روايتي " اعترافات ظل " ج٢٠
حلم أسطوري
طلبت حصة من نادين أن تتناقش معها كنوع من الشورى لأمر ما، فرحبت قائلة:
-أمي الروحية لا تشور بل تأمر.
-إذًا سأتحدث معك بكل شفافية، لا تبدو علاقتك بطارق مريحة دونما رابط.
-ماذا تعنين؟!
- دعيني أسألك أولا ما شعورك نحوه؟
-شعوري!! لم يعد طبيعيًا، بل أشعر أنني كنت مجرد قطعة معدنية صلبة.. نعم صلبة، ولكن بقربه مني، مغنطَ كل حواسي، فأحالني إلى مغناطيس قوى ذي قطب وحيد، يميل وفقط صوب مجاله القوي..أصْدُقُكِ القول: ربما في بدء علاقتي به، كنت متحفظة نوعا، لكنه أجبرني وأيقظ كل مشاعري الخامدة
ببركانه الذي مافتئ يرسل لهيب العشق، فإذا بي تنهار دفاعاتي وأسوار ترددي العالية.. حسنًا أحببت حبه واحتواءه لي، أراه كأبي عطوفًا، وكأخي سندًا، وكابني اقبالا، وككل رجال الكون حياة..أحبه يا حصة.. نعم أحبه.
- هل طلب الاقتران بك؟
-نعم، بل ويستحثني أن أنهي مرحلة التردد تلك..
-أتثقين في حكمتي، ورؤيتي ورويتي، وفلسفتي في الحياة؟
-بلى.. فأنت مثلي الأعلى،
- حسنًا..دعينا ننهي هذا الجدل..
- كيف؟
-نعقد قرانك على طارق في أقرب فرصة، فخير البر أعجله..
- تعلمين أننا نعيش في مجتمعات شرقية، لا تتخذ قرارات فردية دون الرجوع للأصول أعني العائلة، وخاصة إذا كان الأمر يتعلق بالأنثى، وهناك إجراءات تقليدية، ستطول، ومن ثم العودة لمصر، وإتمام عقد القران والزفاف وسط جو عائلي دافئ، وهذا لا يبدو في القريب العاجل.
- لدي اقترح جيد..
- هيا، بشريني.
- تعرضين أمر الارتباط الأولي على أسرتك، في حفل خطبة هنا، وعندما تعودين إلى مصر في إجازتك النصف سنوية، يتم الزفاف، وأعتقد أن أسرتك متحضرة، ولن تمانع، فهذه مجرد شكليات، فضلا عن أنك غادرت مرحلة القيود الأسرية منذ زمن، فلم تعودي تلك الفتاة التي تعتمد على وليها في كل أمورها.
- سأحاول ولنر نتيجة ذلك..
وكأنها كانت تتنتظر من يوجه شراعها تجاه رياح تحبها وترغب في أن تهب، فتدفع حيرتها وسكونها، صوب مرسى سعادتها...
هاتفت أختها" رفاق" الأصغر منها بعقد من الزمان، فرحبت وتحمست، ثم واصلت عرض الأمر على "كريم" أخيها الأقرب إلى منطقها، فلم يجد غضاصة في ذلك، ووعدها أن يقنع والديها، وحسنًا فعل، حيث لم يعارضا رغبتها، شرط أن يحضرا الحفل..
أسرَّت نادين هذا الخبر السار إلى رفيقها، فما كان منه إلا أن احتضنها بلا وعي، وطار بفراشته الخفيفة ثلاث دورات؛ تعبيرا عن فرط سعادته..
لم تنم تلك الليلة، من فرط سعادتها، خوفا من أن يهاجمها أحد أحلامها الذي لطالما ينقلب شطره الآخر إلى كابوس مرعب.. تتمنى ألا يكون واقعها الآني حلما مبتورا كسابقيه.. ظلت على حالهاساعات، حتى غلبها النوم، فنامت كأميرة وسط بستان من الأزاهير، تخال نفسها فراشة تتزين بجميع ألوان الفراشات؛ لاستقبال ملك الفراشات، يحيطها أترابها من الفراشات الجميلات، لكن هيهات أن يقتربن من عرشها، فهي الأميرة، التي جمعت شطر الجمال وشطر السحر..رأت في ذلك الحلم المدهش أن حصة قد قامت بتجهيز كل شيء على نفقتها الخاصة، فحجزت جناح الملكات في فندق الأميرة ديانا المطل على الخليج العربي، وهو أشهر الفنادق العالمية في الكويت، بجناحه الملكي المخصص للاحتفالات الكبرى، للشخصيات المشهورة في الكويت. وتعاقدت مع فرقة الجهراء الموسيقية، والفنانة نوال شيخة الغناء الخليجي، بالإضافة لبعض فناني الكويت المشهورين ..
حضر جميع الأهل، وكانت مفاجأة أن تحضر سهام ودنيا صديقتاها المقربتان، فاكتملت فرحتها..
بدا طارق كنجم سينمائي؛يتهيأ لأول تجربة، وحتمًا ستكون الأخيرة، فلن يتقبل أن تشاركه البطولة فيما هو قادم سوى بطلة واحدة، لا يعدلها كل نجمات هوليود، وكيف لا وسموها، تحوز أوسكار أفضل روح وريحان،
اصطحب زكريا- الأب- كريمته إلى حيث طارق، الذي طبع قبلة بروتوكوليه على ظاهر كفها الأيمن وكأنه يعترف لها بإنقاذه من نهاية مأساوية كانت ستودى به يوما قريبا إلى ضياع محتوم، لولا هبوب رياحها التي هبت فوهبت الغيث الذي أنبت عوده اليابس؛ فاخضر بعد جفاف وجفاء.. ثم تابع تقاليد البروتوكول، بأن قبَّلَ جبينها قبلة نسي بها بعضا من وقاره، ومن ثم هبط قليلا إلى قاعدة فتنتها، فقبل شفتيها الصغيرتين اللتين تشعان سحرا وجاذبية، وهنا سقط من ذاكرته العصفورية كل ما قرأه عن بروتوكولات اللقاء الأول..وكانت القبلة عميقة بشكل أغراه بالاستمرار غير عابئ بتلك العيون المتلصصة، فتفاعلت معها نادين، ولم يفيقا.إلا على أصوات الصفير والتصفيق الصاخب من قِبل الحضور...
أعطت نادين ظهرها لمجموعة من الفتيات الفاتنات، ورفعت يديها الممسكتين بحزمة من الياسمين، وألقتها خلفها دونما هدف محدد، وهن يتسابقن ويتدافعن تدافع الجوعى إلى وجبة لا تسمن ولا تغني من جوع، اللهم واحدة ستسُدُّ بها رمقها وشهيتها كتفاؤل بالزواج، حسب رواية أسطورية، لا يعلمن من ابتدعها، ولكنهن يمارسن طقوس البدعة بحب، وربما بعقيدة .. اندفعت الفاتنات يجرين للحاق بالورود، فلم يشعرن سوى بأنفسهن، وقد سقطن جميعا ف المسبح، والغريب في الأمر أن حزمة الورود اختارت طريقها بحركة معاكسة لقوانين الطبيعة، لإحدى النساء السبعينيات، التي رفعت يديها بحماسة العشرينية؛ معلنة فوز حظها الذي جاءها بعد الفوات بعقود..
انفجر المكان بالتهليل والتصفيق؛ إعجابا بالعجوز المتصابية، والسخرية من فتيات عجائز..
عزفت الفرقة الموسيقية لحنا كلاسيكيا، وهمس أحد العازفين في أذني طارق ونادين، فأحاط طارق خصر نادين النحيف بكلتا يديه، ورفعت نادين يديها لتحيط بهما عُنقه من الخلف، وتراقصا رقصة حالمة، رقصةً مهدت لما هو آت..
توالت الفقرات وكانت أجملها فقرة الفنانة نوال، التي أشعلت الأجواء، فغيرت من الكلاسيكية المفرطة، إلى جو من أغاني المهرجانات، فاختلط حينها الحابل بالنابل، لفترات لم يشعر بها الحضور..
سمعت صوت عصافير توقظها من فردوسها، كان صوت المنبه، أن أفيقي فقد.حاوزت العاشرة صباحا..
تمنت أن يدوم ذلك الحلم؛ فما أجمله من حلم مامل غير مبتور، فهل سيظل مجرد حلم في فراش المستحيل؟!!!
........... يتبع
رضا يونس
-
حلم أسطوري
طلبت حصة من نادين أن تتناقش معها كنوع من الشورى لأمر ما، فرحبت قائلة:
-أمي الروحية لا تشور بل تأمر.
-إذًا سأتحدث معك بكل شفافية، لا تبدو علاقتك بطارق مريحة دونما رابط.
-ماذا تعنين؟!
- دعيني أسألك أولا ما شعورك نحوه؟
-شعوري!! لم يعد طبيعيًا، بل أشعر أنني كنت مجرد قطعة معدنية صلبة.. نعم صلبة، ولكن بقربه مني، مغنطَ كل حواسي، فأحالني إلى مغناطيس قوى ذي قطب وحيد، يميل وفقط صوب مجاله القوي..أصْدُقُكِ القول: ربما في بدء علاقتي به، كنت متحفظة نوعا، لكنه أجبرني وأيقظ كل مشاعري الخامدة
ببركانه الذي مافتئ يرسل لهيب العشق، فإذا بي تنهار دفاعاتي وأسوار ترددي العالية.. حسنًا أحببت حبه واحتواءه لي، أراه كأبي عطوفًا، وكأخي سندًا، وكابني اقبالا، وككل رجال الكون حياة..أحبه يا حصة.. نعم أحبه.
- هل طلب الاقتران بك؟
-نعم، بل ويستحثني أن أنهي مرحلة التردد تلك..
-أتثقين في حكمتي، ورؤيتي ورويتي، وفلسفتي في الحياة؟
-بلى.. فأنت مثلي الأعلى،
- حسنًا..دعينا ننهي هذا الجدل..
- كيف؟
-نعقد قرانك على طارق في أقرب فرصة، فخير البر أعجله..
- تعلمين أننا نعيش في مجتمعات شرقية، لا تتخذ قرارات فردية دون الرجوع للأصول أعني العائلة، وخاصة إذا كان الأمر يتعلق بالأنثى، وهناك إجراءات تقليدية، ستطول، ومن ثم العودة لمصر، وإتمام عقد القران والزفاف وسط جو عائلي دافئ، وهذا لا يبدو في القريب العاجل.
- لدي اقترح جيد..
- هيا، بشريني.
- تعرضين أمر الارتباط الأولي على أسرتك، في حفل خطبة هنا، وعندما تعودين إلى مصر في إجازتك النصف سنوية، يتم الزفاف، وأعتقد أن أسرتك متحضرة، ولن تمانع، فهذه مجرد شكليات، فضلا عن أنك غادرت مرحلة القيود الأسرية منذ زمن، فلم تعودي تلك الفتاة التي تعتمد على وليها في كل أمورها.
- سأحاول ولنر نتيجة ذلك..
وكأنها كانت تتنتظر من يوجه شراعها تجاه رياح تحبها وترغب في أن تهب، فتدفع حيرتها وسكونها، صوب مرسى سعادتها...
هاتفت أختها" رفاق" الأصغر منها بعقد من الزمان، فرحبت وتحمست، ثم واصلت عرض الأمر على "كريم" أخيها الأقرب إلى منطقها، فلم يجد غضاصة في ذلك، ووعدها أن يقنع والديها، وحسنًا فعل، حيث لم يعارضا رغبتها، شرط أن يحضرا الحفل..
أسرَّت نادين هذا الخبر السار إلى رفيقها، فما كان منه إلا أن احتضنها بلا وعي، وطار بفراشته الخفيفة ثلاث دورات؛ تعبيرا عن فرط سعادته..
لم تنم تلك الليلة، من فرط سعادتها، خوفا من أن يهاجمها أحد أحلامها الذي لطالما ينقلب شطره الآخر إلى كابوس مرعب.. تتمنى ألا يكون واقعها الآني حلما مبتورا كسابقيه.. ظلت على حالهاساعات، حتى غلبها النوم، فنامت كأميرة وسط بستان من الأزاهير، تخال نفسها فراشة تتزين بجميع ألوان الفراشات؛ لاستقبال ملك الفراشات، يحيطها أترابها من الفراشات الجميلات، لكن هيهات أن يقتربن من عرشها، فهي الأميرة، التي جمعت شطر الجمال وشطر السحر..رأت في ذلك الحلم المدهش أن حصة قد قامت بتجهيز كل شيء على نفقتها الخاصة، فحجزت جناح الملكات في فندق الأميرة ديانا المطل على الخليج العربي، وهو أشهر الفنادق العالمية في الكويت، بجناحه الملكي المخصص للاحتفالات الكبرى، للشخصيات المشهورة في الكويت. وتعاقدت مع فرقة الجهراء الموسيقية، والفنانة نوال شيخة الغناء الخليجي، بالإضافة لبعض فناني الكويت المشهورين ..
حضر جميع الأهل، وكانت مفاجأة أن تحضر سهام ودنيا صديقتاها المقربتان، فاكتملت فرحتها..
بدا طارق كنجم سينمائي؛يتهيأ لأول تجربة، وحتمًا ستكون الأخيرة، فلن يتقبل أن تشاركه البطولة فيما هو قادم سوى بطلة واحدة، لا يعدلها كل نجمات هوليود، وكيف لا وسموها، تحوز أوسكار أفضل روح وريحان،
اصطحب زكريا- الأب- كريمته إلى حيث طارق، الذي طبع قبلة بروتوكوليه على ظاهر كفها الأيمن وكأنه يعترف لها بإنقاذه من نهاية مأساوية كانت ستودى به يوما قريبا إلى ضياع محتوم، لولا هبوب رياحها التي هبت فوهبت الغيث الذي أنبت عوده اليابس؛ فاخضر بعد جفاف وجفاء.. ثم تابع تقاليد البروتوكول، بأن قبَّلَ جبينها قبلة نسي بها بعضا من وقاره، ومن ثم هبط قليلا إلى قاعدة فتنتها، فقبل شفتيها الصغيرتين اللتين تشعان سحرا وجاذبية، وهنا سقط من ذاكرته العصفورية كل ما قرأه عن بروتوكولات اللقاء الأول..وكانت القبلة عميقة بشكل أغراه بالاستمرار غير عابئ بتلك العيون المتلصصة، فتفاعلت معها نادين، ولم يفيقا.إلا على أصوات الصفير والتصفيق الصاخب من قِبل الحضور...
أعطت نادين ظهرها لمجموعة من الفتيات الفاتنات، ورفعت يديها الممسكتين بحزمة من الياسمين، وألقتها خلفها دونما هدف محدد، وهن يتسابقن ويتدافعن تدافع الجوعى إلى وجبة لا تسمن ولا تغني من جوع، اللهم واحدة ستسُدُّ بها رمقها وشهيتها كتفاؤل بالزواج، حسب رواية أسطورية، لا يعلمن من ابتدعها، ولكنهن يمارسن طقوس البدعة بحب، وربما بعقيدة .. اندفعت الفاتنات يجرين للحاق بالورود، فلم يشعرن سوى بأنفسهن، وقد سقطن جميعا ف المسبح، والغريب في الأمر أن حزمة الورود اختارت طريقها بحركة معاكسة لقوانين الطبيعة، لإحدى النساء السبعينيات، التي رفعت يديها بحماسة العشرينية؛ معلنة فوز حظها الذي جاءها بعد الفوات بعقود..
انفجر المكان بالتهليل والتصفيق؛ إعجابا بالعجوز المتصابية، والسخرية من فتيات عجائز..
عزفت الفرقة الموسيقية لحنا كلاسيكيا، وهمس أحد العازفين في أذني طارق ونادين، فأحاط طارق خصر نادين النحيف بكلتا يديه، ورفعت نادين يديها لتحيط بهما عُنقه من الخلف، وتراقصا رقصة حالمة، رقصةً مهدت لما هو آت..
توالت الفقرات وكانت أجملها فقرة الفنانة نوال، التي أشعلت الأجواء، فغيرت من الكلاسيكية المفرطة، إلى جو من أغاني المهرجانات، فاختلط حينها الحابل بالنابل، لفترات لم يشعر بها الحضور..
سمعت صوت عصافير توقظها من فردوسها، كان صوت المنبه، أن أفيقي فقد.حاوزت العاشرة صباحا..
تمنت أن يدوم ذلك الحلم؛ فما أجمله من حلم مامل غير مبتور، فهل سيظل مجرد حلم في فراش المستحيل؟!!!
........... يتبع
رضا يونس
-

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق