دَرْسٌ تَأَخَّرَ وَصَلَهُ
بِقَلَمِ الأَدِيبِ المِصْرِيِّ
د. طَارِق رِضْوَان جُمُعَة
تَعَلَّمْتُ الدَّرْسَ يَا أَخِي...
وَلٰكِنْ بَعْدَ أَنْ تَكَسَّرَتْ فِي يَدَيَّ كُلُّ الأَشْيَاءِ الَّتِي ظَنَنْتُهَا لا تَنْكَسِرُ.
كانَ لِي بَابٌ أُغْلِقُهُ كُلَّ لَيْلٍ،
أَخْشَى أَنْ تَدْخُلَ مِنْهُ رِيحُ الخَيْبَةِ، فَكُنْتُ أَتَظَاهَرُ بِالقُوَّةِ،
وَأُحْكِمُ إِقْفَالَهُ بِأَوْهَامٍ مِنْ صَبْرٍ وَرِضًا. قُلْتُ فِي نَفْسِي:
سَأُرَمِّمُ الشُّقُوقَ الَّتِي فِيهِ،
وَأَطْلِي خَشَبَهُ بِبَعْضِ النِّسْيَانِ، وَأُقْنِعُ قَلْبِي أَنَّ كُلَّ مَا يَبْدُو مُهْتَرِئًا... يُمْكِنُ إِنْقَاذُهُ. وَلَكِنَّكَ قُلْتَ لِي يَوْمًا:
"يَا أَخِي، لَيْسَ كُلُّ مَا نُصْلِحُهُ يَعُودُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا نُبْقِيهِ يَسْتَحِقُّ البَقَاء."
لَمْ أُصْغِ لَك يَا أَخِي... لِأَنَّ قَلْبِي كَانَ يَرَى فِي الخَسَارَةِ خِيَانَةً، وَفِي التَّخَلِّي جُرْحًا لَا يُحْتَمَلُ.
قُلْتُ: "كَيْفَ أَتْرُكُ شَيْئًا أَحْبَبْتُهُ؟ كَيْفَ أُسَلِّمُهُ لِلزَّمَنِ كَأَنِّي لَمْ أَكُنْ فِيهِ؟ أَلَيْسَ الوَفَاءُ أَنْ نَبْقَى... حَتَّى النِّهَايَةِ؟"
فَقُلْتَ لِي: "هُنَاكَ نِهَايَاتٌ... البَقَاءُ فِيهَا هَلَاكٌ، وَهُنَاكَ قُلُوبٌ... إِنْ حَمَلْتَهَا أَثْقَلَتْكَ،
وَهُنَاكَ أَحْلَامٌ... إِنْ أَحْيَيْتَهَا قَتَلَتْكَ."
فَغَضِبْتُ...لِأَنِّي كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ أَجْمَلَ مِنَ الحَقِيقَةِ،
وَأَنْبَلَ مِنَ الوَاقِعِ، وَأَقْوَى مِنَ الدَّرْسِ.
مَضَيْتُ وَحْدِي... أُحَاوِلُ أَنْ أُثْبِتَ أَنَّ القَلْبَ إِذَا أَرَادَ... انْتَصَرَ، وَأَنَّ مَا نُحِبُّهُ... يَنْجُو بِنَا.
وَلَكِنَّهُ لَمْ يَنْجُ... بَلْ غَرِقْتُ أَنَا فِيهِ. تَكَسَّرَ البَابُ، وَدَخَلَتِ الرِّيَاحُ الَّتِي كُنْتُ أَخْشَاهَا،
وَأَصْبَحَ قَلْبِي مَفْتُوحًا... لِكُلِّ الخَسَارَاتِ.
وَعِنْدَمَا تَعِبْتُ، وَسَقَطَتْ مِنِّي كُلُّ مُقَاوَمَةٍ، سَمِعْتُ صَوْتَكَ... بَعِيدًا، هَادِئًا: "أَلَمْ تَتَعَلَّمْ بَعْدُ؟"
فَبَكَيْتُ... لَا مِنَ الأَلَمِ، بَلْ لِأَنِّي تَأَخَّرْتُ فِي الفَهْمِ. نَعَمْ يَا أَخِي... تَعَلَّمْتُ.
تَعَلَّمْتُ أَنَّ بَعْضَ الأَشْيَاءِ لَا تُرَمَّمُ، وَأَنَّ بَعْضَ القُلُوبِ لَا تُنْقَذُ، وَأَنَّ أَثْقَلَ مَا يَحْمِلُهُ الإِنْسَانُ... هُوَ مَا يُصِرُّ عَلَى عَدَمِ تَرْكِهِ. تَعَلَّمْتُ أَنَّ التَّخَلِّي... لَيْسَ خِيَانَةً، بَلْ نَجَاةٌ مُتَأَخِّرَةٌ.
وَأَنَّكَ كُنْتَ تَعْلَمُ... وَأَنِّي كُنْتُ أَجْهَلُ. فَاغْفِرْ لِي يَا أَخِي...
لِأَنِّي لَمْ أَفْهَمِ الدَّرْسَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ دَفَعْتُ ثَمَنَهُ كَامِلًا.
فَلَمَّا دَفَعْتُ الثَّمَنَ كَامِلًا…
عَرَفْتُ أَنَّ بَعْضَ الدُّرُوسِ لَا تُعْطَى مَجَّانًا، وَأَنَّ الحِكْمَةَ لَا تَسْكُنُ قَلْبًا… لَمْ تَكْسِرْهُ التَّجَارِبُ.
صِرْتُ أَنْظُرُ إِلَى البَابِ المُتَكَسِّرِ…لَا بِحُزْنٍ، بَلْ بِفَهْمٍ جَدِيدٍ، فَهُوَ لَمْ يَكُنْ خِذْلَانًا…
بَلْ كَانَ رَسَالَةً لَمْ أُجِدْ قِرَاءَتَهَا فِي وَقْتِهَا.
وَصِرْتُ أَعْرِفُ أَنَّ الرِّيَاحَ الَّتِي خِفْتُ مِنْهَا… لَمْ تَأْتِ لِتُحَطِّمَنِي، بَلْ لِتَكْشِفَ لِي… مَا كُنْتُ أُخَبِّئُهُ مِنْ وَهْمٍ وَضَعْفٍ.
يَا أَخِي…لَمْ أَعُدْ أُحَاوِلُ أَنْ أُصْلِحَ كُلَّ شَيْءٍ، وَلَمْ أَعُدْ أُقَاوِمُ كُلَّ نِهَايَةٍ، بَلْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَقِفَ…عِنْدَ الحُدُودِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ أَتَوَقَّفَ عِنْدَهَا.
تَعَلَّمْتُ أَنْ أَتْرُكَ…دُونَ أَنْ أَنْكَسِرَ، وَأَنْ أَنْسَى…دُونَ أَنْ أَفْقِدَ نَفْسِي، وَأَنْ أُحِبَّ…
دُونَ أَنْ أُغْرِقَ فِي مَا لَا يُنْقِذُنِي.
وَالْيَوْمَ…إِذَا وَ
قَفْتُ أَمَامَ بَابٍ جَدِيدٍ، لَا أُغْلِقُهُ بِالخَوْفِ،
وَلَا أَحْمِيهِ بِالوَهْمِ، بَلْ أَتْرُكُهُ نِصْفَ مَفْتُوحٍ…لِتَدْخُلَ الحَقِيقَةُ، كَمَا هِيَ. فَإِنْ بَقِيَ… شَكَرْتُ، وَإِنْ رَحَلَ… سَلَّمْتُ،
وَإِنِ انْكَسَرَ… تَعَلَّمْتُ.
نَعَمْ يَا أَخِي…لَمْ أَعُدْ ذٰلِكَ الَّذِي كَانَ يَخَافُ الفَقْدَ، بَلْ أَصْبَحْتُ أَفْهَمُ…أَنَّ بَعْضَ الفَقْدِ… هُوَ أَعْظَمُ العَطَاءِ.
فَإِنْ سَمِعْتَنِي يَوْمًا أَبْتَسِمُ بَعْدَ خَسَارَةٍ…فَاعْلَمْ أَنِّي أَخِيرًا…فَهِمْتُ الدَّرْسَ… فِي وَقْتِهِ الجَدِيدِ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق