الاثنين، 10 نوفمبر 2025

💥العودة من الرماد💥قصة .ق. بقلم/ هدى أحمد شوكت


 قصة قصيرة بعنوان: العودة من الرماد

الكاتبة الصحفية / هدى شوكت – مصر


هذه القصة من وحي الخيال، لا تمتّ للواقع بصلة، وأيّ تشابهٍ في الأسماء أو الأحداث هو محضُ صدفةٍ لا أكثر.


---


في حارةٍ صغيرةٍ تُدعى زقاق الأمل، كانت أمّ عاطف تجلس كلّ مساءٍ أمام باب دارها العتيقة، تتأمل الطريق الممتدّ نحو المجهول، كمن ينتظر وعدًا تأخّر عن المجيء. سبعُ سنين مرّت منذ أن غاب ولدها في دروب العراق، بحثًا عن رزقٍ مفقودٍ، أو حلمٍ أضاعته الحروب بين الدخان والدماء.


كانت تجلس على كرسيٍّ متهالكٍ، تخاطب جارتها أم نجيب بصوتٍ مبلولٍ بالحنين:

– يا أختي، أنا واثقة إن ابني عاطف لسه حيّ، بحسّ بروحه تهفّ عليّ كل ليلة، لما النسمة تيجي من ناحية الشرق.

فتتنهد أم نجيب بأسى:

– يا صبرك يا أم عاطف، يمكن المكاتيب تتأخر... لكن ما تضيع.

فترد وهي تمسح دمعةً خجولة:

– المكاتيب ماتت من زمان، بس قلبي لسه بيكتب اسمه كل يوم.


وفي البيت المجاور، كانت منى، خَطيبته القديمة، تفتح صندوقًا صغيرًا تخبّئ فيه رسائله القديمة، وصورته التي كان يبتسم فيها بخجلٍ لا يزال حيًّا في ذاكرتها. تمسح الغبار عنها وتهمس:

– قلت له لا تسافر... الرزق مش في الغربة، الرزق في الرضا... لكنه أصرّ، وها أنا أنتظر وعدًا تاه مع الريح.


---


ومضت الأيام تُراكم صبرًا فوق صبرٍ، حتى جاء صباحٌ غريب، انكسر فيه صمت الزقاق بطرقاتٍ حائرةٍ على باب أمّ عاطف. خرجت مترددة، وفتحت الباب، فإذا بوجهٍ أنهكته الغربة يقف أمامها.

ارتجف قلبها وصاحت:

– عاطف؟!

ابتسم الرجل بتعبٍ، وقال بصوتٍ مبحوح:

– أيوه يا أمي... رجعت.


صرخت وهي ترتمي في حضنه:

– يا ضناي! يا روح أمك!

لكنّه ظلّ جامدًا، كأنّ الحروب سرقت منه القدرة على البكاء. التفتت الأم لتجد خلفه امرأةً شاحبة تحمل طفلةً صغيرة.

سألتها بدهشةٍ مرتجفة:

– مين دي يا ابني؟

خفض رأسه، وصوته يتكسّر بين الذكرى والوجع:

– دي سعاد... مراتي، ودي بنتي ليلى.


ساد صمتٌ ثقيل، كأنّ الزقاق كله توقّف عن التنفّس. قالت الأم بصوتٍ يختنق بين حنينٍ ودهشة:

– يعني يا عاطف... نسيت منى؟

ردّ بعد تنهيدةٍ طويلةٍ غصّت بها سنوات الغياب:

– ما نسيتهاش يا أمي... بس الحرب كانت أقسى من الذكرى. كنت في معسكر الأسر، وسعاد دي أنقذت حياتي... وقفت جنبي لما الدنيا وقعت.


---


من شرفة البيت المقابل، كانت منى تراقب المشهد. شهقت حين رأت العقد الذهبي يلمع على عنق المرأة، ذلك العقد الذي كان هدية خِطبتهما.

همست لنفسها بحرقةٍ مكتومة:

– حتى الذكرى سُرقت.


نزلت السلالم بخطواتٍ مثقلة، وقفت أمام الباب، ونظرت إليه بعينٍ دامعةٍ وقلبٍ متمرّد:

– حمداً لله على السلامة يا عاطف.

رفع عينيه نحوها، وفيهما غصّة لا تُخطئها عين:

– منى... أنا آسف، الحرب رجّعتني جسدًا بلا ماضي.

ابتسمت بمرارةٍ تشبه الوداع:

– الغربة تغيّر الملامح يا عاطف، لكنها لا تمحو الوعود. وعدتني بالعودة... وعدت، لكنك أعدت معك نهايتي أيضًا.

قال بصوتٍ مبحوحٍ من الرماد:

– منى، سامحيني. الوفاء هناك كان للنجاة، مش للحب.

أجابته بهدوءٍ يشبه السيف:

– النجاة شرفٌ حين لا تقتل الوفاء، أما الخيانة... فموتٌ بلا قبر.


---


تدخلت الأمّ بصوتٍ يرتجف كأوراق الخريف:

– كفاية يا بنتي، قدر الله وما شاء فعل. هو ابني اتكسر... واللي اتكسر عمره ما يتلحم.


ساد السكون، فقط الطفلة الصغيرة كسرت الصمت وهي تقول ببراءة:

– جدوّة... هو ليه بتعيّطي؟

ابتسمت أم عاطف ابتسامةً باهتة، وضمّتها إلى صدرها قائلةً:

– علشان الرجوع يا بنتي ساعات بيكون وجع... مش فرحة.


---


في المساء، جلس عاطف بجوار أمه صامتًا، والليل يفرش فوق الحارة عباءته الثقيلة.

قالت الأم بصوتٍ يشبه الحنين:

– يا عاطف... الوطن ما بيخونش، لكن الغربة بتسرق الملامح. رجعت، بس اللي رجع مش هو اللي سافر.


أما منى، فكانت تحدّق في النافذة التي كانت تنتظر منها عودته. همست للسماء كمن يناجي قدَرَه:

– أحيانًا لا يموت الحب... بل يُنفى.


ثم أغلقت الضوء، واستسلمت لصمتٍ يشبه النهاية.


---


وفي زقاق الأمل، خيّم السكون على البيوت العتيقة.

كلّ شيءٍ بدا كما كان، إلا القلوب... فقد تغيّرت.

لقد عاد عاطف من الرماد، لكنه ترك وراءه رمادًا آخر لا يُطفئه الدمع، ولا يُحييه الندم.


---


ومضات شعرية من قلب القصة:


> يا غائبًا خلفَ الغروبِ متى تعودُ؟

تركتَ في قلبي الربيعَ بلا وعودِ.


> غربتَ عني، وعادَ وجهُكَ غريبًا،

ما بالُ وجهِ العائدينَ كالشهودِ؟


> بينَ الأمسِ واليومِ حكايةُ وجعٍ،

فيها العشقُ ماتَ واقفًا كالنخيلِ في الجليدِ.


> الوطنُ ظلّك حين تغيب،

والغربةُ نارٌ لا يُطفئها الحنينُ ولا القصيدُ.


---

بقلم الادبية المصرية


هدى احمد شوكت



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

🧚لحظة🧚كلمات الشاعرة/ صفاء الخواجة

 😢لحظة😢 سأبحث عنك مابين الشقوق وفوق الصخور وبين العدم يالحظة حنان طواها الزمان  فباتت بسقم تعاني الندم *** 😢بقلمي/ صفاء الخواجة 😢