رقْصَةُ الأَقْدَارِ المَجْنُونَة
»»»»»»»»»»»
**الرقصة الثامنة /**
**_____الغَوْصُ فِي نَهْرِ الزَّمَنِ المَجْمُور_____**
**(السَّاعَةُ الثَّانِيَةُ صَبَاحَاً – فَجْرُ العَامِ الجَدِيد)**
تَوَلَّى مُصْطَفَى قِيَادَةَ الأَوْرْكِسْتْرَا. بَعْدَ أَنْ تَصَالَحَ مَعَ حَقِيقَةِ مَنْزِلِهِ، وَأَدْرَكَ أَنَّ الأَقْدَارَ قَدْ نَصَبَتْ لَهُ مَسْرَحَاً أَكْثَرَ جُنُونَاً مِنْ أَيِّ خِدَاعٍ بَشَرِيّ، أَغْلَقَ اللَّابْ تُوبْ بِهُدُوء. لَمْ يَبْدَأْ بَعْدُ فِي عَمَلِيَّةِ التَّحْوِيل. كَانَ يَنْظُرُ إِلَى عِزٍّ الَّذِي كَانَ يَتَنَقَّلُ ذِهَابَاً وَإِيَابَاً كَحَيَوَانٍ مَحْبُوسٍ فِي قَفَص، مُرَاقِبَاً الشَّارِعَ مِنْ خِلالِ النَّافِذَةِ المُغَبَّرَة.
فَجْأَةً، تَجَمَّدَ عِزّ.
_ "عِمَادْ... عِمَادْ وَصَلْ."_ هَمَسَ بِصَوْتٍ مَخْنُوق.
تَرَجَّلَ مِنْ سَيَّارَةٍ رَابِعَةٍ رَجُلٌ أَنِيق، يَبْدُو هَادِئَاً لَكِنَّ الخَطَرَ يَتَطَايَرُ مِنْ عَيْنَيْه. كَانَ ذَلِكَ عِمَاد، الذِّرَاعُ الأَيْمَنُ لِشَرِيفْ مَحْرُوس، الرَّجُلُ الَّذِي لا يَعُودُ أَبَدَاً مِنْ مَهَمَّةٍ خَالِيَ الوِفَاض.
_ "دَه مِشْ هَيِمْشِي مِنْ هِنَا غِيرْ وِإِحْنَا مَعَاه... أَوْ جُثَثْنَا."_ قَالَ عِزٌّ وَالخَوْفُ يَعْصِرُ قَلْبَه.
نَظَرَ مُصْطَفَى إِلَى عِزٍّ بِبُرُودٍ، ثُمَّ نَهَضَ وَكَأَنَّهُ اتَّخَذَ قَرَارَاً حَاسِمَاً.
_ "هَاتْ اللَّابْ تُوبْ وِالتِّلِيفُونْ... وِتَعَالَى مَعَايَا."_
تَرَقَّبَهُ عِزٌّ بِقَلَق. _ "عَلَى فِينْ؟"_
نَظَرَ إِلَيْهِ مُصْطَفَى وَكَأَنَّهُ يَقُولُ أَبْسَطَ حَقَائِقِ الكَوْن.
_ "إِحْنَا فُرْصِتْنَا الوَحِيدَة إِنِّنَا نِنْزِلْ... وِنِحْضَرْ الحَفْلَة!"_
كَانَ الهُبُوطُ عَلَى سَلَالِمِ العِمَارَةِ أَشْبَهَ بِالغَوْصِ فِي نَهْرِ زَمَنٍ جَامِد. كَانَ عِزٌّ يَشْعُرُ بِالهَوَاءِ يَتَغَيَّر، يَزْدَادُ كَثَافَةً وَيَتَشَبَّعُ بِعَبَقٍ خَفِيفٍ مِنْ اليَاسَمِينِ وَالعُودِ وَالعُطُورِ القَدِيمَة. الجُدْرَانُ المُتَقَشِّرَةُ كَانَتْ تَلْتَئِمُ أَمَامَ أَعْيُنِهِمْ، وَصَوْتُ مُوسِيقَى الجَازِ القَادِمِ مِنْ شَقَّةِ الدُّورِ الثَّالِثِ يَزْدَادُ وُضُوحَاً وَنَقَاءً.
_ "اسْمَعْ..."_ هَمَسَ مُصْطَفَى لِعِزٍّ الَّذِي كَانَ يَسِيرُ خَلْفَهُ كَظِلٍّ مُرْتَعِب. _ "مَاتِبُصِّشْ فِي عِينْ أَيّ حَدّ فِيهُمْ مُبَاشَرَة. لَوْ رَكِّزْت فِي عِينْ حَدّ، هُوَ هَيِشُوفْ اللِّي جُوَّاكْ، وِهَيِتْحَوِّلْ عَلِيكْ."_
_ "يِتْحَوِّلْ عَلَيَّ؟! لِيهْ؟! إِنْتَ مِشْ بِتْقُولْ إِنْهُمْ طَيِّبِينْ؟!"_
_ "هُمَّا طَيِّبِينْ، بَسْ حَزَانَى يَا عِزّ. مَحْبُوسِينْ فِي لَحْظَة زَمَنِيَّة وَاحْدَة، بِيعِيدُوا نَفْس اللَّيْلَة كُلّ سَنَة. لَمَّا بِيِشُوفُوا الأَلَمْ فِي عِينْ حَدّ حَيّ، بِيِحَاوْلُوا يِخَلُّوه وَاحِدْ مِنْهُمْ عَشَانْ يِرَيَّحُوه مِنْ أَلَمِ الحَيَاة اللِّي بِتِتْغَيَّرْ كُلّ شْوَيَّة. هُمَّا مِشْ أَشْرَار، هُمَّا خَايْفِينْ مِنَ التَّغْيِير... وِمِنَ النِّسْيَان."_
وَقَفَا أَمَامَ بَابِ الشَّقَّةِ. كَانَ البَابُ الخَشَبِيُّ المُنْقُوشُ مَفْتُوحَاً عَلَى مِصْرَاعَيْهِ. مَا أَنْ خَطَا عِزٌّ إِلَى الدَّاخِل، حَتَّى شَعَرَ بِدُوَارٍ كَأَنَّهُ اخْتَرَقَ حَاجِزَ الصَّوْتِ وَالزَّمَن.
لَمْ تَكُنْ شَقَّةً، بَلْ كَانَتْ كَبْسُولَةً زَمَنِيَّةً مُتَجَمِّدَةً فِي أَجْمَلِ لَيَالِي التِّسْعِينَات. أَرْضِيَّاتٌ مِنْ رُخَامٍ أَسْوَدَ لَمَّاعٍ تَعْكِسُ أَضْوَاءَ ثُرَيَّاتٍ كِرِسْتَالِيَّةٍ ضَخْمَةٍ. الهَوَاءُ مُشَبَّعٌ بِرَائِحَةِ السَّجَائِرِ الكُوبِيَّةِ وَالعُطُورِ الفَرَنْسِيَّة.
كَانَ الضُّيُوفُ مَزِيجَاً مُذْهِلَاً مِنَ الأَمْوَاتِ وَالأَحْيَاء. الأَمْوَاتُ، أَهْلُ العِمَارَةِ وَضُيُوفُ نَغَمْ الأَصْلِيُّون، يَتَحَرَّكُونَ بِخِفَّةٍ غَيْرِ طَبِيعِيَّة. أَمَّا الأَحْيَاء، وَهُمْ قِلَّةٌ مِنْ رِجَالِ أَعْمَالٍ وَفَنَّانِينَ حَضَرُوا بِدَعَوَاتٍ غَامِضَة، فَكَانُوا يَتَمَايَلُونَ كَالمُنَوَّمِينَ مَغْنَاطِيسِيَّاً.
وَسَطَ هَذَا كُلِّه، كَانَ عِزٌّ يَتُوه. كَانَ يَشْعُرُ كَأَنَّهُ يَسِيرُ دَاخِلَ حُلْمٍ قَدِيم.
سَمِعَ رَجُلَ أَعْمَالٍ شَبَحِيٍّ، بِشَارِبٍ كَثٍّ وَبَدْلَةٍ وَاسِعَةِ الأَكْتَاف، يَقُولُ لِآخَر:
_ "الدولار اتجنن خالص يا باشا، قرب يوصل تلاتة جنيه ونص! البلد دي رايحة على فين؟ لو فضلنا كده، هنضطر نصفي المصانع ونمشي العمال."_
رَدَّ عَلَيْهِ ضَيْفٌ آخَر، حَيّ، بَدَا عَلَيْهِ الثَّرَاءُ الحَدِيث، بِابْتِسَامَةٍ مُتَعَالِيَة:
_ "تلاتة ونص إيه بس يا حج؟ ده لسه بدري قوي! لسه الخير كله جاي!"_
نَظَرَ إِلَيْهِ الشَّبَحُ بِاسْتِغْرَابٍ كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى كَائِنٍ فَضَائِيّ.
مَرَّتْ بِجَانِبِهِ مُمَثِّلَةٌ شَبَحِيَّةٌ شَهِيرَة، مَاتَتْ مُنْذُ عُقُود، كَانَتْ تَتَحَدَّثُ فِي هَاتِفٍ مَحْمُولٍ ضَخْمٍ بِـ "إِرْيَال"، تَشْكُو مِنْ أَنَّهَا تَأَخَّرَتْ عَلَى تَصْوِيرِ "فَوَازِير رَمَضَان". وَبِجَانِبِهَا، كَانَتْ تَقِفُ "بْلُوجَرْ" شَابَّة، مِنَ الأَحْيَاء، تُمْسِكُ هَاتِفَهَا الذَّكِيَّ الصَّغِير، وَتُصَوِّرُ "سْتُورِي" قَائِلَةً: _"هاي يا جماعة، أنا في أغرب بارتي ممكن تتخيلوها، الفايبز هنا تسعيناتي على الآخر! بس النتورك زفت!"_
وَفِي أَحَدِ الأَرْكَان، لَمَحَ عِزٌّ بَعْضَاً مِنْ رِجَالِ شَرِيفْ، أُولَئِكَ الوُحُوشُ، يَقِفُونَ كَالأَطْفَالِ التَّائِهِينَ. أَحَدُهُمْ كَانَتْ تُرَاقِصُهُ شَبَحُ سَيِّدَةٍ عَجُوزٍ كَانَتْ تَسْكُنُ فِي الطَّابَقِ الأَوَّل، وَهِيَ تَقُولُ لَهُ: _"إنت شبه حفيدي الله يرحمه بالظبط، بس هو كان أرفع من كده شوية."_
وَسَطَ هَذَا المَشْهَدِ السِّحْرِيِّ المُرْعِب، ظَهَرَتْ هِيَ. نَغَمْ. كَانَتْ أَجْمَلَ مِمَّا تَخَيَّلَ أَيُّ رَسَّام. امْرَأَةٌ بِجَسَدِ رَاقِصَةٍ وَوَجْهِ مَلاكٍ سَاقِط. رَأَتْ مُصْطَفَى فَتَوَهَّجَ وَجْهُهَا بِابْتِسَامَةٍ تَحْمِلُ لَوْمَ العَاشِقِ وَحَنِينَ الأَبَدِيَّة.
_ "مُصْطَفَى... حَبِيبِي. اتْأَخَّرْت عَلَيَّا السَّنَادِي."_ ثُمَّ الْتَفَتَتْ إِلَى عِزٍّ بِعَيْنَيْنِ ثَاقِبَتَيْنِ كَأَنَّهُمَا تَقْرَآنِ كُلَّ أَسْرَارِهِ وَأَكَاذِيبِهِ. _"وِجِبْتِلِي مَعَاكْ ضِيفْ حِلْو... أَهْلَاً بِيكْ فِي حَفْلِتِي."_
مَالَتْ نَحْوَ مُصْطَفَى وَهَمَسَتْ فِي أُذُنِهِ بِصَوْتٍ كَحَفِيفِ الحَرِير:
_ "السَّنَادِي... حَضَّرْتِلَكْ مُفَاجَأَة خَاصَّة جِدَّاً يَا مُصْطَفَى. شَبَحٌ مِنْ مَاضِيكَ أَنْتَ."_
شَعَرَ مُصْطَفَى بِقَلْبِهِ يَقْفِزُ فِي صَدْرِهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ شَيْئَاً. قَادَتْهُ نَغَمْ إِلَى غُرْفَةٍ جَانِبِيَّة، كَانَتْ مَكْتَبَاً فَخْمَاً بِأَثَاثٍ مِنْ طِرَازِ "الآرْت دِيكُو". فَتَحَ مُصْطَفَى اللَّابْ تُوبْ، وَبَدَأَ فِي إِكْمَالِ مَا بَدَأَهُ. كَانَ عِزٌّ يُرَاقِبُ شَرِيطَ التَّحْوِيلِ وَهُوَ يَتَقَدَّم، وَقَلْبُهُ يَخْفِقُ بِعُنْف.
خَمْسُونَ بِالمِائَة... سِتُّونَ... سَبْعُونَ...
فَجْأَةً، تَوَقَّفَ كُلُّ شَيْء. تَجَمَّدَ شَرِيطُ التَّحْوِيل. ظَهَرَتْ رِسَالَةٌ حَمْرَاءُ عَلَى الشَّاشَة: **"فشل في الاتصال بالخادم. يتطلب تفويضاً أمنياً من الجهاز الرئيسي."**
ضَرَبَ عِزٌّ المَكْتَبَ بِيَدِهِ.
_ "شَرِيفْ قَفَلْ الحِسَابْ!"_
هَزَّ مُصْطَفَى رَأْسَهُ.
_ "لَأ... أَذْكَى مِنْ كِدَه. هُوَ حَاطِطْ نِظَامْ حِمَايَة مُزْدَوَج. أَيّ تَحْوِيلْ إِضَافِي لَازِمْ يِتْوَافِقْ عَلِيه مِنْ مُوبَايْلُه هُوَ شَخْصِيَّاً. الخِطَّة وَقْفِتْ."_
سَقَطَ عِزٌّ عَلَى كُرْسِيٍّ قَرِيب، وَقَدْ غَلَبَهُ الإِحْبَاطُ وَاليَأْس. انْتِقَامُهُ كَانَ عَلَى بُعْدِ خُطْوَةٍ وَاحِدَة، وَهَا هُوَ الآنَ يَتَبَخَّر.
كَانَتْ نَغَمْ تَقِفُ عِنْدَ البَاب، تُشَاهِدُ المَشْهَدَ بِابْتِسَامَتِهَا الغَامِضَة.
_ "الحَفْلَة لِسَّه مِخِلْصِتْش يَا مُصْطَفَى... وِالضِّيفْ الأَهَمّ لِسَّه مَجَاشْ. وِمُفَاجَأْتَكْ... آنَ أَوَانُهَا."_
وَفِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، بَدَأَتِ المُعْجِزَةُ المُرْعِبَة.
شَمَّ عِزٌّ رَائِحَةً. لَمْ تَكُنْ رَائِحَةَ الحَفْلَةِ الصَّاخِبَة، بَلْ رَائِحَةً أُخْرَى، رَائِحَةً خَاصَّةً كَانَتْ تَفُوحُ مِنْ صَفَحَاتِ مُذَكَّرَاتِ أُمِّهِ القَدِيمَةِ كُلَّمَا فَتَحَهَا. رَائِحَةُ يَاسَمِينٍ بَرِّيٍّ نَادِر.
أَمَّا مُصْطَفَى، فَقَدْ ضَرَبَتْهُ الرَّائِحَةُ كَصَاعِقَة، أَعَادَتْهُ ثَلاثِينَ عَامَاً إِلَى الوَرَاءِ، إِلَى حَدِيقَةٍ عَلَى شَاطِئِ العَجَمِي، وَإِلَى شَعْرٍ أَسْوَدَ كَانَتْ تَفُوحُ مِنْهُ تِلْكَ الرَّائِحَةُ بِالذَّات.
تَكَثَّفَ الضَّوْءُ فِي أَحَدِ أَرْكَانِ الغُرْفَةِ المُظْلِمَة. لَمْ يَكُنْ ضَوْءَ شَمْعَةٍ أَوْ مِصْبَاح، بَلْ ضَوْءٌ يَنْبُعُ مِنْ ذَاتِهِ، يَتَشَكَّلُ بِبُطْءٍ كَوِلادَةِ نَجْمَة. وَمِنْ قَلْبِ هَذَا الضَّوْءِ، تَجَسَّدَتْ هِيَ.
**شَمْس.**
لَمْ تَكُنْ شَبَحَاً بَاهِتَاً، بَلْ كَانَتْ كِيَانَاً مُتَوَهِّجَاً بِقُوَّةٍ وَغَضَبٍ وَحُبٍّ يَفُوقُ طَاقَةَ العَالَمِ المَادِّيِّ. كَانَتْ تَرْتَدِي فُسْتَانَاً أَحْمَرَ نَارِيَّاً، يَتَوَهَّجُ كَجَمْرٍ مُلْتَهِب، وَمُحَاطَةً بِهَالَةٍ مِنَ النُّورِ تَجْعَلُهَا تَبْدُو كَمَلاكٍ مُنْتَقِم.
نَظَرَتْ أَوَّلاً إِلَى مُصْطَفَى. وَكَأَنَّ ثَلاثِينَ عَامَاً مِنَ الفِرَاقِ قَدْ ذَابَتْ فِي لَحْظَة. صَوْتُهَا كَانَ صَدَىً قَادِمَاً مِنْ أَعْمَاقِ الرُّوح.
_ "مُصْطَفَى... حَبِيبِي. قَالْ لَكْ إِنِّي مِتُّ... بَسْ أَنَا مَمُتِّشْ أَبَدَاً. أَنَا كُنْتُ مِسْتَنِيَّاكْ كُلّ الوَقْت دَه."_
تَجَمَّدَ مُصْطَفَى، سَقَطَتْ مِنْ يَدِهِ كُلُّ أَدَوَاتِهِ، وَلأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ عُقُود، شَعَرَ بِدَمْعَةٍ حَارَّةٍ تَشُقُّ طَرِيقَهَا عَلَى خَدِّهِ.
ثُمَّ الْتَفَتَتْ إِلَى عِزٍّ. لَمْ تَتَكَلَّمْ. فَقَطْ نَظَرَتْ. نَظْرَةٌ حَمَلَتْ كُلَّ أَلَمِ أُمٍّ لَمْ تَحْتَضِنْ طِفْلَهَا، وَكُلَّ فَخْرِ أُمٍّ رَأَتِ ابْنَهَا قَدْ كَبُرَ وَأَصْبَحَ رَجُلاً. مَدَّتْ يَدَهَا الشَّفَّافَةَ المُتَوَهِّجَة، لا لِتَلْمِسَهُ، بَلْ لِتُبَارِكَ وُجُودَهُ. شَعَرَ عِزٌّ بِدِفْءٍ يَسْرِي فِي جَسَدِهِ لأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ وَفَاةِ أُمِّهِ، وَانْهَارَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَهُوَ يَبْكِي بِصَمْتٍ أَمَامَ طَيْفِ المَرْأَةِ الَّتِي عَاشَ لِيَنْتَقِمَ لَهَا.
_ "مُفَاجَأَةٌ جَمِيلَةٌ، مِشْ كِدَه؟"_ قَالَتْ نَغَمْ بِهُدُوء. _"أَنَا مَسْتَدْعِتْهَاَشْ. بَسْ دِي أَوَّلْ سَنَة يِجْتِمِعْ فِيهَا حُبَّهَا الوَحِيدْ... وَابْنَهَا الوَحِيدْ... فِي مَكَانْ وَاحِدْ. طَاقِتْكُمْ إِنْتُوا الاِتْنِينْ مَعَ بَعْض هِيَّ اللِّي ادِّتْهَا القُوَّة عَشَانْ تِظْهَرْ بِالشَّكْل دَه."_
قَطَعَتْ شَمْسٌ هَذِهِ اللَّحْظَةَ المُقَدَّسَةَ بِصَوْتٍ قَوِيٍّ كَرَنِينِ السَّيْف.
_ "أَنَا مَظْهَرْتِشْ عَشَانْ أَبْكِي عَلَى اللِّي فَاتْ... أَنَا ظَهَرْتْ عَشَانْ أَقْفِلْ حِسَابَاتُه. الخِطَّة مَفَشْلِتْش، دِي دَخَلِتْ أَهَمّ مَرْحَلَة فِيهَا."_ نَظَرَتْ إِلَى مُصْطَفَى وَعِزّ. _ "مِشْ هَنِعْرَفْ نِسْحَبْ بَاقِي الفِلُوسْ إِلَّا بِتَفْوِيضْ مِنْه... عَشَانْ كِدَه، هَنِجِيبُه هِنَا يِدِّينَا التَّفْوِيضْ بِنَفْسُه."_
أَخِيرَاً، نَطَقَ مُصْطَفَى بِصَوْتٍ مُخْتَنِق:
_ "وِازَّايْ؟"_
وَجَّهَتْ شَمْسٌ نَظَرَهَا إِلَى نَغَمْ بِآمِرٍ مَلَكِيٍّ.
_ "نَغَمْ... يَا صَاحْبِتِي. جِه الوَقْت. ابْعَتِي الدَّعْوَة لِلْوَحْش. ادْعِيه يِيجِي يِتْفَرَّجْ عَلَى نِهَايْتُه... فِي حَفْلِتِي أَنَا."_
ابْتَسَمَتْ نَغَمْ ابْتِسَامَةً عَارِفَة. مَدَّتْ يَدَهَا، فَظَهَرَتْ فِي الهَوَاءِ بِطَاقَةُ دَعْوَةٍ مُذَهَّبَةٌ تَتَلَأْلأُ، ثُمَّ تَحَوَّلَتْ إِلَى رَمَادٍ وَتَبَدَّدَتْ فِي الهَوَاءِ.
_ "الدَّعْوَة وَصَلِتْ."_
لَقَدْ تَحَوَّلَتِ المَعْرَكَة. لَمْ تَعُدْ حَرْبَاً إِلِكْتِرُونِيَّةً عَنْ بُعْد، بَلْ أَصْبَحَتْ مَحْكَمَةً مِنَ العَالَمِ الآخَر، سَيُحَاكَمُ فِيهَا الطَّاغِيَةُ أَمَامَ ضَحَايَاه، وَسَيُجْبَرُ عَلَى التَّوْقِيعِ عَلَى حُكْمِ إِعْدَامِهِ المَالِيِّ بِنَفْسِهِ... فِي حَضْرَةِ الأَشْبَاح.
**»»»»»»»»»»»»**
**يتبع... (الرقصة التاسعة والأخيرة)**

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق