الخميس، 7 أغسطس 2025

🦋رحيل عند باب الرحمة 🦋بقلم الأديبة/ هدى أحمد شوكت


 رحيلٌ عند باب الرحمة

✍️ بقلم الكاتبة الصحفية هدى شوكت


> ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:5–7]


كانت تُدعى "نعمتي"… لكنه اسمٌ ضاق بعطائها.


ما عرفها أحد إلا وناداها بـ "أم عبد الله"؛ تلك المرأة التي تركت أثرًا في كل حجر من حجارة القدس، وبصمة على كل سجادة في الأقصى، ودمعة في كل عين يتيم مرّت عليه يدها الطاهرة.


لم تكن سيدةً عابرةً في شوارع البلدة القديمة، بل كانت ركنًا من أركانها. ظلّت كأنها شجرة زيتون في قلب المسجد، ثابتة رغم العواصف، شامخة وإن انحنى ظهرها، باسقة وإن انحسر عنها الضوء.


ولدت في القدس، لكنها تنفّست الأقصى… وما بين المئذنة والمنبر، كانت لها حكايات لا يعلمها إلا الله.


---


حين داهمها المرض، لم تُصارع من أجل الحياة، بل من أجل البقاء بقربه — قرب الأقصى، الذي رأت فيه دارها الآخرة، وملاذ قلبها الذي لا يهدأ.


> ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:32]


مرضُها لم يُطفئ نورها، بل زادها تعلقًا. كانت ترفض المبيت بعيدًا، تقاوم الألم بصبر أيوب، ولا ترضى إلا أن تُدفن كما عاشت: عند قدسية المسجد.


---


سألها أحدهم يومًا:

– "أما تخافين الموت هنا وحدك؟"

ابتسمت وقالت:

– "هنا لا أموت، هنا أُبعث…"


ثم تمتمت كما لو كانت تُناجي ربها:


> ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾

"هذا المسجد ليس مكانًا فقط، بل طريق… إلى السماء."


---


كانت تُكفكف دموع الأيتام، توزع طعامًا على الأرامل، وتفرش الحُبَّ في الطرقات.


وعندما اشتد عليها المرض، سألها ابنها:

– "أين تودين أن تمضي أيامك الأخيرة يا أمي؟"

قالت:

– "خذني إلى مصلى باب الرحمة… عند باب الرحمة يُحسن الله الختام."


وهناك، على وسادةٍ من نور، وُضعتْ...

الدمعة الأخيرة انسكبت، والنَفَس الأخير صعد كأنه دعاء طاهر...

ثم همست في هدوء:

"بلغوا عني أني لم أغب… فقط سبقت."


---


وفي صباحٍ باكرٍ، جلجل الأذان بين حجارة القدس، وخرج النعش من باب بيتها العتيق.

لم يكن صامتًا، بل محمولًا بقلوبٍ خاشعة، وألسنة تلهج:

"إنّا لله وإنّا إليه راجعون…"


وعند باب الرحمة… حيث اختارت الرحيل، ارتفعت أكفّ النساء، وتلاقت الأرواح، وصُفّت الدعوات كما تُصفّ الصفوف في الصلاة، ورفرف الدعاء:


> ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:27–30]


هنيئًا لكِ يا أم عبد الله…

لقد صدقتِ الوعد، فأوفاكِ الله الميعاد.

ورحلتِ…

لكن المسجد الأقصى لا يزال يذكركِ، واليتامى لا يزالون ينادونكِ في دعائهم،

والقدس لا تزال تبكيكِ،

والسماء — حتمًا — استقبلت أمًا من نور.


بقلم الادبية المصرية


هدى أحمد شوكت

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

🥀من يشتري مني كلمات🥀بقلم الشاعر/ معز ماني

 من يشتري منّي كلمات ؟ فقد تعبت .. من حمل هذا العالم في قصيدة  ومن تنظيف الخراب بالمجازات .. من يشتري منّي كلمات ؟ لقد هرمت .. وأنا أشرح للن...