الثلاثاء، 31 مارس 2026

💥طمس الحرية في صمت الموروثات الفكرية💥مقال بقلم د. طارق رضوان جمعة

 د.


طَارِقَ رِضْوَانَ جُمُعَةَ

يَكْتُبُ 

طَمْسُ الحُرِّيَّةِ فِي صَمْتِ المَوْرُوثَاتِ الفِكْرِيَّةِ


بِيكِيَا... أَنْتَ لَا تَحْتَاجُ أَنْ تَتَقَدَّمَ… بَلْ تَحْتَاجُ أَنْ تَتَخَلَّصَ. ففِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْ وُجُودِنَا، تَتَسَلَّلُ إِلَيْنَا أَصْوَاتٌ لَمْ نَخْتَرْهَا، وَفِكْرَاتٌ لَمْ نُفَكِّرْ فِيهَا. لَيْسَتْ كُلُّ الأَفْكَارِ الَّتِي نَرِثُهَا تُشْبِهُنَا، وَلَا كُلُّ المَعَانِي الَّتِي نُرَدِّدُهَا وُلِدَتْ فِي دَاخِلِنَا. نَحْمِلُ فِي رُؤُوسِنَا مَتَاحِفَ صَامِتَةً، تَكْتَظُّ بِمُعْتَقَدَاتٍ عَتِيقَةٍ، وَلَا نَسْأَلُ: مَنْ وَضَعَهَا هُنَا؟ وَلِمَاذَا بَقِيَتْ؟

نُؤْمِنُ… لِأَنَّنَا وُجِدْنَا نُؤْمِنُ، وَنُحِبُّ… لِأَنَّ الحُبَّ قِيلَ لَنَا كَيْفَ يَكُونُ، وَنَخَافُ… لِأَنَّ الخَوْفَ سُكِبَ فِينَا قَبْلَ أَنْ نَعْرِفَ أَسْمَاءَنَا.

هُنَاكَ، فِي أَعْمَاقِنَا، يَحْدُثُ مَوْتٌ هَادِئٌ… لَا يُرَى، حِينَ نُسَلِّمُ عُقُولَنَا لِمَا وُجِدَ قَبْلَنَا، وَنُغْلِقُ أَبْوَابَ السُّؤَالِ… خَوْفًا مِنَ الإِجَابَةِ.

لَيْسَ أَخْطَرُ مَا فِينَا أَنْ نَخْطِئَ، بَلْ أَنْ نَكُونَ صَوَابًا… لِغَيْرِنَا، وَنَحْيَا حَيَاةً مَكْتُوبَةً بِخَطِّ آخَرِينَ. فَكَمْ مِنْ فِكْرَةٍ نَحْمِلُهَا… وَلَا تَحْمِلُنَا، وَكَمْ مِنْ قَيْدٍ نُقَدِّسُهُ… وَهُوَ لَا يَرَانَا.

لِذٰلِكَ… لَا تَخَفْ أَنْ تَهُدَّ مَا فِي دَاخِلِكَ، إِنْ كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى صَوْتٍ لَيْسَ صَوْتَكَ، وَلَا تَخْشَ أَنْ تَبْدَأَ مِنَ الفَرَاغِ… فَالفَرَاغُ أَصْدَقُ مِنِ امْتِلَاءٍ مَزَيَّفٍ.

كُنْ سُؤَالًا… قَبْلَ أَنْ تَكُونَ إِجَابَةً، وَكُنْ نَفْسَكَ… وَلَوْ خَالَفْتَ كُلَّ مَا تَوَارَثَهُ العَالَمُ. فَالْحُرِّيَّةُ… لَيْسَتْ أَنْ تَخْتَارَ بَيْنَ خِيَارَاتٍ جَاهِزَةٍ، بَلْ أَنْ تَخْلُقَ خِيَارَكَ… حِينَ تَشُكُّ فِي كُلِّ مَا سِوَاهُ.

الفكر المتوارث: سجن بلا قضبان

لَا تَتَكَوَّنُ أَفْكَارُنَا فِي فَرَاغٍ، بَلْ تَنْسَابُ إِلَيْنَا كَمِيَاهٍ خَفِيَّةٍ، مِنْ لُغَةٍ نَتَكَلَّمُهَا قَبْلَ أَنْ نَخْتَارَهَا، وَمِنْ مَجْتَمَعٍ يُعِيدُ كِتَابَتَنَا كُلَّ يَوْمٍ. نَظُنُّ أَنَّنَا نُفَكِّرُ، بَيْنَمَا نَحْنُ نُعِيدُ تَرْتِيلَ مَا قِيلَ، وَنَظُنُّ أَنَّنَا نَخْتَارُ… بَيْنَمَا الخِيَارُ مُهَيَّأٌ سَلَفًا.

هُنَاكَ شَبَكَةٌ لَا تُرَى، تُنَظِّمُ مَا نَقُولُهُ، وَمَا نَصْمُتُ عَنْهُ، تُحَدِّدُ مَا يُعْتَبَرُ حَقِيقَةً… وَمَا يُنْفَى. لَا أَحَدَ يُجْبِرُنَا صَرَاحَةً، وَلٰكِنَّنَا نَنْصَاعُ بِهُدُوءٍ، كَمَنْ يَتَنَفَّسُ نِظَامًا… لَا يَرَاهُ.

الحرية بين نيتشه وفوكو

لَا يَبْدَأُ التَّحَرُّر بِرَفْضِ كُلِّ شَيْءٍ، بَلْ بِفَهْمِ كَيْفَ تَشَكَّلَ كُلُّ شَيْءٍ. أَنْ تَسْأَلَ: مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ هٰذِهِ الفِكْرَةُ؟ وَلِمَنْ تَعْمَلُ؟ وَلِمَاذَا تَبْدُو لِي بَدِيهِيَّةً؟ عِنْدَهَا فَقَطْ… لَا تُصْبِحُ أَسِيرًا لِمَا تَعْتَقِدُهُ، بَلْ مُشَارِكًا فِي صُنْعِهِ.

 القُدْرَةُ عَلَى صُنْعِ الفكر البَدِيلِ هو الحُرِّيَّةُ، والحُرِّيَّةُ

 لَا تُولَدُ إِلَّا حِينَ نَتَجَاوَزُ مَرْحَلَةَ التَّلَقِّي السَّلْبِيِّ، إِلَى مَرْحَلَةِ المُشَارَكَةِ الوَاعِيَةِ فِي تَشْكِيلِ مَعَانِينَا.

الميراث الفكري: بين الاحتفاظ والتفكيك

لَا نُقَاسُ بِمَا نَرِثُهُ… بَلْ بِمَا نَجْرُؤُ عَلَى إِعَادَةِ النَّظَرِ فِيهِ. فَالحُرِّيَّةُ  تَبْدَأُ حِينَ  نَكْتَشِفُ أَنَّ بِإِمْكَانِنَا أَنْ نَرْفُضَ السُّؤَالَ نَفْسَهُ، وَنَخْتَرِعَ سُؤَالًا جَدِيدًا.

إِنَّ أَخْطَرَ أَنْوَاعِ العُبُودِيَّةِ… هِيَ تِلْكَ الَّتِي نَعِيشُهَا، وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهَا حُرِّيَّةٌ. فلَا أَرَى أَثَاثًا فِي مَمَرَّاتِ بِيْكِيَا، بَلْ أَرَى نَفْسِي. كُلُّ رَفٍّ لَيْسَ لِلْأَشْيَاءِ، بَلْ لِأَفْكَارٍ قَدِيمَةٍ لَمْ نُرَاجِعْهَا، وَعَادَاتٍ وَرِثْنَاهَا كَمَا هِيَ، دُونَ أَنْ نَسْأَلَ: هَلْ تُشْبِهُنَا… أَمْ تُثْقِلُنَا؟

المعركة الحقيقية هى وضع الأفكار في موضعها:

هُنَا، كُلُّ شَيْءٍ مُرَتَّبٌ بِدِقَّةٍ، وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الدَّاخِلِ مُرْتَبِكٌ. نُحْسِنُ وَضْعَ الأَشْيَاءِ فِي أَمَاكِنِهَا، وَلٰكِنَّنَا نُخْفِقُ فِي وَضْعِ أَفْكَارِنَا فِي مَوَاضِعِهَا. هٰذِهِ لَيْسَ بِيْكِيَا الأَثَاث… بَلْ بِيْكِيَا الْوَعْيِ.

مَشَاعِرُ مُخَزَّنَةٌ عَلَى رُفُوفِ الصَّمْتِ، مُعْتَقَدَاتٌ قَدِيمَةٌ نُقَلِّبُهَا دُونَ فَهْمٍ، وَأَحْكَامٌ جَاهِزَةٌ نَرِثُهَا كَأَنَّهَا حَقِيقَةٌ. كُلُّ كُرْسِيٍّ نَجْلِسُ عَلَيْهِ، قَدْ يَكُونُ فِكْرَةً لَا تَخُصُّنَا، وَكُلُّ مِرْآةٍ نَنْظُرُ فِيهَا تُعِيدُ لَنَا صُورَةً لَمْ نَخْتَرْهَا بِأَنْفُسِنَا.

نَتَقَدَّمُ… أَوْ نَظُنُّ أَنَّنَا نَتَقَدَّمُ، بَيْنَمَا نَجُرُّ خَلْفَنَا مَخَازِنَ كَامِلَةً مِنَ "الْبِيكِيَا" الْفِكْرِيَّةِ. أَفْكَارٌ لَا تَعْمَلُ، عَادَاتٌ لَا تَصْلُحُ، وَمَشَاعِرُ فَاسِدَةٌ نُصِرُّ عَلَى الِاحْتِفَاظِ بِهَا.

خاتمة... الحرية تبدأ من التفكيك، فلِكُلِّ إِنْسَانٍ يَسْعَى لِلاِحْتِرَازِ مِنْ طُمُوحِ الموروثات: كُنْ سُؤَالًا قَبْلَ أَنْ تَكُونَ إِجَابَةً، وَأخَلِّقْ خِيَارَكَ لنَفْسَكَ. فِي نِهَايَةِ الطَّرِيقِ،

لِأَنَّ أَخْطَرَ أَنْوَاعِ العُبُودِيَّةِ، هِيَ تِلْكَ الَّتِي نَعِيشُهَا وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهَا حُرِّيَّةٌ. وَهُنا، فِي صَمْتِ الموروثات الفكرية، يَكْمُنُ التَّحذيرُ: فَلَا تَسْلِمْ عَقْلَكَ… قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَ، وَقَبْلَ أَنْ تَصْنَعَ حُرِّيَّتَكَ الحَقِيقِيَّةَ.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

💥طمس الحرية في صمت الموروثات الفكرية💥مقال بقلم د. طارق رضوان جمعة

 د. طَارِقَ رِضْوَانَ جُمُعَةَ يَكْتُبُ  طَمْسُ الحُرِّيَّةِ فِي صَمْتِ المَوْرُوثَاتِ الفِكْرِيَّةِ بِيكِيَا... أَنْتَ لَا تَحْتَاجُ أَنْ ت...