رقصة الأفاعي
( قصه قصيره )
خذي هذه الورقه ولا تقرئي محتواها الا بعد وفاتي ، فانا اشعر بدنو اجلي ، ولكن قبل كل شيء تذكري اني احببتك كما لم احب انسان آخر، وقدرت كل مواقفك وتضحياتك معي ، فكنت نعم الزوجه ، صاحبة الفكر الناضج، والتصرف السليم ، والعقل الراجح ، وقبل ذلك كنت صاحبة الخلق الكريم والمواقف النبيله ، هكذا ابلغ " نجم الدين ايوب " الملقب ب ( الملك الافضل) زوجته " شجرة الدر" وهو طريح الفراش - ( بعد ان عاد من الشام من حربه مع ابناء عمومته من اجل كراسي الحكم ، وقد اعد جيشا لطرد الغزاة الصليبيين من ديار الاسلام في مصر ) ؟؟ حين علم وهو في بلاد الشام بتلك الحملة الصليبيه السابعه المتجهه نحو مصر بقيادة الملك " لويس التاسع " واخيه .
دمعت عينا شجرة الدر وهي تودع زوجها وحبيبها، وقد ادركت ان نهايته قد اقتربت ، واخذت تستذكر تلك الأيام الجميله التي قضتها معه في قلعة " الكرك " شرق الأردن ، حين اخذ يدللها ويسمعها كلمات الغزل الرقيق ( وهي جارية لديه ) ، قبل ان ينقلها الى مصر ويعلن زواجه منها ؟ واخذت تفكر فيما سيؤول اليه الحال ومصر تشهد وقتا عصيبا جدا بعد ان وصل الفرنسيون الى ارض مصر كغزاه ، واحتلوا دمنهور ؟؟ ولكنها قبل ذلك اسمعت زوجها كلمات الحب والمواساه والامل، ؟؟ قائلة له بعد ان ضمته الى صدرها : الحب يا حبيبي يسري في دمي ، وسوف اظل احبك طالما بقي في عرق ينبض ؟؟ ، وستبقى ارواحنا ترفرف كالطيور ، التقينا كالجنود المجنده ، تعارفت ارواحنا فتآلفت --
استدعت رجالات الدوله : الامير " فخر الدين يوسف" - و " جمال الدين محسن " : واستلم قيادة الجيش " فارس الدين اقطاي " ، ( مملوكي )، واتفقو لى ابقاء امر وفاة نجم الدين سرا ، حتى لا تتاثر معنويات الجند – وانتصرت مصر على الغزاه ، وهنا سلمت شجرة الدر امر الحكم الى ابن زوجها : " توران شاه " ؟؟ بعد ان كانت قد فتحت الورقه ووجدتها بيضاء ممهورة بتوقيع زوجها نجم الدين ، تخولها ان تفعل ما تشاء ؟ مقرونة بوردة الحب الحمراء الجافه، ولكن رائحتها ما زالت تعبق بالمكان ---
لكن بدلا من ان يحفظ لها هذا الود، لجأ ابن زوجها " توران شاه " الى مضايقتها ومطالبتها باموال ابيه ، ففرت خوفا من بطشه الى القدس ، بل امتد غضبه وغروره نحو المماليك ، وعقد النيه على التخلص منهم ، لكنهم سبقوه وتخلصوا منه ؟ واختاروا شجرة الدر لتحكم البلد ؟؟ وما ان تسلمت كرسي الحكم حتى قبضت على زمام الأمور بشجاعه وحكمة وكفاءه، وكان أول عمل اهتمت به هو تصفية الوجود الصليبي ، فأدارت مفاوضات مع " لويس التاسع" ، المهزوم، انتهت بالاتفاق على تسليم دمياط الى اهلها المصريين، ودفع فدية كبيره ، لقاء الافراج عنه، والانسحاب التام من مصر، وعدم العوده .
ورغم ما ابدته من حكمة في تسيير شؤون الدوله الا ان المصريين رفضوا جلوس امرأة على الحكم، ، كما رفض الايوبيون في الشام والعراق تسم المماليك للحكم وحكم امرأه ،!!؟ ثم ان مقتل توران شاه زاد من النقمة عليها ؟؟ فما كان من شجرة الدر الا ان تنازلت عن العرش الى زوجها "عز الدين ايبك " والتي كانت قد تزوجته بعد وفاة زوجها " نجم الدين " بقليل – فللحب صولات وجولات ، وللمصالح مكاسب وانتصارات !!؟ تركها عزالدين ايبك تتصرف في الحكم من خلف الكواليس ؟؟ وكانت قد اسقته انخاب الحب واسمعته ترانيم العشق والهيام ، هذا الكلام الناعم اجبره على هجر زوجته الاولى، ام ولده " علي " – ولست ادري في حقيقة الامر؟ هل هو الحب الجارف الذي انتصر على عقل الرجل ؟ ام هي المصالح الآنيه التي تنتهي بانتهاء مفعولها عند تحقيق المصلحه ؟؟ لقد تحطمت انغام الحب تحت ارجل كرسي الحكم ؟
هذا الكرسي الذي يجذب بعض الحكام لدرجة تعمي القلوب والبصائر ؟ فان قائد معركة المنصوره المملوكي : " نجم الدين اقطاي " اغراه الانتصارعلى لويس التاسع ، واصبح يصور نفسه فوق القانون ، ويتصرف بعنجهية واستكبار ؟؟ شأن بعض القادة المارقين ؟؟ واصبح يضايق شجرة الدر وينافسها بعنف وشراسه ؟ فتخلصت منه بمساعدة زوجها : عز الدين ايبك ، وصارت ترقص حول جثته رقصة الأفاعي بين جمهور المتفرجين !! وهنا فان العقل يعجز عن تفسير تلك الجرائم التي تقع بفعل الحب تارة ، وبفعل كراسي الحكم تارة اخرى ؟؟ والتي تولد الاحقاد والكراهية التي تستدعي القتل !!؟؟
غير أن زوجها " أيبك " انقلب عليها بعدما أحكم قبضته على الحكم في البلاد،، وتخلص من منافسيه في الداخل ، ومناوئيه من الأيوبيين في الخارج، هنا تغلب كرسي الحكم على الحب !! فبدأ في اتخاذ الخطوات للزواج من ابنة " بدرالدين لولو" صاحب الموصل ، من اجل الدعم السياسي ، هنا دبت الغيرة في قلب شجرة الدر، ولم يصمد الحب عند مشاعر الغيرة وحب التملك ، فعزمت على قتل زوجها ، ولما احس بنفورها منه استدعته ، واخذت تسمعه كلمات الحب والغزل الرقيق، قائلة : الحياة يا حبيبي تشعل قلوب المحبين، فحبي لك يجعلني سعيدة بزواجك من ابنة " بدر الدين "، ساكون في منتهى الفرح والسعادة حين اراك سعيدا مع زوجتك الجديده ، فالحب تضحية قبل كل شيئ ، ؟ واستدعته الى القلعة في القاهره، ودبرت قتله من قبل رجالها، ورقصت على جثته رقصة الافعى الماكره !! ؟؟ وادعت انه مات فجأه ، لكن مماليك " ايبك " لم تنطلي عليهم الحيله ؟؟ فاعتقلوها وقيدوها ونقلوها الى زوجة ايبك الاولى : ( ام علي ) – وهنا وجدت " ام علي " ما يعيد لها كبرياءها التي ظنت انها فقدته ، وجاء دورها في الانتقام ، لقد خرجت الرحمة من قلبها حين اعتقدت ان ضرتها شجرة الدر كانت سببا في ابعاد زوجها عنها ؟ فامرت جارياتها بضربها بالقباقيب حتى الموت، والقت بجثتها من فوق القلعه ، ورقصت حول جثتها رقصة الافاعي المنتقمه ، وأخذت تتناول الحلوى التي صنعتها واسمتها باسمها " ام علي " ، ووزعتها على سكان القاهره –
هي سنن الحياة : كما تدين تدان ، والحقد والكراهية اذا من دخلا قلب انسان فانه يصبح كالأفاعي التي لا تستجيب لمدربها ، بل تلدغ بلا رحمه ؟؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق