الجمعة، 13 مارس 2020

كتب اللستاذ/ رضا يونس ج 24 من روايته ... إعترافات ظل ...

روايتي " اعترافات ظل "ج٢٤
موت الموت
الوقت ينفذ، لم يعد هناك متسعا هيا اطوِ الطريق طيَّا، أتوسل إليك ..
 زاد قلق نادين، فهرولت تعدو ببدنها دون روحها، التي سبقتها إلى أفكار كلها مظلمة وظالمة.. يقينا كريمة قد سقطت من شرفة المنزل،  أو  أصابها ماسٌّ كهربائي،  ولربما غرقت  في المسبح،  أيكون زكريا قد صدمته حافلة،  لالا..  يبدو أنه قد أصيب بذبحة صدرية،  فقد اشتكى ذات مرة بضيق في تنفسه..
-يارب أغثني، اللهم لا أشتكى إلا لك،  ولا ملجأ منك إلا إليك..
طارق يهدئ من روعها:
-إن شاء سيكون خيرا، اطمئني واهدأي.
-كيف أهدأ، ولماذا أطمئن، والقدر يعاجلني في فلذتاي.. يارب هوِّنْ هوِّنْ،  لطفك يا رحيم، يا مغيث أغثني.. يا مغيث أغثتي.
عاود الهاتف بنغمة حصة المميزة:
-توجهي إلى مشفى الرازي بشارع سالم الصباح بأقصى سرعة.
لم تعلق ولم تنطق سوى بجرعات زائدة من دموع لم تذقها من قبل،  فتلك الدموع هي أغلى ما ذرفته عيناها،  فهي مُصَفَّاةٌ من كل خلية حب لفلذتيها..
ازداد قلقها، واضطربت ضربات قلبها، وتزلزلت كل سواكنها، وأصاب هدوءها بركان كان يعمل في الخفاء، خلف ستار السعادة، يالله!! من أقصى سماوات السعادة إلى أقصى حضيض الألم، كيف حدث هذا من النقيض إلى النقيض، دونما المرور تدريجيا إلى حيث النكسة والانتكاسة.
دخلا المشفى،  وكانت حصة في استقبالهما.. جرت نحوها ثم عانقتها عناقا طويلا،  لا يوحي بخير، رغم أنه عناق حصة،  التي لطالما جاء بكل خير..
وجدت فريقا من الأطباء المعالجين والذين يتقدمهم الطبيب الألماني يحدثها بلغة ألمانية، لا تجيدها فترجمها لها طارق ترجمة فورية:
-طفلاك أصيبا بفيروس كورونا، نحن نفعل المستحيل لإنقاذ روحيهما، ولكن للحقيقة لايبدو الأمر مبشرا، فعلنا كل ما تعلمناه من قواميس الطب،  لم يتبق سوى الابتهال إلى الله؛  لإنقاذهما..
بصدمة أقرب إلى الضربة العنيفة التي هزت كل كيانها..
-كوروونا!!!!!
تعلم علم اليقين مما سمعته وتابعته في الأيام القريبة الفائتة، أن هذا الفيروس قد اجتاح العالم في خلال أيام قلائل، لم يترك خلالها أخضر ولا يابس حتى قضى عليه، فهو كالنار سرى في هشيم العالم الضعيف، ولم يذر دولة ولا دويلة إلا وعبرها بغير تأشيرة دخول، فهو خفي لايُرى، صغير لا يُلحظ، قاتل صامت، يهاجم، فلايفرق في هجومه بين صغير وكبير، أو رئيس ومرءوس، أوسيد وعبد، فالجميع أمامه سواء، يحصد من الأرواح ما يروق له دونما رحمة.. بدأت بؤرة هذا اللعين في مدينة " ووهان " وسط الصين، والتي يقطنها أحد عشر مليون نسمة، حصد فيها عشرات الآلاف في ساعات قلائل، وكان الخارج من تلك المدينه؛  ينقل معه الفيروس كحاضن يسلمه لعشرات، فيقومون هم  ببعث الموت في آلاف وربما ملايين، والأدهى أن العلماء لم يتوصلوا لمصل أو عقار يقضي على ذلك الوحش الآثم.
يبدو أن الطفلين قد أصيبا في الرحلة الأسيوية الأخيرة إلى اليابان، تذكرت نادين موقفا لربما كان هو سبب العدوى بهذا الوباء..
وقت مراسم توزيع الكئوس والميداليات على أصحاب المراكز الأولى، وقد حصل فريق " شنغهاي شينهوا" الصيني على المركز الثالث، وأثناء مرور  عضوات الفريق لاستلام الميداليات البرونزية، توقفت إحداهن أمام الطفلين، وعانقتهما وقبلتهما، وما عارضا، بل كانا سعيدين بذلك،  وطلبت اللاعبة صورة تذكارية فالتقطت نادين بيديها تلك الصورة، وما تزال هذه الصورة على هاتفها، أيكون مصدر الفيروس هنا؟!
أفاقت على صوت الطبيب يطلب منها ارتداء الكمامة لإلقاء نظرة لربما كانت الأخيرة على الروحين البريئتين، فارتدتها، ودخلت متثاقلة تجر أقدامها جرا، ياالله!!! احمرار في عينيهما، سعال، وعطس، وشحوب، واصفرار، وذبول، وصدريهما يعلو ويهبط مأنهما في سباق محموم نخو خط النهاية، حتما سيصلان قريبا إلى الخط، ولكن من منهما سيكون أكثر خفة ورشاقة؛ ليصل قبل أخيه..
حاول الطبيب أن يخرجها في عذا التوقيت الصعب؛ لكنها توسلت إليها جاثية على قدميها، ليتركها تحضر مؤدبة ذلك الوحش وهو يلتهم آخر أنفاسهما، وهي بلا حول ولا قوة سوى، أنها تنظر إلى السماء مرة، وإلى فلذتيهامرة أخرى، ويتبع ذلك سيلا من دموع، لو تجولت في صحراء، لأغدقتها، وأنبتتها حزنا وضياعا..
وملهي إلا دقائق، حتى فاضت روح زكريا، لم يتحمل جسده النحيل سهام الفيروس التي هاجمته من كل خلية، فأردته..ومن ثم أغمض عينيه؛ مبتسما،  وكأنه يقول لا تحزني يا أماه، سألقاك هناك؛ لأكون ولدك المخلد، فآخذ بيديك إلى حيث رضوان..
وهى تسِحُّ الدمع سحًّا، فلم يبق من ماءها سوى الدماء، وهاهي تريقها، فقد تبعته كريمة، إلى حيث الولدان المخلدين، فلم تدر نادين إلا وقد فارقها وعيها إلى حيث لا تريد العودة، لتمنت أن ترافقهما، إلى مثواهما، فما للحياة حياة دونهما.
أفاقت بعد يومين، ورأت كل الوجوه أمامها، يعرفونها، لكنها لا تعرفهم، فقد غادرتها ذاكرتها، إلا من كريمة وزكريا، قامت من مرقدها، طلبت من الحضور،  تجهيز جثماني الطفلين، والإسراع بإجراءات السفر والعودة إلى مصر.
.........يتبع
رضا يونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

🧚لحظة🧚كلمات الشاعرة/ صفاء الخواجة

 😢لحظة😢 سأبحث عنك مابين الشقوق وفوق الصخور وبين العدم يالحظة حنان طواها الزمان  فباتت بسقم تعاني الندم *** 😢بقلمي/ صفاء الخواجة 😢