ما بين المتنبي وهوميروس
ِ
يعتبر المتنبي شاعر العرب بلا منازع كما يعتبر هوميروس شاعر الاغريق بلا منازع – كلاهما احتل شهرة عالميه لم يحتلها شاعر من قبل – فيحتفل القدماء والمحدثون من الشعراء والأدباء والمفكرين بأبي الطيب – وقد أقام العلماء في الشرق والغرب عيدا احتفاء بذكراه الألفيه ولقد تبوأ قلوب الملايين ممن يتذوقون الشعر ناهيك عن الحكمة التي تفيض بها أشعاره –
أما هوميروس فهو شاعر الاغريق والأديب العالمي الخالد – انه الينبوع الذي تفجر فسالت منه الأنهار ونهل منه كل من جاء من بعده وصارت أشعار هوميروس بمثابة كتابات مقدسة توجز جوهر المعرفة الانسانيه وتجسد التفوق البشري – يقول افلاطون – ان من يتسنى له فهم هوميروس فانه يهيمن على أساليب الفنون جميعا – ويعتبر هيروكليتيس أن أشعار هوميروس نبعا لا ينضب من الورع الديني والحكمة الفلسفيه –
كلا الشاعرين تأثر بالبيئة التي عاش فيها فالشاعر مرآة عصره والناطق باسم مجتمعه بعد ان يضمن نتاجه الفكري عصارة افكاره ونوازع نفسه وفلسفته الخاصه وعبقريته وابداعاته --- ولد المتنبي في الكوفه وخالط البداوة وتعلم منها وعاش في القرن الرابع الهجري في بيئة لا يسمع فيها الا صليل السيوف والحروب وحيث اخذت الدولة الاسلامية بالتفكك الى دويلات متناحره واضطرابات وفتن ( القرامطه والخوارج وغيرهم ) ناهيك عن الحروب على أطراف الدوله – طاف في الأقطار العربية الاسلاميه وشهد المعارك بين الروم والمسلمين وتغنى بالسيف والرمح والقرطاس والقلم :
ردي حياض الردى يا نفس واتركي ---- حياض خوف الردى للشاء والنعم
ان لم أذرك على الأرماح سائلة ----- فلا دعيت ابن أم المجد والكرم
عاش كريم النفس معتدا بشجاعته وبلاغته حريصا على القيم العليا كالشرف والشجاعة وعلو الهمه وكان طموحا الى حد بعيد :
وما الدهر الا من رواة قصائدي --- اذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا
فسار به من لا يسير مشمرا --- وغنى به من لم يغني مغردا
الخيل والليل والبيداء تعرفني ---- والسيف والرمح والقرطاس والقلم
ولعل نبوءته صدقت حين تكلم عن عهد كافور بمصر وكأنه
ينطق بمرحلة مصر الحاليه التي شهدت من الفساد والافساد ما نسمع ونقرأ عنه في السلطة الحاكمه ( مرحلة مبارك ) حين قال :
نامت نواطير مصر عن ثعالبها ---- فقد بشمن وما تفنى العناقيد
ما كنت أحسبني أبقى الى زمن ---- يسئ بي فيه كلب وهو محمود
ولقد دفع ثمن شجاعته واعتداده بنفسه حين قتل وهو في طريقه من شيراز الى بغداد بعد أن رفض الاستسلام للصوص القتله وقتل معه ابنه محمدا وخادمه ونهبت الأموال التي في حوزته وذلك سنة 354 هجريه
أما هوميروس فقد عاش في بيئة ورثت الأساطير وتعاملت معها فكانت الأساطير أهم موضوعات الابداع الأدبي شعرا ونثرا – فكان الشاعر الاغريقي يعتبر الأرض ملتقى البشر والآلهه على حد سواء يتحدان معا لخلق الفضيلة الاغريقيه – لقد تعمق هوميروس في النفس البشريه وسلط على ماهية الانسان وقيمه الانسانيه ومزج بين الآلهة والبشر واعتبرهما شريكين على قدم المساواة في صنع عالم فريد من نوعه –
وكما هو الحال مع المتنبي فان هوميروس تعرض لحملات التشكيك والحسد حتى أن العديد من الادباء والشعراء أنكروا وجوده في الأصل واعتبروه أسطوره من الأساطير والبعض الآخر شطره نصفين أحدهما ألف الالياذه والآخر ألف الاوديسا --- تلك الملاحم الخالده عبر الزمن ---
ان المتنبي وهوميروس يتفقان في أمر آخر وهو أنهم قدموا ما قدموه من شعر وفن وأدب وتركوا للآخرين أمر الجدل والخصومة والنقد والتحليل وقد عبر عن ذلك المتنبي وكأنه كان يتنبأ بما قد يحدث :
أنام ملء جفوني عن شواردها ---- ويسهر الخلق جراها ويختصموا

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق