عنوان القصة: عزيمة لا تُكسر
لم يكن عليّ مجرد أب، بل كان المعنى الكامل لكلمة "وطن".
حين توفيت زوجته سُمى في ليلة شتاءٍ قاسية، لم يمهله الحزن وقتًا ليبكيها طويلًا. وضع يده على نعشها، وقال:
"أقسم لك، يا رفيقة العمر، أن لا يأخذ أحد مكانك… وسأربيهم كما أردنا."
ترك الزمن أثره في وجهه، لا لأنه تعب، بل لأنه عاش كل لحظة بقلبه كله.
كان يستيقظ قبل الفجر ليعد إفطار أولاده الأربعة، ثم يرتّب زيّ المدرسة بنفسه، ويمشط شعر ابنته الصغيرة رحمة كما كانت تفعل أمها. يوقظ سيف للصلاة، يراجع واجبات يحيى، ويبحث في الليل عن كتب قديمة ليدعم شغف خالد بالرسم.
حين اقترح عليه أقرباؤه الزواج، قال بابتسامة لم تخلُ من الألم:
"كيف أقنع قلبًا أحب امرأةً بكامل تفاصيلها أن يشارك سكنه مع غريبة؟!"
حتى أولاده، عندما كبروا وشعروا بثقل المسؤولية على كتفيه، حاولوا إقناعه:
"يا أبي، من حقك أن تعيش لنفسك قليلاً…"
فيرد دون غضب:
"أنا أعيش من خلالكم. أنظر إليكم، فأحيا."
في عمله، كان مثالًا للثبات والنقاء. لا يشتكي، لا يتأخر، لا يكلّف أحدًا بما يستطيع إنجازه وحده.
عندما أصيب بأزمة صحية، رقد في المستشفى، وطلب من أبنائه المغادرة لئلا يتغيبوا عن الجامعة.
قال له الطبيب: "لماذا لم تتزوج؟ حياتك كانت صعبة."
قال عليّ وهو يبتسم وقد غلبه التعب:
"لم تكن صعبة… كانت مليئة بالحب، وذاك يكفي."
في آخر أيامه، جلست رحمة عند رأسه، وقالت له والدمعة في عينيها:
"علمتني يا أبي كيف تكون العزيمة، وكيف يكون الوفاء، ولكنك لم تعلمني كيف أعيش بدونك…"
فابتسم بعينين أنهكهما السهر والانتظار، وقال بصوت خافت:
"لا تعيشي بدوني… بل عيشي بما غرسته فيكِ."
وحين أغمض عينيه للمرة الأخيرة، لم يكن وجهه متعبًا.
بل كأن من رحل، رجلٌ لم يُكسر أبدًا…
رجلٌ عاش بشرف، ومضى بنبل…
رجلٌ كانت عزيمته لا تُكسر.
بقلم الاديبة المصرية
هدي أحمد شوكت

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق