زهرة الصباح
{33}
(هل أكلت لحم أخيك ميتا اليوم؟!)
تقدمها لكم / رجاء حسين
============
{الدين المعاملة} فالإسلام ليس دينا منعزلا عن حياة المسلم؛ وقد جاء ليحفظ للإنسان كرامته وإنسانيته، وكلما ارتقى الإنسان في خلقه كان أقرب إلى الله ورسوله، كما جاء في الحديث الشريف : ( أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا) صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وإذا كانت مكارم الأخلاق تشبه الواحة الغناء العامرة بالزهور، فبعض هذه الأخلاق أشبه بحارس الواحة الذي يحرسها من الانفلات يمينا ويسارا، وبعضها أشبه بالبستاني الذي يروي بقية الزهور حتى لا تذبل وتذوي ومن أجمل هذه الأخلاق أن تعف لسانك عن التعرض للآخرين بسوء، وأن تسمو بنفسك عن موائد اللئام الذين يقتاتون على لحوم الناس، أن تستقبح الغيبة بكل صورها، فماذا تعرف عن الغيبة؟
============================
الغيبة من أقبح ما يمكن أن يفعله الإنسان بحق نفسه وحق الآخرين، وإذا كان البعض يستسهله معتقدا أنه يسيء إلى غيره فقط و بدون أن يمسه هو شيء؛ فقد أساء الفهم ولم يحسن تقدير الأمر؛ فالمغتاب قبل أن يسيء للآخرين، إنما يشبع جوع نفسه اللئيمة لتشويه صورة الآخرين، بالسخرية منهم وذكر معايبهم، وحتى يكون الأمر واضحا أمامنا، فالغيبة تعني باختصار أن تذكر الآخر بسوء، في أي أمر يخصه؛ تصريحا أو تعريضا؛ وأنك تعلم أنك لا تستطيع قول هذا أمامه، وإن قلته أمامه فسوف يغضبه ويحزنه، وعلى سبيل المثال:
إذا كان هذا الإنسان يعاني نقصا ما في صورته الجسمانية؛ كالعيوب الخلْقية في شكله أو صوته أو طريقة حديثه أو ضحكه، أو عيوب خُلُقية، أو عيوب في مظهره الاجتماعي، أو أي نقص في جانب من جوانب حياته، ثم ذكرت ذلك أمام الآخرين في معرض الحديث عن هذا الشخص بغرض الانتقاص من قدره، أو دفع الآخرين للسخرية منه أو كراهيته، أو عدم التعامل معه بأي شكل، إذا فعلت ذلك فاعلم أنك قد اغتبته وحملت نفسك ما لاتحتمل من وزر الغيبة، وقد يحاول البعض التحايل على ذلك بعدم التصريح بالكلام المسيء عن الآخرين؛ فيلجأ إلى أسلوب التعريض مستخدما بعض طرق التعبير المتعارف عليها بين الناس كالغمز واللمز واستخدام الإشارات المسيئة لغيره كتقليده في حركة معروف بها وخلاف ذلك من صور الغمز واللمز، وقد يقول أحدهم مبررا لنفسه هذا الفعل القبيح: وما الضرر في ذلك؟! أنا لم أقل عنه سوى عيب موجود فيه بالفعل، ولم أكذب عليه، فما الخطأ في ذلك؟
وردا على هذا الفهم المغلوط نذكر حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما سأل أصحابه هاديا ومعلما لهم : ( أتدرون ما الغيبة؟، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره) وعندما قال أحدهم: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: (إن كان فيه ماتقول؛ فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)، ولأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أوتي جوامع الكلم؛ فقد أجاب بكلمات قليلة عن تساؤلات كثيرة، موضحا معنى الغيبة، ثم وضح ما يتعلق بها وهو البهتان، وهو كما نص الحديث الشريف يحمل بجانب اغتياب الآخرين الكذب والافتراء عليهم بوصفهم بما ليس فيهم ، وقد يقول آخر: أنا لا أرتكب هذا الإثم، ولكن غيري هو الذي يفعله فلا ذنب لي! فهل تعلم أن سماع الغيبة والسكوت عنها، وعدم إظهارك أي اعتراض على ما يقال هو غيبة أيضا؟!
وقد يكون البعض غير مدرك لخطورة هذا الفعل؛ فعليه أن يقرأ ويفهم، ويعلم كيف حذرنا الله تعالى منها عندما وصفها في أبشع صورة في قوله تعالى: (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه) ولنتوقف قليلا عند الآية الكريمة، فكلنا نرددها وربما تمر علينا مرور الكرام ولا نلقي لها بالا؛ تخيل أن السؤال في الآية موجه إليك بشكل مباشر، فبماذا ستجيب؟ كلنا سنتفق على إجابة واحدة، لا أحب ذلك ولا أقبله، بل إني لا أتخيل القيام به في يوم من الأيام! وبالطبع هذه هي الإجابة المنطقية التي تتفق والفطرة السليمة، إذن السؤال هنا: فلماذا تفعل ذلك؟!
لأننا رغم بشاعة التصوير القرآني مازلنا نقع في هذا الخطأ بكل أسف؛ بل إن البعض يستسهل ذلك متخذا منه مادة للسخرية والضحك وتسلية وقته مع الآخرين! متجاهلا خطورة الكلمة التي ينطقها لسانه، أو حركة السخرية التي يقلد بها غيره، فلماذا يفعل ذلك؟ سنجد بعض الأسباب التي تدفع الإنسان لعمل ذلك: أولها هوضعف الوازع الديني الذي يجعله يستهين بأوامر الله ونواهيه، وثانيها: انعدام التربية السليمة، والتوجيه الصحيح لمكارم لأخلاق، تواجد الشخص في بيئة أصدقاء لا تقيم وزنا للقيم الدينية والاجتماعية، فضلا عن مشاعر الحسد؛ التي تدفعه للغيرة من الآخرين ومحاولة تشويه صورتهم والتقليل من شأنهم، ولا شك أن لذلك آثار سلبية خطيرة على الفرد والمجتمع، فالغيبة كالبذرة الشيطانية التي لا تثمر سوى أشواك الشر والكراهية والقطيعة والخصام بين الناس
ولأن الله تعالى أراد للمجتمع أن يكون قويا متماسكا تسوده مكارم الأخلاق؛ فإن صون اللسان وحفظ الأعراض من أجمل الأخلاق التي حثنا الله ورسوله الكريم على الالتزام بها
ولا شك أن من يحرص على مشاعر الآخرين وستر عيوبهم ونقائصهم، بعدم الخوض في أعراضهم أو التعرض لحياتهم الشخصية مترفعا عن لغو الكلام يفوز بكونه من المؤمنين الذين مدحهم الله بقوله
: (والذين هم عن اللغو معرضون) و ممتثلا لما جاء في الحديث الشريف: ( إن الله كره لكم القيل والقال)
والآن أيها المغتاب: هل ما زلت مصرا على التسلي بالخوض في أعراض الآخرين؟ وأنت أيها الساكت في مجلس الغيبة، اعلم أنك تشارك غيرك أكل لحوم الآخرين!
هل تعلم أنك ترتكب إثما كبيرا؛ وأنك بذلك تخالف أمر الله تعالى ورسوله الكريم كما جاء في الحديث: ( كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه)،
وهل يليق بك إن كنت شخصا كريم الخلق أن تكون من المغتابين؟! إذا لم تستطع الدفاع عن الآخرين في غيابهم، فعلى الأقل غادر مجلس الغيبة
هل تعلم أنك إذا كنت ممن يحفظون ألسنتهم وجوارحهم احتراما لمشاعر الآخرين؛ ستكون شخصا محبوبا، ومرحبا به في أي مجلس، ستكون أشبه بالطاقة المتجددة التي لا تفنى، فما أشبهك بآشعة الشمس تشرق صباح كل يوم؛ لتبعث في كل المخلوقات دفء الحياة، مجددة العهد بالعطاء؛ فلا تكن من المغتابين وهواة تشويه صورة الآخرين؛ فينفر منك الناس، ويكرهون التعامل معك وتجد نفسك يوما وحيدا كنبتة صبَّار في بقعة جرداء لا تجد من يحتفي بها أو يقدم لها نقطة ماء
وغدا زهرة جديدة
كن كزهرة الياسمين ..رائحتها تريح الأعصاب وتولد شعورا بالثقة والتفاؤل ومرآها يولد شعورا بالحب والسعادة
أرق تحياتي/ رجاء حسين

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق