زهرة الصباح
{35}
(الصدق، السلعة النادرة!)
من كتاب (مائة زهرة برية)
تقدمها لكم / رجاء حسين
============
{الدين المعاملة} فالإسلام ليس دينا منعزلا عن حياة المسلم؛ وقد جاء ليحفظ للإنسان كرامته وإنسانيته، وكلما ارتقى الإنسان في خلقه كان أقرب إلى الله ورسوله، كما جاء في الحديث الشريف:
(أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا) صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
وإذا كانت مكارم الأخلاق تشبه الواحة الغناء العامرة بالزهور، فبعض هذه الأخلاق أشبه بحارس الواحة الذي يحرسها من الانفلات يمينا ويسارا، وبعضها أشبه بالبستاني الذي يروي بقية الزهور حتى لا تذبل وتذوي، بينما نجد بعض الأخلاق بمثابة الزهور التي تجمل الواحة، وتزينها بأزهى الألوان، وتنشر عطرها في أرجاء المكان، ومن أجمل هذه الأخلاق وأهمها: الصدق، فما أشبه الصدق بزهرة الياسمين التي تريح نفس من يمر بجوارها، وتمنحه الشعور بالثقة والتفاؤل، فلنتأمل معا تلك الزهرة الرقيقة لنرى ماذا ستخبرنا عن الصدق والصادقين
عندما ذكر الله الصدق كثيرا في كتابه الكريم كان ذلك بمثابة إشارة واضحة وتأكيد قوي على مكانة الصدق السامية بين مكارم الأخلاق، فجاء الأمر واضحا بالالتزام به في قوله تعالى:
( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) 119 التوبة، والصدق في أبسط تعريف له هو:
قول الحق، وعدم قول ما يخالف الحقيقة والواقع، وهو بهذا ضد الكذب تماما، وقد ذكر الصدق كثيرا في أوصاف المؤمنين والأنبياء، وأهل الجنة، ويكفي أن نستحضر دائما وصف الرسول بالصادق الأمين، وهو القدوة الطيبة لمن أراد أن يتحلى بمكارم الأخلاق، وقد حثنا عليه - صلى الله عليه وسلم - في الأحاديث الشريفة، والحقيقة أن الصدق لا يقتصر على الصدق القولي فقط؛ وإنما يشمل كل ما يخص حياة الإنسان اليومية قولا وعملا وعقيدة ونية ومشاعر فيتحتم على الإنسان أن يكون صادقا:
في قوله: فلا ينطق إلا صدقا، ويعف لسانه عن الأحاديث الكاذبة، ويحذر من نشر كل ما يسمعه، (فبحسب المرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع) لأن هذا باب واسع من أبواب انتشار الشائعات والأخبار الكاذبة؛ إنما عليه احتراما لنفسه؛ أن يتحرى الصدق فيما يقوله
صادقا في عمله: فيؤدي عمله بصدق وأمانة، ولا يغش أحدا بأي شكل
صادقا في عقيدته: فيخلص نية العبادة لله تعالى بعيدا عن الرياء: في صلاته وصدقته وصومه وحجه الخ، وصادقا في نيته؛ (وإنما الأعمال بالنيات) فعليه أن يخلص النية في كل ما يقوله أو يفعله
وصادقا في مشاعره: فلا يدعي مالا يشعر به وإلا أدخل نفسه في متاهة النفاق.
وبهذا يتوج كل أمور حياته بتاج الصدق،
وإذا كان الإنسان مطالبا بتحري الصدق مع الآخرين كما رأينا، فأجدر ما يستحق الصدق قبل ذلك هو النفس؛ فالصدق مع النفس من أرقى درجات الصدق؛ لأنه يجعل الإنسان متسقا مع ذاته، لايعرض نفسه لصراعات نفسية هو في غنى عنها؛ وذلك بتقييمه المستمر لذاته، ولكل ما يقوله ويفعله، حتى يرى في اعترافه بأخطائه وعيوبه أمرا طبيعيا وليس جريمة ينكرها، ويتقبل من الآخرين أية نصيحة صادقة، أو نقد بناء يساعده في الارتقاء بذاته، والتعامل مع أخطائه وعيوبه بالشكل السليم، وهنا نلاحظ أن معظم المشاكل والخلافات التي تحدث بين الشخص وغيره من أصدقاء أو أقارب أو زملاء عمل يعود أغلبها إلى عدم اعترافه بالخطأ وإصراره على ذلك، مما يكون سببا في تفاقم المشكلة وتأزم الموقف، في الوقت الذي كان يكفي اعترافه بالخطأ أن ينهي الموقف أو يحل المشكلة، فقط إن كان لديه القدرة على الصدق مع النفس، ومن أروع الأحاديث في الحث على الصدق وبيان أهميته وأثره قول الرسول:
( إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا)
والبر كلمة جامعة لكل أفعال الخير؛ بما يعني أن الصدق هو الطريق إلى كل خير في حياة الإنسان، ولا عجب أن وصف الله به أنبياءه الكرام: في قوله تعالى:
(واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا) مريم / 41
(يوسف أيها الصديق) يوسف / 46
(واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا) مريم / 56
(واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد ) مريم / 54
كما مدح الله تعالى الصادقين ووعدهم بخير الجزاء:
(قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم) المائدة 119
(أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) البقرة 177 ،
ولا شك أنه مما يزيد الصدق تيها وسموا أن الله تعالى قد وصف به ذاته في قوله عز وجل:
(ومن أصدق من الله قيلا)، النساء / 122 ،
(ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما) الأحزاب / 22 ولهذا فإذا أراد كل منا:
أن يسير على نهج الأنبياء والصالحين والأتقياء
وأن يبارك الله له في عمله وكل أحوال حياته
وأن يكون يكون موضع تقدير واحترام
وأن يضمن لنفسه راحة النفس وهدوء البال
وأن تكون عاقبة أموره كلها خير
وأن يكون من الناجين في الدنيا والآخرة
وفوق كل هذا يحظى بالثواب العظيم من الله تعالى
أقول إذا أراد كل منا أن يفوز بكل ما سبق فما علي سوى تحرى الصدق قولا وفعلا، ظاهرا وباطنا، مع نفسه ومع الآخرين،
ولا تنس أمرا هاما: فلن أستطيع أن أقول لك كما أقول في سائر مكارم الأخلاق: إنك ستكون شخصا محبوبا، ومرحبا به في أي مجلس؛ فالبعض قد لا يحب صدقك، وقد لا تجد البعض يرحب بك خوفا من صدقك وصراحتك، فالحقيقة دائما تؤلم كما يقال والكثيرون قد لا يتحملون ألمها! لا تبتئس، فالسلعة الثمينة تندر أحيانا بالأسواق، ولا تنزوِ بعيدا عن الناس، قل الحق دائما مع الحرص على الأسلوب المناسب حتى لا تجرح مشاعر الآخرين وتذكر أنك لست مكلفا بإصلاح الآخرين وليس مفروضا عليك أمر لم يفرضه الله حتى على أنبيائه،
(ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) إذا كان هذا الكلام موجها إلى خير البشر، فالأجدر بنا أن نلتزم به، فما عليك سوى تقديم النصح وقول الحقيقة بطريقة لائقة لينة، كما قال الله لموسى وهارون عليهما السلام :
(اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) طه 44، ونحن لسنا أكرم من أنبياء الله، ومن نحدثهم ليسوا أكثر طغيانا من فرعون الذي ادعى الألوهية، فرفقا بأنفسنا، ورفقا بالآخرين، وليخلص كل منا النية، ولتكن كآشعة الشمس تشرق صباح كل يوم؛ لتبعث في كل المخلوقات دفء الحياة، مجددة العهد بالعطاء
وغدا زهرة جديدة
وأنت:
كن كزهرة الياسمين ..رائحتها تريح الأعصاب وتولد شعورا بالثقة والتفاؤل ومرآها يولد شعورا بالحب والسعادة
أرق تحياتي/ رجاء حسين

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق