مواقف لاتنسى...كاملة ..
🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸
الفصل الأول
🌸🌸🌸🌸🌸🌸
هناك ذكريات ومواقف تمر بنا فى حياتنا منذ الطفولة وأثناء مراحل عمرنا المتتالية , فمنها الذكريات السعيدة التى نتذكرها ونبتسم ومنها الحزينة التى نتذكرها ونتفكر كثيرا بعدها فى الحكمة من حدوثها وقتها وماذا استفدنا منها بعد ذلك فى خضم الحياة.
ومن الذكريات الجميلة التى لاأنساها ماحييت هذا الموقف الذى حدث لى وانا مازلت طالبا فى الصف الخامس الإبتدائى بمدرستى المشهورة حتى الآن بمدينتى ( دمنهور ) بمحافظة البحيرة مع مدرس اللغة العربية (مدرسة ابى بكر الصديق ) .
كنت مغرما منذ الصف الثالث الإبتدائى بالذهاب إلى مكتبة البلدية بدمنهور لقراءة القصص والروايات وهذه كانت من أعظم المكتبات فى المحافظة وكانت متاخمة لسينما ومسرح البلدية والقائمة بوسط المدينة.
ومما شجعنى على المداومة على الذهاب اليها السيد الفاضل أمين المكتبة والذى كان يستقبلنى دائما بالترحاب والسعادة التى تعلو قسمات وجهه كلما رآنى بل وكان دائما مايترك مقعده على مكتبه فى مدخل المكتبة ويصطحبنى ليختار لى مكانا جميلا بالقرب
من النافذة بل وينتقى لى بعض القصص والروايات لمشاهير الكتاب وقتها مثل الأساتذة نجيب محفوظ والعظماء أمثاله ويضعها أمامى ويترك لى حرية الإختيار بل وكان يسمح لى باستعارة بعض الروايات الى منزلى دون أية ضمانات الا ثقته العالية فى شخصى رغم صغر سنى ...
وشجعنى هذا الإنسان الفاضل على الذهاب إلى المكتبة شبه يوميا من الساعة الخامسة مساء وحتى الثامنة معظم أيام الأسبوع , وظللت على هذا الحال حتى حدث هذا الموقف لى بالمدرسة بعد عامين من انتظامى على الحضور للمكتبة وقراءة الكتب والروايات وكافة المجلات وكنت وقتها قد أصبحت بالصف الخامس الإبتدائى ..
طلب منا مدرس اللغة العربية الجديد ( وكان مدرسنا السابق قد تم نقله الى مدرسة اخرى ) كتابة موضوع (( إنشاء )) على قيام طلاب المدرسة برحلة من دمنهور إلى حديقة الحيوان بمدينة الإسكندرية على ان نكتبه كواجب منزلى ويتم تقديمه فى اليوم التالى له بحصة اللغة العربية.
فى هذا اليوم وبعد عودتى من المكتبة وقبل شروعى فى كتابة موضوع الإنشاء أو( التعبير ) كما كنا نطلق عليه , تذكرت جملة استهوتنى كثيرا فى إحدى الروايات التى قرأتها وكانت تصف إحدى السيارات المسرعة وتصف عجلاتها بأنها (كانت تطوى الأرض طيا) .......
أثارنى هذا التعبير أو التشبيه للغاية وأحببت أن أكتبه بدورى فى موضوع التعبير ..... فكتبته !!!
فى اليوم التالى جلس المدرس على مكتبه امام السبورة وراح يقلب الكراسات التى جمعها منا فى بداية الحصة ليقوم بتعليمها وتوقف أثناء قراءته لإحدى الكراسات ثم نظر الينا وهو يقول :
** أين الطالب يوسف الخواجه ؟؟
كاد نبض قلبى أن يتوقف وأنا أٌقف رافعا يدى وخاصة بعد أن طلب منى الإقتراب من مكتبه وهو ينظر إلى بنظرات متفرسة لاتدعو للإطمئنان ..!!!
🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸
الفصل الثانى والأخير
🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸
ساد الفصل صمتا رهيبا واشرأبت أعناق أصدقائى وهم ينظرون إلى نظرات الأستاذ المتطايرة نحوى بالشرر بينما أمشى أنا مرتجفا بين الممر بينهم متجها صوب مكتب أٍستاذنا وقد توقف عقلى عن التفكير....
توقفت أمامه بضع لحظات صامتا فأشار لى أن أقترب منه ...
اقتربت منه أكثر فإذا به يحدثنى بلغة معاتبة وبصوت خفيض حتى لايسمعه غيرى..
** قل لى يايوسف
** نعم ياأستاذ
** مين كتب لك الموضوع ده ؟؟ بابا والا ماما ؟؟
** هههههههه ؟ ولابابا ولاماما ياأٍستاذ , أنا اللى كتبته ..
** بص ياابنى , أنا زى والدك فلا تكذب عليا وعاوزك تصارحنى وانا والله هااسامحك بس توعدنى ماتعملش كده تانى ابدا و تعتمد على نفسك
** والله ياأستاذى أنا اللى كاتبه مش بابا ولاماما !!!
** إيه ده ؟؟ انت كمان بتحلف كذب ؟؟
** لا والله ياأستاذى , دى الحقيقة ..
** عاوز تفهمنى انك كاتب موضوع تعبير 9 صفحات ومافيهوش غلطة املائية واحدة وكمان فيه تعابير مش ممكن حد فى سنك يكتبها ؟؟ وكمان بتحلف بالله كذب ؟؟
**والله أبدا ياأٍستاذ !!!
** انت مصمم بقى !! طيب هااسألك سؤال ولو جاوبته صح هااصدقك , ماشى ؟؟؟
** اتفضل
** قل لى : جملة ( وأسرعت السيارة بنا على الطريق وهى تطوى الأرض طيا )) معناها ايه ؟؟
تبسمت واثقا وقلت له :
** هذا تشبيه بليغ شبهت فيه السيارة بتاجر أقمشة مثلا وهو يلملم القماش من أمامه ويطويه بسرعة فائقة و...........
علت وجهه علامات الدهشة الفائقة ونظر إلى بإمعان وقد اتسعت حدقتاه وهو يقول :
** ههههههههه ؟؟؟مش معقووووول !! انت كمان عارف التشبيه البليغ ؟؟.... لا لا لا ... مش مصدقك ... فيه حاجة مش مظبوطة !!
نظرت اليه مبتسما مرة أخرى وقلت له :
*** عندى فكرة ياأستاذ علشان اقنع حضرتك ..
** اتفضل ياسيدى قوووول
** حضرتك اطلب منى اكتب دلوقت قدام حضرتك أي موضوع تعبير ..
ابتسم ابتسامة طويلة وهو يقول :
** فكرة جميلة ... تعرف أهرامات الجيزة ؟؟
** طبعا .. وزرتها فى رحلة الكشافة السنة اللى فاتت
** كويس أوى.. أأقعد قدامى هنا .. واكتب لى صفحتين عن الأهرامات ..
🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸
أسرعت إلى مكاني والتقطت قلمي وكراستي وعدت لأجلس فى المكتب المقابل لمكتبه وشرعت فى الكتابة وأنا أراقبه من طرف خفى وألاحظ مدى تعجبه من سرعتى فى الكتابة .. وبعد عدة دقائق توجهت إليه بالكراسة مفتوحة على الموضوع حيث تناولها منى بسرعة البرق وأخذ يجرى بعينيه على كلماتى وهو لايكاد يصدق عينيه .....
وعلى حين غرة انتفض واقفا وأوقفنى بجانبه وأمسك يدى ورفعها عاليا أمام زملائى بالفصل وهو يقول لهم :
** أولادى الأعزاء يسعدنى ويشرفنى اليوم أن أقدم لكم طالبا عبقريا بمعنى الكلمة أسمه يوسف الخواجه وأعتذر له أمامكم جميعا عن شكى فى قدراته وأعترف بأننى لا أكاد أصدق أن هناك طفل فى هذا السن بهذه العبقرية وأتوقع له مستقبلا عظيما مشرفا له ولنا جميعا إن شاء الله ... تحياتى لك ايها العظيم...
ثم انحنى وقبل رأسى وانا لا أصدق نفسى وقد اعتلت وجهى حمرة الخجل , بينما انطلق زملائى بالتصفيق والهتاف لى ..
وصرت صديقا مقربا لأٍستاذى بعد ذلك كلما خرج من المدرسة خرجت معه لأسير بجانبه نتجاذب أطراف الحديث حتى يركب القطار منطلقا الى بلدته المتاخمة لمدينة دمنهور....
وحتى الآن أذكر هذا الموقف كلما مررت من أمام مدرستي ((ابو بكر الصديق& وبني الحيشي )) القريبة من مسكني وكأنه حدث بالأمس القريب ولاتفارق مخيلتيفرحة استاذي بي... وكلما تذكرته علت وجهى ابتسامة لاأستطيع أن أخفيها ..
🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸
يوسف الخواجه

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق