الأحد، 29 مارس 2026

🌹حكاية قصيدة🌹قصة بقلم الأديب م. يوسف الخواجه

 المكالمة الأخيرة 

٠🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸

( حكاية قصيدة )

الفصل الأول

تعارف

  تعارفا بالقطار عن طريق الصدفة البحتة ، كان يذهب إلى كليته بجامعة الإسكندرية مستقلا القطار بالدرجة الثانية المكيفة يوميا وكان يحرص دائما على حجز المقعد الأول فى العربة الأولى من القطار حيث يمكنه مراجعة بعض محاضراته قبل الوصول فى الثامنة اإلى مدرجه بكلية الهندسة .

     كان هذا هو عامه الأول بالكلية العملية ، وكان كل همه  أن يحقق نجاحا يرضى والديه كما كان دائما متفوقا فى كل دراساته الماضية بالمدارس وبعد أن نال درجة عالية من التكريم من محافظته حيث كان من العشر الأوائل بالمحافظة المتاخمة للإسكندرية .

     بعد عدة أسابيع لاحظ هذه الفتاة الجميلة التى كانت غالبا تستقل المقعد المجاور له بنفس العربة بالقطار أغلب أيام الأسبوع  ، وكان يشعر ببعض الحرج كلما صعد إلى مقعده ووجدها تجلس بالمقعد المجاور له , كان يخجل أن يسألها من أين تأتى وفى أى كلية هى وخاصة وأنه بعض الأحيان كان يلمحهابطرف عينه وهى  تحاول المرور بعينيها خلسة على أوراقه التى بين يديه .

     وحانت الفرصة للتعارف حين استأذنته هى  للمرة الأولى  بعد مايقرب من الشهرمن ركوبهما معا ، فى أن تذهب لدورة المياه طالبة منه أن يحرس لها حقيبتها وكتبها الموضوعة بجانبه حتى تعود ، طلبت منه ذلك وقد اعتلت وجنتيها حمرة الخجل وخالط كلماتها بعض الإرتباك .

   تأكد أنها ابتعدت حين امتدت يده المرتعشة لتتناول خلسة واحد من كتبها الموضوعة فوق حقيبتها اليدوية ، وبسرعة شديدة تصفح الكتاب ووجد ضالته فى الصفحة  الأولى :

 إسمها  - امانى - ... الله

وفى السنة الأولى بكلية الآداب جامعة الإسكندرية 

      وبسرعة البرق أعاد الكتاب إلى موضعه وهو يبتسم لنفسه  ابتسامة خبيثة ولكن رجفة  يده اشتدت وضربات قلبه كاد يسمعها وهو يشعر بالذنب .

     وعادت الفتاة وهى تبتسم له شاكرة له حراسة حقيبتها وكتبها ، وابتسم لها بدوره وهو يحاول أن يلملم شتات نفسه ويدس يده المرتجفة  فى جيبه ليخفف من اهتزازها وحتى لاتلمحها هى !

      نظرت إليه  على استحياء ثم غمغمت :

 شكرا ياباشمهندس

 العفو .. على إيه ؟ انا ماعملتش حاجة .. هو حضرتك  بتيجى منين كل يوم ؟ من طنطا ؟؟

 لالالا .. انا باركب من القاهرة .. اعمل ايه مجموعى بقى مادخلنيش جامعة القاهرة .....  الحمد لله على كل حال وكل شيئ نصيب ، بس انا الحمد لله محاضراتى  اربع ايام فى الأسبوع بس وعشان كده ماحاولتش اقعد فى المدينة الجامعية فى اسكندرية ..

  يااااه  بس دا كده تعب جامد اوى على حضرتك ، داانا باركب من دمنهور زى ماحضرتك عارفة  ورغم ذلك تعبان جدا من السفر كل يوم ...

  آه  اصل حضرتك كلية عملية وأكيد بترجع متأخر كل يوم 

 فعلا والله ساعات ارجع البيت الساعة عشرة بالليل ، ياادوب اتعشى وانام .. بس انا لو فى مكانك اقعد فى اسكندرية احسن 

  مااقدرش عشان انا اصلا وحيدة ماما وبابا الله يرحمه توفى وانا صغيرة ، ومااقدرش اسيبها لوحدها  وهى اصلا كمان ناظرة مدرسة ثانوى وماتقدرش تسيب شغلها عشان تيجى تقعد معايا  فى اسكندرية 

  ياااه ... لا عندك حق ، ربنا يخليها لك يارب وتفرح بيكى وتشوفك أجمل عروسة ......

               اعتلت وجهها حمرة الخجل بينما ندم هو على الجملة الأخيرة وكان محتارا فى استدراك الأمر ...

 متشكرة .. الله يخليك ياباشمهندس

 العفو العفو ........

وهنا وصل القطار إلى محطة سيدى جابر حيث تأهبا للنزول لتستقل هى الترام حتى كليتها بالقرب من محطة الرمل بينما استقل هو قطار – ابو قير – للنزول بمحطة الحضرة ومن ثم الى الكلية .....

  وهنا فوجئ بها  تمد يدها لتسلم عليه متمنية له يوما سعيدا ، سلم  عليها ومضى فى طريقه كماكينة مبرمجة  ليس لها عقل ولاتفكير !!

🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸

     وازدادت الألفة بينهما على مدار الثلاث سنوات التالية ولكنها لم تتجاوز حدود الصداقة والأخوة بين الإنتظار وحجز المقاعد بالقطار  لكل من يسبق الآخر سواء فى الذهاب او فى العودة  ومناقشة مشاكل الجامعة لكل منهما .......

     وبدأت السنة الرابعة والتقيا لأول مرة بعد مرور شهور العطلة الصيفية ولم يخف على أعين كل منهما اشتياقه لرؤية الآخر .... 

    سلمت عليه وأطالت الإمساك بيده لأول مرة وكأنها لاتريد إطلاقها ، واعترت  وجهه هو هذه المرة حمرة الخجل , وسحب يده وهو يشيح بوجهه بعيدا عن عينيها ليخفى ارتباكه .... ثم تشجع وهو يقول :

 حمدا لله ع السلامة .. وحشتينى والله ياأمانى ....

 هههههههههه الله يخليك وانت كمان والله

..........   باقول لك ايه ؟

 نعم

 ماتيجى نزوغ النهارده ونقعد فى كافتيريا واعزمك على حاجة ساقعة .. ايه رأيك ؟

 هههههههههه موافق طبعا .. بس انا اللى ادفع الحساب

 موافقووووووون

ضحكا من القلب ثم انطلقا صوب الكافتيريا القريبة من محطة الرمل وهما يقفزان قفزات سريعة مرحة

🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸

     لم يشعرا بالوقت الذى انصرمت ساعاته سريعا كعادة اللحظات السعيدة فى الحياة ، وتشجع على عزومتها على  مطعم للمشويات بمحطة الرمل حيث تناولا وجبة الغداء معا والسعادة تغمرهما ، وعادا إلى محطة القطار ليجلسا أمام بعضهما فى طريق العودة وهما يتجاذبان  بعض الحكايات والنكات المضحكة ....

  تناولا جميع المواضيع خلال هذه السنوات الأربع إلا موضوع الحب لم ينبسا به ببنت شفة ، لاهو تجرأ ولاهى تجرأت ....

     🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸

الفصل الثانى 

(( المكالمة الأخيرة ))

       فى الشهر الأخير قبل امتحانات  السنة الرابعة من صداقتهما  وكانت هى فى ليسانس الآداب  بينما هو فى السنة الثالثة بهندسة الإسكندرية , استقل القطار كعادته ولكنه وجد مقعدها خاليا ، وتحرك القطار وهو على أمل ان تكون فى عربة اخرى أو فى دورة المياه ، وأحس بقلق شديد عليها حين وصل القطار الى محطة سيدى جابر حيث ألفا  الهبوط سويا  طوال سنوات أربع ولكن لم يبد لها أثرا .

     توقف قليلا بالمحطة وهو يفكر ماذا يفعل ؟

     اليوم لديه محاضرة هامة لمراجعة مادة الخرسانة وهى مادة هامة لطلبة القسم المدنى وربما يطلعهم الدكتور على بعض الأسئلة المتوقعة بامتحان نهاية العام  والذى اوشك على القدوم ؟

   ولكن أمانى ؟ لماذا لم تأت ؟ وهى بدورها تعلم مدى اهمية الحضور فى الشهر الأخير بكليتها ......

  أيعقل أن يكون قد حدث لها مكروها ؟

راح يتمتم فى اعماقه ببعض الدعوات لها لكى تكون بخير 

 لم يكن يعرف لها عنوانا سوى انها تأتى من القاهرة وتعود إليها وغير انها بكلية الآداب .......... 

      آآآآآآآآه فليذهب اليها لعلها هناك ........

     انطلق اذن دون تفكير فى  اتجاه الترام ليذهب الى كليتها لعله يجدها او يعلم اي اخبار عنها من زميلاتها 

    لم يكن هناك تليفونات محمولة وقتها وحتى التليفونات الأرضية لم تكن تغطى معظم البيوت  ، وحتى لو كان عندها تليفونا ارضيا فهو لم يجرؤ فى  خلال مدة معرفته بها ان يطلب منها شيئا مثل ذلك حتى لاتسيئ الظن به ...........

   لم يكن يعرف عتها سوى اسمها الأول فقط وانها بقسم الفلسفة فى ليسانس الأداب....

     سأل الحارس الجامعى على باب الكلية عن مكان طلبة الليسانس فأشار له على مكان قاعة المحاضرات وسمح له بالدخول ...

   انطلق نحو القاعة وقلبه يكاد يتوقف من شدة الإنفعال.....

   توقف عدة دقائق على باب القاعة حين وجد الباب موصدا معتقدا ان هناك محاضرة بالداخل ولكن ماأثار تفكيره الصمت المطبق المخيم داخل القاعة وقلة حركة الطلبة خارجها...

     رأى أحد الطلبة يسير بالقرب منه فااقترب منه وهو ينادى عليه :

_....لوسمحت أخى....

_ نعم أخى أى خدمة ؟؟

_ لو سمحت هى المحاضرة بالمدرج ده هاتخلص امتى ؟؟

_ مدرج أيه ؟؟

_ مدرج ليسانس الآداب ده ... ( وهو يشير اليه )..

_  مافيش محاضرات أخى خلاص ... آخر محاضرة كانت الأسبوع اللى فات ..!! هو حضرتك مش من الكلية ؟؟!!

_ لا والله كنت عاوز بس أسأل عن صديق لى هنا فى الكلية غايب بقى له فترة وقلقت عليه ....

_ طيب حضرتك لو تعرف اسمه بالكامل ممكن تسأل عليه فى شؤون الطلبة هناك ... ( وهو يشير له بمكان شؤون الطلبة )

_ الف شكر لحضرتك 

....... باءت كل محاولاته بالفشل للوصول لأى معلومات عنها ورفضت مسؤولة شؤون الطلبة أن تعطيه أي معلومات عنها لأنه ليس من أسرتها أو أقربائها ....

    مر شهران من الحزن والتفكير والقلق العميق .. وانتهت امتحانات كلية الهندسة على خير رغم انشغال قلبه وعقله معظم الوقت فى التفكير فيها  والقلق المرير عليها .....

    وفى يوم لاينساه طوال حياته.. وبعد ان صلى صلاة العصر وجلس على سجادة الصلاة يدعو ربه أن يطمئنه عليها ..

    دق جرس التليفون الأرضى وردت والدته عليه  ثم نادت عليه وأشارت له أن هناك من يريده على الخط ...

   تناول سماعة التليفون على عجل وراح يتحدث متعجبا...

_ آلو....آلو ..... مين معايا ؟؟ مين حضرتك ؟؟

 كاد أن يكذب أذنه .. إنه صوت فتاة تنتحب وتبكى بكاء عويلا فى صوت مكتوم كأنه قادم من أعالى البحار ...!!!

_ مين معايا ؟؟ مين حضرتك ؟؟ مين......؟؟؟

   ومن بين الأنين المكتوم سمع هذه الكلمة 

_ وحشتنى يا.....وحشتنى ياحبيب عمرى وحياتى...!!!

صرخ متألما وهو يحاول الا تسمع أمه صرخته

_ ليه كده ياأمانى ؟؟ انا كنت هااموت م الرعب عليكى والله .. انتى فين ؟؟ نفسى اشوفك ...

_ ماعادش ينفع الكلام ده خلاص يا....., انا طلبتك عشان اسمع صوتك لآخر مرة فى حياتى واودعك ياحبيب عمرى....!!

_ ارجوكى ياحبيبتى ...ارجوكى ماتقوليش كده .. طيب قولى لى رقم تليفونك بس علشان اطمن عليكى كل يوم لحد مااشوفك والنبى ..

_  ماعادش ينفع خلاص .. انا اتقدم لى عريس وقبلته عشان انساك

_ ليه كده ياامانى ؟؟ انا باحبك والله ... أنا ..أنا .....

صرخت باكية

_ أرجوك ماتعذبنيش اكتر من كده .. انا كلمتك بس عشان ااقول لكانك حب عمرى وحياتى

 ومن اول يوم عرفتك فيه وانا باحبك ... لكن انت عمرك ماحسيت بقلبى ولا بمشاعرى.. الوداع ياحبيبى ...الوداع ...

 وسمع نحيبها لمدة دقيقة قبل أن تغلق الخط وكاد أن يصرخ فيها حتى لا تغلق الخط ولكن الصدمة ألجمت لسانه ....!

    أغلقت الخط وقلبه يتمزق من صوت بكائها ..وانتهت المكالمة الأولى والأخيرة بينهما...

      ومرت سنوات وسنوات ..

   وكلما تذكرها ذهب الى الإسكندرية وتوقف على شاطئ البحر مكان لقائهما الأول يوم أن دعته للفسحة سويا وجلس حتى وقت الغروب وجلس ينظر الى مياه البحر ويتذكر كلماتها الأخيرة وهو يخفى دموعه عن المشاة...

 وحين تهدأ سريرته بعض الشيئ ينطلق عائدا من حيث أتى.......!!

وكتب فى ذكراها هذه القصيدة 

آســــــــــــــــــــــــــــــــــــــف ياحــــــــــــــــــــــــــــــــــــبيبتى 

✽¸.• ♥ ♥•.¸✽¸.• ♥ ♥•.¸✽¸.

همسة شوق خدتنى

على جناحك شالتنى 

مكان الذكريات

للماضى والآهات

وسنين عمرى اللى فات

لقيتنى باقول بحرقة

أنا آسف ياحبيبتى

✽¸.• ♥ ♥•.¸✽¸.• ♥ ♥•.¸✽¸.•

لكام ذكرى جميلة 

بين زهرات الخميلة

ضاعت بين يوم وليلة

واللى كان لينا فات

والعمر كان ساعات

بين امبارح وبكرة

آنا آسف ياحبيبتى

✽¸.• ♥ ♥•.¸✽¸.• ♥ ♥•.¸✽¸.• 

كتير سقيت ورودك

فى غيابك أو وجودك

ضعت وضاعت وعودك 

حكم القدر بفرقة

ولاخنت ولاانتى خنتى

عمرك عندى ماهونتى

أنا آسف ياحبيبتى

✽¸.• ♥ ♥•.¸✽¸.• ♥ ♥•.¸✽¸.• 

صفحة من ذكرياتى

فاكرك فيها ليلاتى

اجمل ايام حياتى

بين امبارح وبكرة

باقية ياأحلى ذكرى

فى قلبى مهما كنتى 

أنا آسف ياحبيبتى

✽¸.• ♥ ♥•.¸✽¸.• ♥ ♥•.¸✽¸.• ♥ 

سرحت فى لون عينيكى

لقيتنى بكيت عليكى

بكيت كتير لإنى

ماأقدرش أعود إليكى

لكن فى قلبى انتى 

صاحبة قصرى واميرتى

أنا آسف ياحبيبتى

✽¸.• ♥ ♥•.¸✽¸.• ♥ ♥•.¸✽¸.• ♥

لو كان هجرك قرارى

لابإيدى ولا اختيارى

تقبلى اعتذارى

انا عاذرك مهما قلتى

غضبانة او سامحتى

بعد السنين بااقولك

أنا آسف ياحبيبتى

✽¸.• ♥ ♥•.¸✽¸.• ♥ ♥•.¸✽¸.• ♥ ♥•

يوسف الخواجه


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

👍همسة هجر👍كلمات الشاعر مهندس/ يوسف الخواجه

 همسة هجر : ♥ ♥ ♥ ♥ ♥ ♥♥ ♥ ♥ وئد الأمل فى مهده .....ودفنت نفسي فى ثراه ومضى الربيع كأننا لم نلتق .عصف الخريف بما بناه والقلب شيبه الجفاء ......