الأحد، 25 يناير 2026

👏واجبنا نحو أسر الشهداء 👏مقال بقلم د.عزام عبدالحميد فرحات

 واجبنا نحو أُسر الشُهداء والمُحاربين القُدامى.

الشهيد انتقل عن دنيا الناس وقابل رب الناس ، ورب الناس أكرم به من كل خلقه ، فقد بذل روحه الطاهرة دفاعاً عن دينه وعِرضه وماله ووطنه ، وهو حي يُرزق عند ربه ، وما أجمل وأعظم أن تكون الحياة عند الله والرزق من الله في جنات النعيم ، قال الله عز وجل : { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ *  فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ } [ آل عمران : 169 ـــ 171] .

أما أسر الشهداء فهم باقون في دنيا الناس ، وقد يكون منهم الفقير والمسكين وذا الحاجة ، فما واجبنا نحوهم ؟.

واجبنا نحوهم أن نشملهم بالعناية والرعاية ، فنواسي الفقير والمسكين وذا الحاجة ، ونكون له كالأب الرحيم .

جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري ( رضي الله عنهما ) مات أباه شهيدا في غزوة أُحد ، ووجده الحبيب ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) مُنكسر القلب والخاطر ، فاقترب منه وواسه وخفف عنه حُزنه وألمه وطمئنه علي أبيه بأنه حي يُرزق عند ربه ، وأن الله كلمه كفاحا أي بدون حجاب مباشرة إكراما له ، وأنه من كثرة الفضل والنِعم التي هو فيها تمني أن يعود للدنيا ، لكي يُقاتل ويُقتل مرة أخري ، روى الإمام الترمذي وحسنه من حديث جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فَقَالَ لِي : ( يَا جَابِرُ مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا ). قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتُشْهِدَ أَبِي ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا . قَالَ : ( أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ ) . قَالَ : قُلْتُ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا ، فَقَالَ يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ ، قَالَ يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً ، قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ ) . 

 قَالَ : وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا }.

أما بالنسبة للدين الذي تركه الشهيد ، فقد تدخل الحبيب (صلي الله عليه وسلم ) عند الدائنين لكي يتنازلوا عن شيء من أُصولهم ، لكنهم رفضوا وأرادوا حقهم كاملاً، وهنا يُخفف الحبيب (صلي الله عليه وسلم ) من رَوع وحُزن جابر ، ويحضُر وقت تسليم الدين ، وببركة حضور الرسول (صلي الله عليه وسلم ) مجلس الأداء ، يُوفي الدين بكاملة ، وثمار زِروعه محل الدين كما هي لم ينقص منها شيء . 

يحكي جَابِر ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) هذا المشهد  فيقَولَ كما عند الإمام البخاري : تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَاسْتَعَنْتُ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) عَلَى غُرَمَائِهِ أَنْ يَضَعُوا مِنْ دَيْنِهِ ، فَطَلَبَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَفْعَلُوا . فَقَالَ لِي النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : اذْهَبْ فَصَنِّفْ تَمْرَكَ أَصْنَافًا ، الْعَجْوَةَ عَلَى حِدَةٍ ، وَعَذْقَ زَيْدٍ عَلَى حِدَةٍ ، ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَيَّ . فَفَعَلْتُ ، ثُمَّ أَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فَجَاءَ فَجَلَسَ عَلَى أَعْلَاهُ أَوْ فِي وَسَطِهِ ، ثُمَّ قَالَ كِلْ لِلْقَوْمِ .  فَكِلْتُهُمْ حَتَّى أَوْفَيْتُهُمْ الَّذِي لَهُمْ ، وَبَقِيَ تَمْرِي كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ ) .

جابر بن عبد الله الذي استُشهد أباه لم يترك الدفاع عن الدين والوطن والمال والعِرض ، سار علي نهج أبيه رغبة في الأجر والمثوبة ، وشارك في الغزوات مع رسول الله ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، ويلاحظ الحبيب (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ذات مرة أنه يركب جملاً ضعيفاً هزيلاً فيشتريه منه ، ويُعطيه ثمنه ثم يرد الجمل له هدية من باب الإكرام والمواساة ثم يعطيه سهمه من الغنائم ، روى الإمام البخاري من حديث جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : وَغَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) عَلَى نَاضِحٍ لَنَا ، فَأَزْحَفَ الْجَمَلُ ، فَتَخَلَّفَ عَلَيَّ ، فَوَكَزَهُ النَّبِيُّ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) مِنْ خَلْفِهِ : قَالَ : ( بِعْنِيهِ ، وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ ) فَلَمَّا دَنَوْنَا ، اسْتَأْذَنْتُ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ . قَالَ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : ( فَمَا تَزَوَّجْتَ ، بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا ) . قُلْتُ : ثَيِّبًا ، أُصِيبَ عَبْدُ اللَّهِ ، وَتَرَكَ جَوَارِيَ صِغَارًا ، فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا تُعَلِّمُهُنَّ وَتُؤَدِّبُهُنَّ ،  ثُمَّ قَالَ: ( ائْتِ أَهْلَكَ ) .فَقَدِمْتُ ، فَأَخْبَرْتُ خَالِي بِبَيْعِ الْجَمَلِ ، فَلَامَنِي ، فَأَخْبَرْتُهُ بِإِعْيَاءِ الْجَمَلِ ، وَبِالَّذِي كَانَ مِنْ النَّبِيِّ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَوَكْزِهِ إِيَّاهُ ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) غَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالْجَمَلِ ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَ الْجَمَلِ ، وَالْجَمَلَ ، وَسَهْمِي مَعَ الْقَوْمِ ) .

وعلي هذا الدرب من تفقد أسر الشهداء ومواساتهم ، سار الصحابة الكرام ( رضي الله عنهم ) ، بل إنهم أكرموا أبناء المحاربين القدامى تقديراً لجهدهم وعطائهم ، وإن ماتوا علي فراشهم ، فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) يجد إمراه قد مات زوجها وترك عِيالاً صِغاراً ، وتشكو حال الأولاد بأنهم مَا يُنْضِجُونَ كُرَاعًا ، والكراع هو ما دون الكعب من قدم الحيوان أي لا يستطيعون العمل لكفاية أنفسهم لضعفهم وصغرهم ، وليس لهم أرض منزرعة يأكلون من خيراتها أو ماشية يشربون من ألبانها ، وأنها تخشي أن تَأْكُلَهُمْ الضَّبُعُ ، والضبع حيوان مفترس ، والعرب تقول هذه العبارة ولا تريد حقيقتها أن الضبع ستأكلهم ، بل تريد أن قلة الطعام والشرب قد تؤدي للهلاك كما يأكل الضبع الفريسة .

أبانت المرأة أن أباها من الذين شهدوا الغزوات مع رسول الله ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )  وهو وإن لم ينل شرف الشهادة إلا أنه كان من المقاتلين الأوائل ، ورأي أمير المؤمنين بأم عينيه أباها وأحد أبنائه في إحدى الغزوات يشتركون في مُحاصرة أحد الحُصون التي كانت من غنائم المسلمين .

أمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، بملء غِرَارَتَيْنِ ، والغِرارة كيس يُعبأ به التِبن ، أمر بملئهم طعام ، وحملهم علي بَعِيرٍ ظَهِيرٍ أي قوي ، ووضع بين الغرارتين علي ظهر البعير من الثياب وما تحتاجه والأولاد  ، ووعدها بتجدد العطاء قبل نفاده ، تقديراً لدور أباها وأخاها البطولي في الإسلام ؛ روى الإمام البخاري من حديث زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) إِلَى السُّوقِ ، فَلَحِقَتْ عُمَرَ امْرَأَةٌ شَابَّةٌ ، فَقَالَتْ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، هَلَكَ زَوْجِي ، وَتَرَكَ صِبْيَةً صِغَارًا ، وَاللَّهِ مَا يُنْضِجُونَ كُرَاعًا ، وَلَا لَهُمْ زَرْعٌ ، وَلَا ضَرْعٌ ، وَخَشِيتُ أَنْ تَأْكُلَهُمْ الضَّبُعُ ، وَأَنَا بِنْتُ خُفَافِ بْنِ إِيْمَاءَ الْغِفَارِيِّ ، وَقَدْ شَهِدَ أَبِي الْحُدَيْبِيَةَ مَعَ النَّبِيِّ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فَوَقَفَ مَعَهَا عُمَرُ ، وَلَمْ يَمْضِ ، ثُمَّ قَالَ : مَرْحَبًا بِنَسَبٍ قَرِيبٍ ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى بَعِيرٍ ظَهِيرٍ ، كَانَ مَرْبُوطًا فِي الدَّارِ ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ غِرَارَتَيْنِ ، مَلَأَهُمَا طَعَامًا ، وَحَمَلَ بَيْنَهُمَا نَفَقَةً وَثِيَابًا ، ثُمَّ نَاوَلَهَا بِخِطَامِهِ ، ثُمَّ قَالَ : اقْتَادِيهِ ، فَلَنْ يَفْنَى حَتَّى يَأْتِيَكُمْ اللَّهُ بِخَيْرٍ . فَقَالَ رَجُلٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ : أَكْثَرْتَ لَهَا . قَالَ عُمَرُ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى أَبَا هَذِهِ وَأَخَاهَا ، قَدْ حَاصَرَا حِصْنًا زَمَانًا فَافْتَتَحَاهُ ، ثُمَّ أَصْبَحْنَا نَسْتَفِيءُ سُهْمَانَهُمَا فِيهِ ) .

اللهم ارحم شهداء مصر الأبرار من أبناء الجيش والشرطة ، الذين بذلوا أرواحهم الذكية لتحيا بلادهم هامتها مرفوعة ورايتها منصورة ، وأجزل المثوبة للمحاربين الذين لم ينالوا شرف الشهادة ، واحفظ مصر علي الدوام من حسد الحاسدين وكيد الكائدين واعتداء المعتدين ، وأنزل عليها من بركات السماء وأخرج لها من كنوز الأرض ما تُغني به أهلها عن الخلق أجمعين ، وارزق كل مصري مُحب لدينه ووطنه ثواب الشهداء الأطهار .

بقلم . د / عزام عبد الحميد أبو زيد فرحات



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

🧚لحظة🧚كلمات الشاعرة/ صفاء الخواجة

 😢لحظة😢 سأبحث عنك مابين الشقوق وفوق الصخور وبين العدم يالحظة حنان طواها الزمان  فباتت بسقم تعاني الندم *** 😢بقلمي/ صفاء الخواجة 😢