نحن والتاريخ ؟؟
طلب مني وانا في المرحلة الثانويه ان القي محاضره عن الراهب الالماني القسيس ورائد الاصلاح في اوروبا " مارتن لوثر " ، فبحثت في المكتبه عن مقال طويل يتحدث عنه ، فنقلته بخط يدي حرفيا ، واطلعت عليه استاذ التاريخ يومها ( رحمه الله ) ، فقال لي يا بني : لا يتم تحضير المحاضرات بهذا الشكل، عليك بالبحث في مراجع متعدده وغربلة الافكار والمقارنه بينها ، ثم تكتب قناعاتك وفهمك للموضوع ، ومنذ يومها وانا ابدي اهتماما خاصا بالتاريخ ، لكن بالطبع ليس من حقي ولست مؤهلا لأصبح استاذا في التاريخ، وكتاباتي لا تعني الدقة وعدم قبول التصحيح والنقد ، فما انا الا تلميذ يتطفل على موائد الكتاب والمؤلفين، ويمارس هوايته في القراءه والكتابه ومن بينها قراءة التاريخ ، والتي تجعلني اشعر بسرور وانا اتنقل ما بين احداث التاريخ ورجالاته وتقلباته ---
لا نقرأ التاريخ لمجرد التسليه، ولكن من المفروض ان نقرأه للافادة من دروسه في حاضرنا ومستقبلنا ، ثم هو نوع من توسعة المدارك واثراء الثقافة العامه ، وربما تقديم النصح والارشاد لمن تصل اليهم كتاباتنا او افكارنا ويرغبون في تحصيل المعرفه والادراك ----
لقد ظهرت كلمة العرب لاول مره في كتابة الاشوريين في القرن الثامن قبل الميلاد بوصفهم سكان الصحراء ورعاة الابل والماشيه ، وامتد وجودهم البدوي في اليمن والجزيرة العربيه وبلاد الشام ، ولم تتوحد قبائلهم وتجمعاتهم طيلة تاريخها في كيان سياسي واحد، بل ظلت قبائل مبعثره ، الى ان ظهرت لهم مراكز حضريه في دول من دولة الانباط وتدمر والغساسنه والمناذره التابعين لامراطوريات الفرس والروم -- وقد تبلورت اللغة العربيه الساميه لترث اللغات الاراميه والسريانيه –
جاء الاسلام لينقل تلك المجتمعات القبليه الى امبراطوريه جديده امتدت من حدود الهند الى الاندلس خلال فترة زمنيه قصيره نسبيا، وكان لشخصية الرسول الفريده - عليه السلام - دور محوري في انشاء تلك الامبراطوريه فهو نبي ورسول وقائد عسكري فذ وزعيم سياسي محنك –
ان النزعة الانسانيه الاجتماعيه والطبيعه الاساسيه للبدوي ، والثقافة المتأصله في النفس البشرية لا يمكن محوها بسهولة ، فعند وبعد وفاة الرسول عليه السلام حصلت الخلافات بين من يتولى قيادة المسيرة من بعده ، اختلف المهاجرون والانصار، كما اختلف كل فريق مع جماعته ، كما حدثت حروب الرده، ثم تأجج الصراع الدموي بعد مقتل عثمان عليه السلام ، الى ان استقر الحكم للامويين ، والذين وسعوا الفتوحات ونشروا الاسلام تارة بالسيف لمن يقف في وجه الدعوة وتارة بالاقناع والاستسلام السلمي ، وقد فرضت الجزية على من لا يسلم عوضا عن الزكاة التي يدفعها المسلم وضمانة لامنه واستقراره، وعندها يعتبر مواطنا في الدولة الاسلاميه –
كانت الفتوحات الاسلاميه فكرية وسلميه حضاريه اخلاقيه في مجملها، فالرسول عليه السلام اوصى جيش اسامه بقوله : يا أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني : لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلًا صغيرًا أو شيخًا كبيرًا ولا امرأةً، ولا تقطعوا نخلًا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرةً مثمرةً، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرةً ولا بعيرًا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرّغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، ومع ذلك فقد اظهرت تلك الفترة طبقة غير منتجه عمليا بل اعتمدت في ثرائها على الغنائم من موارد الفتوحات ---
اما وقد انتهت الدولة الامويه وما خلفته من فتوحات وثراء، فقد اعقبتها الدولة العباسيه التي اتجهت الى بناء العلم والمعرفه ، فقد انتشر فيها المكتبات والمدارس وترجمة علوم الرومان والفرس وفلسفتهم والبناء عليها، وبدأ عصر التدوين والكتابة التاريحيه والعلميه ، وظهور بعض العلماء المسلمين من غير العرب مثل سيبويه والخليل بن احمد وانتشرت مدارس تعليم اصول الدين مثل مدارس نظام الملك السلجوقي، والذي بنت خميرة اجيال تحرير ديار الاسلام من الغزوات المغوليه والصليبيه –
انتهت سلطة العرب بعد سقوط الدولة العباسيه ، ولكن ظلت في مفاصلهم الثقافة السياسيه والاجتماعيه التي اثرت في تحولاته واندفاعاته ومن ثم تراجعاته المأساويه والباهرة في احيان اخرى حد المعجزات، والتي ما زلنا نعاني منها الى يومنا هذا -- فالعصبية القبليه او الدينيه او العرقيه والتي نعاني منها بعيدا عن السمات الثقافيه واللغه والشراكة الوطينه والسياسيه ، تلك التي افرزت النظام الدكتاتوري الفردي التي تعاني منه الامه --- عادت الجاهليه البدوية بسلاح ديني سياسي يوظف العقيده في سبيل الغنيمة من جاه او سلطان او ثروة –
ان الحقبة التي استلم فيها الاتراك العثمانيون زمام الحقبة الاسلاميه اوقفوا الاجتهاد على المستوى الديني الفقهي، مما جعلهم ينعزلون عن العالم ثقافيه وعلميا ، وقد اخذونا معهم، مما انعكس على التطور العربي العام ---فقد انطلق العقل العربي السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي انطلاقة عصبيه قبليه انقساميه فاقدة للرؤيه الوحدويه – اصبح العقل ميالا للجمود والتقليد والنمطيه مما جعله يتهيئ لهيمنة الغرب الاوروبي ---- اذن هي تراكمات قبليه جاهليه تبعتها تراكمات عثمانيه جامده ثأثر بها العقل العربي حتى يومنا هذا وما زلنا نعاني منها ---

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق