الثلاثاء، 24 مارس 2020

كتب الأستاذ/ رضا يونس ج27 من روايته ... إعترافات ظل ...

روايتي " اعترافات ظل" ج27
العزل
أفاقت نادين كليا،  وأفاق معها سرعة بديهتها،  حينما غاب عنها طارق ساعات،  فلم تعد تكفيها حجة ساقها والدها قبلا، فعاودت السؤال:
-مالى لا أرى طارقا؟! أأكون في هذه الحال التي أُرثى لها، وهو يغيب؟! لا أستطيع قبول فكرة غيابه بلا سبب، أفلا يطمئن هاتفيا؟! الأمر يبدو غامضا!!
ثم طلبت هاتفها، فناولته لها رفاق-أختها- طلبته؛ لتسْتجْلِيَ الأمر، فإذا بصوت نغمة الهاتف قريبة من مسامعها، وكانت النغمة أغنية لبيتين من الشعر من بنات أفكاره، أصر ذات مرة أن تغنيهما بصوتها؛ ليُضَمِّنَها هاتفه كنغمة مميزة لها تقول:
إنى أحبك فاعلمي 
إن لم تكوني تعلمين
حب أقل قليله 
كجميع حب العالمين
أُسقِط في يديها، فقد كان الهاتف في حوزة والدها، أخذه من الطبيب، عقب إدخاله غرفة الحجر الصحي.. هنا لم يجد الوالد تبريرا كافيا هذه المرة، سوى أن يُسرَّها بجزء من الحقيقة حينما سارعت بسؤاله:
-بابا ماذا يفعل هاتف طارق معك؟! ما الذي يجري هنا؟!ماذا تخبئون عني؟!أي مكروه أصاب طارق!!أجيبوني، لماذا تصمتون؟!
لم يجد والدها بُدًا هذه المرة، سوى أن يُسرَّها ببعض الحقيقة المبتورة، ربما تدريجيا؛ حتى لا يفقدها للأبد:
-طارق لم يتناول أي طعام في جوفه منذ دخولك المشفى، حتى فقد الوعي تماما، مما استلزم أن يلزم العناية الفائقة تحت الملاحظة..
لم تقتنع كليا بتبرير والدها غير المنطقي، ظهر ذلك.جليا في نبرات صوته، والتفاتته بعيدا عنها وهو يحادثها.
جاءها الطبيب يحمل بشرى تعافيها، مبتسما لها قائلا:
- ماشاء الله تحسنت حالتك الصحية كثيرا، لم يتبق لك هنا سوى بضع ساعات، لاستكمال الجرعة الأخيرة من العلاج..
-دكتور أين طارق الدريني الآن؟
-طارق ملقىً في الحجر الصحي، حيث أظهرت التحاليل إصابته بفيروس الكورونا..
صرخت كأنها تحارب عدوا في الخفاء يراها من حيث لا تراه، يطعنها في فؤادها، مرتين،  فلا تكاد تدفن أحزانها، بعد فلذتيها، حتى يعاجلها بطعنة جائحة..
-ياااااااااالله!!! يارب، ماذا صنعتُ؛ لتصيبني في أحبتي؟!
لطفك يا رب العباد،  اللهم رحمتك، اللهم اعف عني، وارحم ضعفى، وقلة حيلتي، وهواني..
حاول الجميع تهدئتها؛ خشية أن تنتكس من جديد، فتكون القاضية..
عانقتها أمها، محاولة كبح جماح عبراتها، غير أن غزارة الأحزان حالت دون ذلك:
-بنيتي لا تمزقي قلبي، لا تحطمى فؤادي، أتوسل إليك، أنا أموت لأجلك ألف مرة في اليوم..
نظرت نادين إلى الطيب، وفاجأته بمطلب أقرب إلى اللامنطق:
-أريد أن أرافقه.
-أين، ومتى، وكيف؟  هذا مستحيل، الرجل في حجر صحي، من يقترب منه يصب بالفيروس، لا نجاة له ولا من يقترب منه،
-سأوقع على إقرار بإرادتى لمرافقته.
-هذا جنون، مستحيل أن ألقي بك إلى الهلاك المحتوم.
-إن لم تسمح لي بذلك، سألقي بنفسي من شرفة الغرفة، وستتحمل أنت ذلك..
-أنت مجنونة..
لم يكمل جملته، إلا وهرولت ناحية الشرفة كثور هائج، لم ير من ألوان الحياة، سوى اللون الأحمر القانى؛ لتنفذ ما هددت، إلا أن أخاها وأباها كانا أسرع منها، فطوقاها، وأعاداها إلى الداخل.. حدث هرج ومرج وصخب شديد، استدعى مدير المستشفى، أن يتوجه ناحية هذه الفوضى، وقد قص عليه الطبيب ماحدث...
كان المدير أكثر رحمة  من هؤلاء، فسمح لها بما يخالف دستور الحياة، قبل دستور الطب، آمرا الأطباء باتخاذ كافة الإجراءات الوقائية، وتعقيمها جيدا؛ حتى لا تصاب بهذا القاتل الصامت، ففعلوا مكرهين، ومن ثم دخلت الحجر مرافقة له، فصاروا ثلاثة، هي وهو والفيروس..
وجدته مسجىً شطر قبلة اللاعودة، ربما أخَّرَ ساعة الانطلاق؛ انتظارا لأن يلقى نظرة وداع لأحد المودعين المقربين، يقينا لم يفقد الأمل من أن يلحق به قبل النداء الأخير..
بدا على وجهه وملامحه كل أعراض الفيروس من شحوب واصفرار ورشح وسعال واحمرار للعينين، وارتفاع حرارة حد الحمى، والتي صهرت دمائه، فأحدثت فوضى في خريطة سيرها،  فلم تعد تدري وجهتها،  حيث انسحب شرطى مرورها، معلنا التسليم.. رغم تلك المقدمات للنهايات،  إلا أنه في سكرته التي سبقت غمراته الأخيرة،  سمع صوت ابتهالاتها، ودعائها وتوسلاتها،  وقطرات دموعها السائلة وكأنها تحفر مجرى لنهر من الرجاء، تبعتها بدفقات قلب يدق بأعلى صوت، وكأنه يعلن عن آخر معاقل المقاومة..في هذه اللحظة،تناثرت كل أمانيها، وتبعثرت، ثم جمعتهن في أمنية واحدة، ارتجفت يداها، وحشرج صوتها؛ منكسة رأسها إلى أسفل؛ معلنة ألّا ملاذ إلا الله؛  مناجية له بصوت مخنوق بالعبرات الساخنة:
اللهم انظر إلىّ، أنا تلك الأمة الذليلة، لم يعد لي إلا اللجوء إليك، اللهم أعلم أنه لا ملجأ منك إلا إليك، اللهم إنك أصبتني في فلذتيّ، فحمدتك واسترجعت، ودعوتك كما علمتني، اللهم إني أدعوك باسمك الأعظم، أن تنظر إلي بعين الرحمة، اللهم لا يرد القضاء إلا أنت، اللهم أنني أرضى بقضائك، يارحيم السموات والأرض، ارحم ه اني وضعفي..
وهي في توسلاتها وقربها من الله،  كانت الإجابة أسبق من الدعاء.
.......... يتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

🧚لحظة🧚كلمات الشاعرة/ صفاء الخواجة

 😢لحظة😢 سأبحث عنك مابين الشقوق وفوق الصخور وبين العدم يالحظة حنان طواها الزمان  فباتت بسقم تعاني الندم *** 😢بقلمي/ صفاء الخواجة 😢