الخميس، 19 مارس 2020

كتب الأستاذ/ رضا يونس ج26 من روايته ... إعترافات ظل ...

روايتي " اعترافات ظل"ج٢٦
انهيار المقاومة
بدا على طارق الانهيار النفسي، فقضى على تماسكه البدنى.. فقد شهيته تماما للحياة، وفقد معها عشرين كيلوجراما إضافية من وزنه؛ بيد أن الحمية هذه المرة، بإرادة لسبب نقيض الأول..انهزمت أعمدة انتصاب لحمه على عظام وجهه حتي بدت تجاعيدها، وكشفت الغطاء عن عظام مسكينة، لا حول لها ولا قوة،  فاستسلمت لذلك الغزو دونما سلاح مقاومة..  أصابه ذبول وشحوب،  ومن ثمَّ دُوَارٌ يغيبه ثوان عن وعيه،  فيقاوِمُ ذاك المُغيِّبَ؛  خشية أن تسبقه نادين إلى حيث لا عودة،  ليعود بعض وعيه، فيسأل عنها،  لعل حاديا من بعيد يقول له:  يا بشرى هذه نادين قد عادت من سفرها.. لايريد أن يتخلى عنها ولو وجدانيا.. حاول الجميع إجباره على أن يفحصه الطبيب،  فما استجاب..
رفض اتخاذ  أيَّ إجراءٍ طبيٍّ بشأن انهياره،  حتى يَسْكُنُ قلبه، ويهدأ يقينه بخبر،  يبعث في وتينه الحياة من جديد،  وهاهو النبأ العظيم يأتيه مبشرا ومستبشرا.. كان صوت الممرضة وهي تهرول تجاهه رغم اجتماع أولى القربى منها وأصحاب الدرجات الأُوَل.. يبدو أن الممرضة أشفقت على هذا العاشق  الولهان،  فأرادت أن تكون سببا في نجاته..
-كابتن طارق أبشر فقد أفاقت أميرتك من غيبوبتها،  وحركت جفنيها، وأطرافها،  هنيئا لك يا أيها الرجل الذي لا مثيل له، وهنيئا لها أن اصطفاها الله بك، يا مصطفى العاشقين..
في هذه اللحظه، انهارت قوى المقاومة؛ ليعلن الغازي السيطرة على مركز  الوعي المقاوم..فقد كل إحساس بالبقاء، كأمٍّ أُصٍيبت بالخبيث، وهي تحتضن نطفتها،فرفضت، أن تتخلص منها، لتخلُصَ بها إلى الحياة،واختارت أن تقاوم حتى تُهدي الحياةَ لذلك الجنينُ الرابض في شرايبنها، عانت سكرات الموت في لحظات ميلاده، لكنها أجلت المغادرة راضية مرضية؛ حتى تهب الحياة من الموت..
سقط غائبا مغشيا عليه، نُقل فورا إلى الاستقبال، الذي أحاله إلى قسم التحاليل والأشعة، فأظهرت ما خفيَ عنه، وعن الجميع.. أصيب الفتى بهذا الفيروس الوحش-كورونا- الذي يتغذى على دماء البشر، وسعادتهم، فيفرق بين الأحبة، ويحيلُ الأخضر يابسا، ومن ثم يلتهم يبسَهُ..ظل طارق يقاوم بصمود، حتى فقد كل جنود المقاومة، واحدا تلو الآخر..ارتفعت حرارته حتى جاوزت التسعة والثلاثين..نقله الفريق الطبي إلى غرفة إنعاش فردية، معقمة، مع تحذيرات بعدم ملامسته والاقتراب منه، إلا بقدر معلوم.. من جديد ارتفعت حرارته حتى كسرت حاجز الأربعين، وهذه المرة رفضت تلك الحرارة الصاعدة الانصياع إلى كل تاريخ العلم البشري؛ مستجيبة وفقط لذلك الوحش الآثم، الذي يلتهم كل مراكز الصمود والمقاومة؛ ليرفع عما قليل راية النصر، فقد نال منه الوحش كل منال، حتى أيقن الأطباء أن هذا السهم قد نفذ، ويستحيل على المعالجة..وفي هذه اللحظة كانت نادين تتجه صوب الإفاقة والوعي رويدا رويدا، فنظرت في عيون الجميع، وكأنها رأت في إحداهما أمواجا من السعادة، وفي الأخرى، أعاصير من حزن،يالها من تناقضات!!
تفحصت في الوجود، الكل حاضر  إلا موضع..
- أين طارق؟!
صمت الجميع  وأطرقوا برءوسهم مطأطئين.
فعاودت السؤال من جديد:
-ماما أين طارق؟ ولماذا لا أجده بينكم؟
فتناول والدها أطراف الحديث، ليجيبها كاذبا كذبة لاشك بيضاء، فالسواد الحقيقي أن تعلم ما أصاب بقايا حياتها.
- طارق ذهب ليجدد جواز سفره، تعلمين أنه لم يأت إلى مصر منذ عشرين عاما..
ورغم ذكائها الخارق،لكنهااستجابت؛ منهكةً لتلك الإجابة ولم تعلق..
طلب الطبيب من فريقه المساعد أن ينقلوها إلى حجرتها،  بعيدا عن العناية الفائقة،  فهي تتماثل سريعا للشفاء، ولا جدوى من إبقائها هنا..
فقد طارق وعيه الأخير،  واضطربت ذاكرته،  كأنه يرى شريطها عبر شاشة أمامه وخلفه ومن كل محيط، تبعها اضطراب لحظي بما يدور حوله.. مات دماغه.. ماتت خلايا إدراكه.. بدأت ذاكرته في لملة أوراقها وطرد ذكرياته، إلا من ذكرى نادين، فقد بقيت ممتزحة بعظامه التي وفقط ستبقى هيكلا يقاوم ردحا من الزمن؛ بيد أن ذلك اللحم الهرئ سُيذابُ عما قليل ليكون وليمة لمملكة الدود..
ظل ما بين الغيبوبة والألم وموت وظائفه الحيوية، حتى ذلك المانح للشهيق- الأكسجين- أُوصِدَتْ في وجهة كل منافذ العبور، فاختار أن يبحث عن آخر له من العمر شهيق وزفير إلى أجل..
أسكره الملك بشدة، حتى لا يحيد، ثم أتبع السكرة بالغمرة، حتى أنهكه هادم كل لذة، فبلغت منه الحلقوم، لِتَنزِعَ ذلك الغرس من جذور الحياة نزعا..
ياللسر الإلهي!! الذي خفي عن هؤلاء الذين عادوا طارقا في عيادته الأخيرة،  فلم يجدوا لمساعدته في تلك اللحظات الفارقة سوى أن يمطون شفاهم، ويهزون أكتافهم؛ تعبيرا عن عجز  في مواجهة هذا المحتل الغازى، فلا مقاومة، ولا عون، بل دعاء ورحمة!!

................. يتبع
رضا يونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

🧚لحظة🧚كلمات الشاعرة/ صفاء الخواجة

 😢لحظة😢 سأبحث عنك مابين الشقوق وفوق الصخور وبين العدم يالحظة حنان طواها الزمان  فباتت بسقم تعاني الندم *** 😢بقلمي/ صفاء الخواجة 😢