَتْل رَحْمَة لِلِّي زَيُّه. قَرَّرْت آخُدْ مِنْهُ الحَاجَة الوَحِيدَة اللِّي بِيحِبَّهَا أَكْتَرْ مِنْ نَفْسُه: فِلُوسُه وِسُلْطَتُه. المِلَفّ دَه هُوَ قَلْبُه. لَمَّا سَرَقْتِ التِّلِيفُونْ مِنْ مَكْتَبُه، هُوَ وِرِجَالَتُه حَاوَلُوا يِفْتَحُوه بِكُلّ الطُّرُقْ وِفَشَلُوا، فَكَانُوا هَيِكْسَرُوه وِيِرْمُوه، لَكِنِّي قِدِرْت أَبَدِّلُه بِوَاحِدْ شَبَهُه بِالظَّبْط. فَكَرُونِي بِرْمِيه فِي الزِّبَالَة. وَقَعَدْت أَدَوَّرْ عَلَى حَدّ يِقْدَرْ يِفْتَحْ القَلْعَة دِي... لِحَدّ مَا لَقِيتَكْ يَا أُسْتَاذْ مُصْطَفَى."_
شَرَحَ عِزّ خُطَّتَهُ بِسُرْعَةٍ وَلَهْفَة:
_ "الخِطَّة مِشْ إِنِّي أَسْرَقْ الفِلُوسْ لِنَفْسِي. الخِطَّة هِيَ إِنِّي أَسْحَبْ فِلُوسْ كُلّ الشُّرَكَا الأَوْسَاخْ دُولْ، وَأَحَوِّلْهَا كُلَّهَا لِحِسَابْ شَرِيفْ مَحْرُوس الشَّخْصِيّ. تَخَيَّلْ المَنْظَرْ! كُلُّ العِصَابَة دِي هَتِتْجَنِّنْ وِتِعْلِنْ الحَرْب عَلِيه، هُمَّا اللِّي هَيِخَلَّصُوا عَلِيه بِنَفْسِهُمْ. هَيِدَمَّرُوا بَعْض."_
_ "وِبَعْدِينْ؟"_ سَأَلَ مُصْطَفَى بِاهْتِمَامٍ رَغْمَاً عَنْه.
_ "بَعْدِ كِدَه، وِقَبْل مَا يِقْدَرُوا يِتَصَرَّفُوا، هَسْحَبْ الفِلُوسْ دِي كُلَّهَا مِنْ حِسَابُه، وَأَضُخَّهَا فِي مِئَاتِ الحِسَابَاتِ الصَّغِيرَة حَوْلِ العَالَم. حِسَابَاتْ أَيْتَامْ، جَمْعِيَّاتْ خَيْرِيَّة، نَاسْ غَلَابَة هُوَ نَفْسُه دَاسْ عَلِيهِمْ عَشَانْ يِكْبَرْ... هَوَزَّعْ الفِلُوسْ عَلَى أَصْحَابْهَا الحَقِيقِيِّينْ، وِهَخَلِّيه عَلَى الحَدِيدَة، وِمَسْجُونْ فِي شَبَكِةْ دُيُونْ وِاتِّهَامَاتْ مَعَ شُرَكَائِهِ مَيِخْرُجْشِ مِنْهَا طُولْ عُمْرُه. دَه الاِنْتِقَامْ الحَقِيقِيّ."_
كَانَتْ خُطَّةً شَيْطَانِيَّةَ الذَّكَاء، تَجْمَعُ بَيْنَ الاِنْتِقَامِ الشَّخْصِيِّ وَتَحْقِيقِ عَدَالَةٍ شِعْرِيَّةٍ مُلْتَوِيَة. صَمَتَ مُصْطَفَى لِلَحْظَات، يُقَلِّبُ الأَمْرَ فِي رَأْسِهِ. الحِكَايَةُ بِهَذَا الشَّكْلِ بَدَتْ أَكْثَرَ قَابِلِيَّةً لِلتَّصْدِيق... وَأَكْثَرَ إِغْرَاءً.
مَدَّ عِزّ يَدَهُ نَحْوَ اللَّابْ تُوبْ بِتَرَجٍّ.
_ "صَدَّقْنِي يَا مُصْطَفَى... أَنَا مِشْ كَدَّابْ فِي دِي. دِي حَيَاة أُمِّي اللِّي رَاحِتْ. سَاعِدْنِي أَخُدْ حَقَّهَا. وِبِالنِّسْبَة لِيكْ... أَنَا عِنْد وَعْدِي. هَخَلِّيكْ مِلْيُونِير. خُدْ اللِّي إِنْتَ عَايْزُه مِنْ الفِلُوسْ دِي قَبْل مَا أُوَزَّعْهَا. اعْتِبِرْهَا تَعْوِيضْ عَنْ فِلُوسَكْ اللِّي اتْسَرَقِتْ مِنْكَ زَمَانْ فِي العَجَمِي. القَدَرْ بِيِدِّيلَكْ فُرْصَة تِعَوَّضْ كُلّ اللِّي رَاحْ مِنْكَ. مَاتْضَيَّعْهَاَش."_
نَظَرَ مُصْطَفَى إِلَى وَجْهِ عِزّ المُلِيءِ بِالرَّجَاء، ثُمَّ إِلَى شَاشَةِ اللَّابْ تُوبْ الَّتِي تَحْمِلُ مَفَاتِيحَ الثَّرْوَةِ وَالاِنْتِقَام. لِلَحْظَة، كَادَ أَنْ يَمِيل، أَنْ يُصَدِّق، أَنْ يُشَارِكَ فِي هَذِهِ الرَّقْصَةِ الأَخِيرَة.
لَكِنَّهُ هَزَّ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ وَإِصْرَار.
_ "لَأ."_
اتَّسَعَتْ عَيْنَا عِزّ بِذُهُول. _ "لَأ؟! لَأ لِيهْ؟! بَعْد كُلّ دَه؟!"_
وَقَفَ مُصْطَفَى، وَقَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَكِنَّهُ حَاسِمٌ كَحَدِّ السَّيْف:
_ "لِأَنِّي تِعِبْتْ مِنَ الأَكَادِيب يَا عِزّ. تِعِبْتْ مِنَ اللُّعَب. صَدَّقْتَكْ مَرَّة وِطِلِعْت كَدَّاب، وِصَدَّقْتَكْ تَانِي وِطِلِعْت كَدَّاب. مِينْ يِضْمَنْ لِي إِنْ مَتِكُونْشِ دِي الكِدْبَة التَّالْتَة، أَحْسَنْ وَأَذْكَى وَأَكْتَرْ تَأْثِيرَاً؟ أَنَا خَلَاصْ... مَبَقِيتْش عَارِفْ أَصَدَّقْ أَيّ حَاجَة. وِمِشْ مُسْتَعِدّ أَكُونْ أَدَاة فِي إِيدَكْ تَانِي، مَهْمَا كَانِتْ الأَسْبَابْ... وِمَهْمَا كَانْ التَّمَنْ."_
أَغْلَقَ مُصْطَفَى اللَّابْ تُوبْ بِهُدُوء، وَمَعَهُ أَغْلَقَ البَابَ فِي وَجْهِ كُلِّ إِغْرَاءَاتِ عِزّ. لَقَدْ اخْتَارَ الكَرَامَةَ الفَقِيرَةَ عَلَى الثَّرَاءِ المَشْبُوه، وَرَفَضَ أَنْ يَرْقُصَ عَلَى أَنْغَامٍ لَمْ يَعُدْ يَثِقُ فِي عَازِفِهَا.
**»»»»»»»»»»»»**
**يتبع**

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق