الاثنين، 30 مارس 2026

✍️رماد الأرواح ووهم الوصول✍️بقلم الأديب د. طارق رضوان جمعة

 د. طَارِق رِضْوَان جُمُعَة

يكتب

* رَمَادُ الأَرْوَاحٍ  وَوَهْمُ الْوُصُولِ* 


ثَمَّةَ كِتَابَةٌ لَا تُرَى… بَلْ تُرْتَطِمُ بِنَا، كَأَنَّهَا شَظِيَّةُ كَوْكَبٍ تَاهَ فِي مَجَرَّةِ اللُّغَةِ حَتَّى سَقَطَ فَجْأَةً فِي وَعْيِنَا. هُنَاكَ، حَيْثُ لَا يَعُودُ الْمَعْنَى فِكْرَةً، بَلْ يُصْبِحُ جُرْحًا مَفْتُوحًا عَلَى اتِّسَاعِ الْإِدْرَاكِ.

فِي هٰذَا الْأُفُقِ السَّحِيقِ، لَا يَكُونُ التُّرَابُ أَرْضًا… بَلْ أَرْشِيفَ احْتِرَاقٍ طَوِيلٍ. التُّرَابُ... الْكِتَابُ الْوَحِيدُ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ حِبْرًا، تَكْتُبُهُ خُطْوَةٌ مُتْعَبَةٌ، وَتَمْحُوهُ رِيحٌ لَا تَعْتَرِفُ بِالْعَنَاوِينِ.. كُلُّ ذَرَّةٍ فِيهِ لَيْسَتْ مَادَّةً، بَلْ بَقَايَا اصْطِدَامَاتٍ لَا تُحْصَى: خُطًى انْدَثَرَتْ، أَحْلَامٌ تَكَسَّرَتْ، وَأَسْمَاءٌ ذَابَتْ حَتَّى صَارَتْ بِلَا صَوْتٍ. حِينَ نَمْشِي، لَا نُلَامِسُ السَّطْحَ، بَلْ نَخُوضُ فِي رَمَادِ مَا كُنَّاهُ… كَأَنَّنَا نَغُوصُ فِي مَقْبَرَةٍ شَفَّافَةٍ لِذَوَاتٍ سَابِقَةٍ، مَا زَالَتْ تَتَنَفَّسُ فِينَا دُونَ أَنْ نَرَاهَا.

وَالطَّرِيقُ؟ لَيْسَ امْتِدَادًا… بَلِ انْكِمَاشٌ بَطِيءٌ. كُلُّ خُطْوَةٍ تُقْدِمُهَا، لَيْسَتِ اقْتِرَابًا مِنْ مَكَانٍ، بَلِ ابْتِعَادٌ عَنْ نُسْخَةٍ قَدِيمَةٍ مِنْكَ، تُتْرَكُ خَلْفَكَ لِتَتَحَجَّرَ فِي ذَاكِرَةِ الْغُبَارِ. أَنْتَ لَا تَمْضِي… أَنْتَ تَتَسَاقَطُ فِي الِاتِّجَاهِ الَّذِي تَظُنُّهُ أَمَامَكَ.

وَحِينَ تَبْلُغُ مَا تُسَمِّيهِ "الْوُصُولَ"، تَكْتَشِفُ أَنَّكَ لَمْ تَصِلْ، بَلْ نُزِعْتَ مِنْ طَبَقَةٍ أُخْرَى مِنَ الْوَهْمِ. كَأَنَّ الْوُصُولَ نَفْسَهُ خُدْعَةٌ ذَكِيَّةٌ لِلْعَدَمِ، يُقْنِعُكَ بِأَنَّكَ بَلَغْتَ، بَيْنَمَا أَنْتَ فَقَطْ صِرْتَ أَخَفَّ… أَقْرَبَ إِلَى التَّلَاشِي.

أَمَّا الذَّاتُ… فَهِيَ لَيْسَتْ كِيَانًا، بَلْ إِعْصَارُ تَحَوُّلٍ. لَا وَجْهَ لَهَا لِتَثْبُتَ، وَلَا مَلَامِحَ لِتَسْتَقِرَّ. نَحْنُ لَا نُبَدِّلُ أَقْنِعَتَنَا كَمَا نَظُنُّ، بَلْ نُسْحَبُ مِنْ وُجُوهِنَا كَمَا تُسْحَبُ الْأَرْوَاحُ مِنْ أَجْسَادِهَا، بِهُدُوءٍ مُرْبِكٍ. كُلُّ "أَنَا" نَقُولُهَا، لَيْسَتْ تَعْرِيفًا… بَلْ أَثَرُ احْتِرَاقٍ سَابِقٍ.

اللُّغَةُ هُنَا لَا تَنْجُو. الْحُرُوفُ الَّتِي نَرُصُّهَا كَجُنُودٍ فِي جُمْلَةٍ، تَنْقَلِبُ فَجْأَةً إِلَى كَائِنَاتٍ بَرِّيَّةٍ، تَنْهَشُ الْمَعْنَى بَدَلَ أَنْ تَحْرُسَهُ. نُحَاوِلُ أَنْ نُمْسِكَ بِالْفِكْرَةِ، فَتَتَفَكَّكُ بَيْنَ أَصَابِعِنَا كَرَمَادٍ دَافِئٍ. كَأَنَّ الْكَلِمَاتِ، فِي لَحْظَةِ صِدْقِهَا الْقُصْوَى، تَرْفُضُ أَنْ تُقَالَ.

اللُّغَةُ… تِلْكَ الْجَبْهَةُ الْأَخِيرَةُ الَّتِي نُحَاوِلُ الِاحْتِمَاءَ بِهَا، لٰكِنَّهَا سُرْعَانَ مَا تَنْقَلِبُ عَلَيْنَا. الْكَلِمَاتُ الَّتِي نَظُنُّهَا أَدَوَاتِنَا، تَكْتَشِفُ فَجْأَةً أَنَّهَا قُيُودُنَا. وَحِينَ نُحَاوِلُ أَنْ نَكْتُبَ، لَا نُدَوِّنُ مَا نَعْرِفُ، بَلْ نَحْفِرُ فِي جِدَارِ الصَّمْتِ، بَحْثًا عَمَّا لَا يُقَالُ.

لِهٰذَا، لَا تَعُودُ الْكِتَابَةُ فِعْلَ تَعْبِيرٍ، بَلْ فِعْلَ زَلْزَلَةٍ. لَا نَكْتُبُ لِنَشْرَحَ الْعَالَمَ، بَلْ لِنَكْسِرَهُ، لِنَرَى مَا الَّذِي يَخْتَبِئُ خَلْفَ قِشْرَتِهِ الْمَأْلُوفَةِ. نَكْتُبُ لِنَفْقِدَ تَوَازُنَنَا، لَا لِنَسْتَعِيدَهُ. لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ، فِي جَوْهَرِهَا، لَيْسَتْ مُسْتَقِرَّةً… بَلْ هِيَ ذٰلِكَ الِارْتِعَاشُ الْخَفِيُّ بَيْنَ يَقِينَيْنِ.

لِهٰذَا، لَا تَعُودُ الْكِتَابَةُ بِنَاءً… بَلِ انْهِيارًا مَقْصُودًا. لَا نَكْتُبُ لِنُشَيِّدَ، بَلْ لِنُسْقِطَ السَّقْفَ عَلَى رُءُوسِ الْمَعَانِي، لِنَرَى مَا الَّذِي يَبْقَى حِينَ تَخْتَفِي الْجُدْرَانُ. نَكْتُبُ لِنُعَرِّيَ الْحَقِيقَةَ مِنْ صُورَتِهَا الْمُهَذَّبَةِ، لِنُوَاجِهَهَا وَهِيَ فَوْضَى خَالِصَةٌ، بِلَا اسْتِعَارَاتٍ تُجَمِّلُهَا.

وَفِي عُمْقِ هٰذَا الِاضْطِرَابِ، تَلُوحُ وَمْضَةٌ كَوْنِيَّةٌ: لَسْنَا كَائِنَاتٍ تَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ، بَلْ شَظَايَا انْفِجَارٍ أَوَّلَ، لَمْ يَهْدَأْ بَعْدُ. مَا نُسَمِّيهِ "حَيَاةً"، لَيْسَ إِلَّا صَدًى مُتَأَخِّرًا لِذٰلِكَ الِارْتِطَامِ الْبَدَائِيِّ، حَيْثُ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ لُغَةٌ… بَلِ انْدِهَاشٌ صَافٍ، كَثِيفٌ لِدَرَجَةِ الْأَلَمِ.

نَحْنُ نُحَاوِلُ أَنْ نَتَذَكَّرَ ذٰلِكَ الْأَصْلَ، لَا بِالْكَلِمَاتِ، بَلْ بِالِارْتِبَاكِ الَّذِي يُصِيبُنَا حِينَ نَعْجِزُ عَنِ التَّعْبِيرِ. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ تَحْدِيدًا—حِينَ يَخُونُنَا الْقَوْلُ—نَكُونُ أَقْرَبَ مَا نَكُونُ إِلَى حَقِيقَتِنَا الْأُولَى.

وَحِينَ يَتَبَقَّى مِنَ الرِّحْلَةِ أَثَرٌ خَافِتٌ، كَغُبَارٍ يَسْتَقِرُّ فِي تَجَاوِيفِ الرُّوحِ، نُدْرِكُ مُتَأَخِّرِينَ: لَمْ نَكُنْ نَبْحَثُ عَنْ مَعْنًى… بَلْ كُنَّا نَذُوبُ فِي طَرِيقِ الْبَحْثِ عَنْهُ. وَأَنَّ كُلَّ مَا ظَنَنَّاهُ ثَبَاتًا، لَمْ يَكُنْ إِلَّا بُطْئًا فِي السُّقُوطِ.

فَلَا تُحَاوِلْ أَنْ تَنْجُوَ مِنْ هٰذَا الْعُمْقِ… لِأَنَّ النَّجَاةَ نَفْسَهَا سَطْحٌ آخَرُ. دَعْكَ تَسْقُطُ، لٰكِنْ بِوَعْيٍ. دَعْكَ تَتَشَظَّى، لٰكِنْ وَأَنْتَ تَرَى. فَرُبَّمَا، فِي أَقْصَى لَحَظَاتِ الِانْكِسَارِ… تَكْتَشِفُ أَنَّكَ لَمْ تَكُنْ تَتَحَطَّمُ، بَلْ كُنْتَ تَتَشَكَّلُ عَلَى هَيْئَةِ مَا لَا يُمْكِنُ كَسْرُهُ.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

👍همسة هجر👍كلمات الشاعر مهندس/ يوسف الخواجه

 همسة هجر : ♥ ♥ ♥ ♥ ♥ ♥♥ ♥ ♥ وئد الأمل فى مهده .....ودفنت نفسي فى ثراه ومضى الربيع كأننا لم نلتق .عصف الخريف بما بناه والقلب شيبه الجفاء ......