روايتي" اعترافات ظل "ج١٩
تاجر السعادة
تعاهدا على اللقاء في الغد، فور تخلصها من إرهاق السفر..التقيا والشوق يؤزهم أزًا..بدا ذلك واضحًا في لمعة عيني نادين، التي أرسلت سهامًا كيوبيدية، لم تجد دفاعات أرضية لتلك الإشعاعات المتلاحقة، والتي انهارت في مواجهتها دفاعات طارق، التي اتخذت مرغمة وضعية الاستسلام المبكر، فراحت تناجي الشمس في ضحاها، فإذا هي كنجم أكبر، ولمّا أدركتها عن كثبٍ، وجدتها الثريا، وهو الثرى، فأنّى للثرى أن يرتقي منزلة الثريا، بل أنّى للثريا أن تتنازل، فتهبط من علياء عرشها؛ لتتربع على عرش فؤاده..
وجدته مضطربًا، لايدري من أين يبدأ، فشجعته هي باستفتاحها لحوار يجد فيه فُرجة ينفذ من خلالها، ويفك عقدة لسانه المؤقتة...
-أشعر بمعدتي ترسل إشارات الجوع إلى كل أعضائي.
- معدة فراشتي تأمر وعليّ التنفيذ.
- إلى أين ستصحبني يا تاجر السعادة؟
- دعينا أولا نتناول العشاء في مطعم مصري شهير اسمه" بابا عبده" يقدم أشهى المأكولات المصرية..
- الله!! رغم أنني غادرتها منذ ساعات، إلا أنني لا أَمَلُّ مماله علاقة بمصر.
- إذًا هيا بنا إلى بابا عبده..
وصلا شارع المثنى بمنطقة (حولى) الكائن بها المطعم.. كان باب المطعم يشبه باب المتحف المصري.. دلفا إلى الداخل عبر ساحة واسعة صممت على طراز بهو معبد الكرنك الشهير، وفي المنتصف مسلة فرعونية، تتزين برموز وكتابات هيروغليفية، وعلى جانبي البهو لوحات فنية غاية في الإبداع، تحكي تاريخ مشاهير فراعنة مصر عبر العصور، فهذه اللوحة تصور الفرعون "رمسيس الثاني"وهو ينتصر على أعدائه من الحيثيين، وتلك للملك" تحتمس الثالث" وهو يقود إحدى حملاته العسكرية صوب شواطئ البحر المتوسط، وهذه " لأحمس " قاهر الهكسوس، وهذه العجلة الحربية للملك الصبي" توت عنخ أمون " في رحلة صيد برية، وتلك... وتلك..ما هذه؟! لوحة ساحرة لأميرة مصرية، ذات ملامح سمراء نوعا، بملامح أكثر عصرية؟!
وقعت عينا طارق على تلك الأميرة، لكن الكلمات وقفت في فمه، فتلك الفتاة ليست سوى نموذج فرعوني لمعشوقته"نادين"
ربما لا يعرف اسمها، لكنه يدرك جيدا هواها وعينيها وملامحها وخديها وشفتيها اللتين تشبهان حبتي كريز طازجتين..
تسمَّر في مكانه، ينظر للصورة ثم يحرك عينيه دون رقبته تجاه نادين، ثم يكرر ذات الفعل مرارا، فتتسع حدقتاه، وتنسدل شفته السفلى مغادرة العليا، دون سيطرة منها على مقاليد دهشتها..
كانت نادين منشغلة بالجمهور والنادلين، والطريقة العصرية الجذابة لترتيب الموائد، والتي مزجت بلمسة فنية فرعونية قديمة، تعانق الحداثة، فتُشْعِر مرتادي المطعم بالشِّبع المعنوي، بيد أنها تصيبه بالجوع المادي، فتصرخ معدته أن هَلُمَّ إلى الطعام!!
وصلت دهشة طارق لذروتها، فوجد نفسه يهمس في أذني نادين:
- انظري لتلك الصورة جيدا، ودققي ناظريك لملامحها، ثم أخبريني ماذا لاحظت!
نظرت نادين، بيد أنها لم يصبها ما أصاب طارق من اندهاش وحيرة، فقد سبق وأن رأت تلك الأميرة في غرفتها، وبحثت عن اسمها وحكايتها التي أشعرتها ببعض الغرور..
- نعم يا مليكي هذه أميرتك، واسمها عايدة..
- هي أنت.. نفس ملامحك.. روحك تتحرك في جمادها..وكأن هذا الفنان المصري القديم قد عاصرك وخلّد جمالك هنا، ثم ما هذه الرموز الفرعونية المكتوبة أسفل الصورة؟
- دعني أخبرك، هذه الأميرة المصرية (عايدة) التي يحتفل بها موسيقيو العالم من خلال أوبرا عايدة، عشقها فرعون حتى الثمالة، وأمر رسامه الخاص أن يخلِّدَ سحرها على جدران مقبرته ومعبده، وأعطاه تعليمات، بأن يجعلها تنبض بالحياة والحيوية، تلك اللوحة تتخطى الموناليزا جمالا وحياة، وقد قرأت تفسيرا نقديا لأحد الأثريين، يقول إن الفرعون رأى فيها مصر الشابة، التي ما تنفك تمنح أجيالها شبابها الدائم كأم تعطي، ولا تبخل، يراها أبناؤها شابةً رغم عجزهم هم، فما هرمت هي، وما ينبغي لها..
راقه تفسيرها المنطقي الفلسفي، فعادت حدقتاه إلى وضعهما الطبيعي، وشفتاه ليتعانقا من جديد...
صحبهما النادل إلى مكان اختاره هو بعناية، فهو خبير بملامح الزوار، يدرك رغبة كل منهم دون أن يبوح، كان المكان في زاوية خلفية هادئة خافتة الأضوء إلا من شمعات أضافت للمكان سحرا على سحر، وتُصدر من مكان ما موسيقى رومانسية مخدرة لمراكز الحس، فيرتخي عند سماعها كل شيء، بما فيها العقل اليقظ، الذي يرفع راية الاستسلام، لتُبْقِى القلب حيًا، فيسيطر على كل الأعضاء رافعًا راية النصر؛ صاعدًا سلم الشوق؛ ليجلس منفردًا على سدرة منتهاهما..
جاءهما نادلٌ آخر بقائمة الطعام الإلكترونية، ومن خلال شاشة لمس تتغير نوعية الوجبات، حتى يصل الزائر إلى ما يريد، ثم غادرهما ليختارا وجبتيهما..
طلبت نادين من رفيقها أن يختار طعامه المفضل قائلة:
- ماذا تحب من ألوان الطعام؟
-أحب ما تحبين، وسألْتَهِمُ ما تختارينه التهاما، ليسري اختيارك في عروقي، ويسكن خلاياي..
مبتسمة ابتسامة توحي بالرضا التام:
-إذًا سأختار وجبة شعبية، لطالما سمعت عنها في الأساطير، ومنعني من تجربتها أنها تدمر كل مصدات ومقاومات الدايت..
لكنني أشعر برغبة غريبة في الإقبال على الطعام وأنا برفقتك، فَاسمح لي أن أعيش تلك الطقوس البسيطة في معيتك..
- قوديني، فأنا رهن بَوْصَلَتِكِ..
طلبت نادين ملوخيةً بالأرانب، كما طلبت كِرشة ومُمْبار محشوان باللحم المفروم وأعواد القرفة والروزماري والفلفل الحار ذي الرائحة النفاذة التي تخترق الأنف بلا مقاومة؛ فتصيب معدة الجائع في مقتل، ومن ثم تحييه من جديد حين يتذوقها..
وما هى سوى دقائق معدودة، حتى كانت الوجبة جاهزة، محمولة على مائدة متحركة، يقودها طاهٍ بملامح مصرية سمراء، يرتدى زيًا فرعونيًا، فبدت الأجواء كحفل عشاء على شرف أحد الفراعنة.. ياله من مطعم! ويالها من أفكارٍ تجذب السياح، وتوجههم إلى زيارة مصر، من خلال دعاية مجانية في الخارج يقدمها ( بابا عبده)
تناولت نادين الطعام بلا قيود، وبلا تقاليد الرسميات، فنَحَّتْ عنها السكين والشوكة، اللتين تجبران الجائع للسباحة على السطح، دونما الغوص في أعماق مالذ وطاب..
- ياالله! ما ألذ هذه الوجبة! كيف حَرَمْتُ شهيتي تلك الأصالة واللذة؟!
ثم نظرت إلى طارق، فوجدته قابضا كفه، مسندًا بها خدَّهُ الأيسر، مائلا رأسه قليلا، تلمع عيناه ببريق الشروق لذلك الغزو..
- ما بك يا طارق؟ لِمَ لَمْ تتناول طعامك؟
-سأتناول حالًا.
يمد يمناه فيأخذ لُقَيْمَةً يضعها في فيه على طرف لسانه، الذي تذوق ما تذوقته عيناه وقلبه، ثم يعاود التأمل لكل تفاصيل نادين، ولو دققتْ هي لرأت صدره يقاوم قلبه الذي يثور ليخرُجَ من محيطه الكمثري؛ لعله يذوب مع ذرات الأكسجين، ممنيا نفسه أن تنشقه في شهيقها...آآآه من العشق!
انتهت نادين من تناول وجبتها الجديدة القديمة والتي وجدت فيها جاذبية ربما تضعف أمامها فيما بعد، فتعيد الكَرَّة، غير عابئة بتحذيرات مكابح قوامها الفاتن..
أقنعت نفسها أن تمنح حميتها يومًا للحرية وتحطيم القيود حتمًا لن يضير..
نظرت مجددا إلى طارق الذي انصهر، تماما في تأمله لفتاته...
- يبدو أن وحي الشعر بدأ يغشاك..
- نعم.. أشعر بما لم يشعر به قيس وعنترة وكُثَيْر، فأنت تفوقين ليلى سحرا، وعبلة دلالا، وعزة جمالا، يا أجمل نساء الدنيا، يا شطر الجمال الآخر..
- إذًا ستسمعني قصيدة جديدة؟
- لا، بل سأسمعك دقات قلبي وهي تصرخ؛ معلنةً رفع راية العصيان لحكمة وثبات عقلي..
مبدية إعجابها بحديثه العذب:
- كيف تستجمع تلك الحروف؛ لتضمها بعضا إلى بعض، لتشكل ذاك العقد من بستان الكلمات، والتي تبدو لي كغير الكلمات، رغم أنها هي هي نفس الكلمات التي نستخدمها، غير أنك تعيد ترتيبها، وتصويبها بسهم نافذ صوب قلوب من يسمعك، يا أمير القلوب!
منزعجًا:
- لست أميرًا للقلوب، احذري، فالقلوب جمع،
- آه منك يا ملك الرومانسية، أين كنت من قبل؟
-دعيني أبوح لك بسر..
- هيا اكشف لي مخزون أسرارك أيها العميق الرقيق..
- عند غيابك، وقت إجازتك، رأيتك بعيني قلبي، كثانى أجمل نساء الدنيا ..
- أيها العاشق الملهم الماكر، ومن هي الأولى إذًا؟
- هي أنت الآن يا نادين وأنا في محرابك..
-يا ربي! سبحان الخالق الصانع الذي منحك آيات الرومانسية وملَّكَكَ زمامها..
- ألا ترينني عجوزًا هَرِمًا؟
- أنت سيد الشباب، ومعلمهم وملهمهم، وقائدهم، ومخرجهم من ظلمات الجمود، إلى نور العشق..
-لكن ما بيننا في العمر عقدين إلا ثلاث..
- حبيبي.. لقد جربتُ الشباب، كزوجة، وما نالني منهم سوى الضياع..مالديك يا طارق يمنحك شبابًا زاهرًا لا يغادرك، فأنت كالشلال الذي لا ينضب معينه وما ينبغي له....
ثم كانت أعظم مفاجآت حياتها، حيث أخرج طارق من حقيبة يده الصغيرة، صندوقًا مُذهَّبا، فتحه، فإذا هي بخاتم من الألماس، لم تر مثيلا له.. وزادها إبهارًا أن ركع طارق، ناصبا قدمه اليسرى بزاوية قائمة، مائلا بيمناه للخلف بزاوية منفرجه قليلا، ناظرًا إلى الأسفل بإجلال لأميرة الفراشات مبتهلًا:
-هل تقبلين بي شريكا لسفينتك، أحمل عنك شراعها، وأوجهها بإرادتك؟
-لقد فاجأتني أيها الرومانسي البارع.. أقسم أن ما يحدث لي الآن يجاوز آلاف المرات أفلامي الهندية التي أعتنق رومانسيتها، وشكلت فيما مضى وجداني، بل أقسم أنك الآن بطلٌ يغار من رومانسيته" شاروخان "الذي كان يمثل لي قبل قليل رمز الرومانسية ...
ثم مدت إصبعها الخنصر، فما كان من طارق إلا أن ألبسها خاتم السعادة، التي فقدتها وافتقدتها في غيابه، وها هو الخمسيني رومانسيةً، العشريني عشقًا، أستاذها وملاذها في الماضي، وحصنها وكهفها الأخير، الذي جاءها كفارس، يمتطهى صهوة سعادتها.. ها هو يردد:
- منذ أحببتك لم أنتظر الحياة أن تجلب لي الحظ، أو تغمرني، بقوس الفرح، أنا حين أحببتك يا نادين رأيت بك كل ما تتمناه نفسي..
-أما أنا التي كنت من قبلك أبدو من داخلى كامرأة خمسينية، على مشارف الوداع، لم أحبك بعاطفة خمسين أُمًا، بل أحببتك بعاطفة أمٍ واحدة، كانت عقيما لنصف قرن، ثم أنجبت عشقك يامليكي...
يتبع
رضا يونس
-
تاجر السعادة
تعاهدا على اللقاء في الغد، فور تخلصها من إرهاق السفر..التقيا والشوق يؤزهم أزًا..بدا ذلك واضحًا في لمعة عيني نادين، التي أرسلت سهامًا كيوبيدية، لم تجد دفاعات أرضية لتلك الإشعاعات المتلاحقة، والتي انهارت في مواجهتها دفاعات طارق، التي اتخذت مرغمة وضعية الاستسلام المبكر، فراحت تناجي الشمس في ضحاها، فإذا هي كنجم أكبر، ولمّا أدركتها عن كثبٍ، وجدتها الثريا، وهو الثرى، فأنّى للثرى أن يرتقي منزلة الثريا، بل أنّى للثريا أن تتنازل، فتهبط من علياء عرشها؛ لتتربع على عرش فؤاده..
وجدته مضطربًا، لايدري من أين يبدأ، فشجعته هي باستفتاحها لحوار يجد فيه فُرجة ينفذ من خلالها، ويفك عقدة لسانه المؤقتة...
-أشعر بمعدتي ترسل إشارات الجوع إلى كل أعضائي.
- معدة فراشتي تأمر وعليّ التنفيذ.
- إلى أين ستصحبني يا تاجر السعادة؟
- دعينا أولا نتناول العشاء في مطعم مصري شهير اسمه" بابا عبده" يقدم أشهى المأكولات المصرية..
- الله!! رغم أنني غادرتها منذ ساعات، إلا أنني لا أَمَلُّ مماله علاقة بمصر.
- إذًا هيا بنا إلى بابا عبده..
وصلا شارع المثنى بمنطقة (حولى) الكائن بها المطعم.. كان باب المطعم يشبه باب المتحف المصري.. دلفا إلى الداخل عبر ساحة واسعة صممت على طراز بهو معبد الكرنك الشهير، وفي المنتصف مسلة فرعونية، تتزين برموز وكتابات هيروغليفية، وعلى جانبي البهو لوحات فنية غاية في الإبداع، تحكي تاريخ مشاهير فراعنة مصر عبر العصور، فهذه اللوحة تصور الفرعون "رمسيس الثاني"وهو ينتصر على أعدائه من الحيثيين، وتلك للملك" تحتمس الثالث" وهو يقود إحدى حملاته العسكرية صوب شواطئ البحر المتوسط، وهذه " لأحمس " قاهر الهكسوس، وهذه العجلة الحربية للملك الصبي" توت عنخ أمون " في رحلة صيد برية، وتلك... وتلك..ما هذه؟! لوحة ساحرة لأميرة مصرية، ذات ملامح سمراء نوعا، بملامح أكثر عصرية؟!
وقعت عينا طارق على تلك الأميرة، لكن الكلمات وقفت في فمه، فتلك الفتاة ليست سوى نموذج فرعوني لمعشوقته"نادين"
ربما لا يعرف اسمها، لكنه يدرك جيدا هواها وعينيها وملامحها وخديها وشفتيها اللتين تشبهان حبتي كريز طازجتين..
تسمَّر في مكانه، ينظر للصورة ثم يحرك عينيه دون رقبته تجاه نادين، ثم يكرر ذات الفعل مرارا، فتتسع حدقتاه، وتنسدل شفته السفلى مغادرة العليا، دون سيطرة منها على مقاليد دهشتها..
كانت نادين منشغلة بالجمهور والنادلين، والطريقة العصرية الجذابة لترتيب الموائد، والتي مزجت بلمسة فنية فرعونية قديمة، تعانق الحداثة، فتُشْعِر مرتادي المطعم بالشِّبع المعنوي، بيد أنها تصيبه بالجوع المادي، فتصرخ معدته أن هَلُمَّ إلى الطعام!!
وصلت دهشة طارق لذروتها، فوجد نفسه يهمس في أذني نادين:
- انظري لتلك الصورة جيدا، ودققي ناظريك لملامحها، ثم أخبريني ماذا لاحظت!
نظرت نادين، بيد أنها لم يصبها ما أصاب طارق من اندهاش وحيرة، فقد سبق وأن رأت تلك الأميرة في غرفتها، وبحثت عن اسمها وحكايتها التي أشعرتها ببعض الغرور..
- نعم يا مليكي هذه أميرتك، واسمها عايدة..
- هي أنت.. نفس ملامحك.. روحك تتحرك في جمادها..وكأن هذا الفنان المصري القديم قد عاصرك وخلّد جمالك هنا، ثم ما هذه الرموز الفرعونية المكتوبة أسفل الصورة؟
- دعني أخبرك، هذه الأميرة المصرية (عايدة) التي يحتفل بها موسيقيو العالم من خلال أوبرا عايدة، عشقها فرعون حتى الثمالة، وأمر رسامه الخاص أن يخلِّدَ سحرها على جدران مقبرته ومعبده، وأعطاه تعليمات، بأن يجعلها تنبض بالحياة والحيوية، تلك اللوحة تتخطى الموناليزا جمالا وحياة، وقد قرأت تفسيرا نقديا لأحد الأثريين، يقول إن الفرعون رأى فيها مصر الشابة، التي ما تنفك تمنح أجيالها شبابها الدائم كأم تعطي، ولا تبخل، يراها أبناؤها شابةً رغم عجزهم هم، فما هرمت هي، وما ينبغي لها..
راقه تفسيرها المنطقي الفلسفي، فعادت حدقتاه إلى وضعهما الطبيعي، وشفتاه ليتعانقا من جديد...
صحبهما النادل إلى مكان اختاره هو بعناية، فهو خبير بملامح الزوار، يدرك رغبة كل منهم دون أن يبوح، كان المكان في زاوية خلفية هادئة خافتة الأضوء إلا من شمعات أضافت للمكان سحرا على سحر، وتُصدر من مكان ما موسيقى رومانسية مخدرة لمراكز الحس، فيرتخي عند سماعها كل شيء، بما فيها العقل اليقظ، الذي يرفع راية الاستسلام، لتُبْقِى القلب حيًا، فيسيطر على كل الأعضاء رافعًا راية النصر؛ صاعدًا سلم الشوق؛ ليجلس منفردًا على سدرة منتهاهما..
جاءهما نادلٌ آخر بقائمة الطعام الإلكترونية، ومن خلال شاشة لمس تتغير نوعية الوجبات، حتى يصل الزائر إلى ما يريد، ثم غادرهما ليختارا وجبتيهما..
طلبت نادين من رفيقها أن يختار طعامه المفضل قائلة:
- ماذا تحب من ألوان الطعام؟
-أحب ما تحبين، وسألْتَهِمُ ما تختارينه التهاما، ليسري اختيارك في عروقي، ويسكن خلاياي..
مبتسمة ابتسامة توحي بالرضا التام:
-إذًا سأختار وجبة شعبية، لطالما سمعت عنها في الأساطير، ومنعني من تجربتها أنها تدمر كل مصدات ومقاومات الدايت..
لكنني أشعر برغبة غريبة في الإقبال على الطعام وأنا برفقتك، فَاسمح لي أن أعيش تلك الطقوس البسيطة في معيتك..
- قوديني، فأنا رهن بَوْصَلَتِكِ..
طلبت نادين ملوخيةً بالأرانب، كما طلبت كِرشة ومُمْبار محشوان باللحم المفروم وأعواد القرفة والروزماري والفلفل الحار ذي الرائحة النفاذة التي تخترق الأنف بلا مقاومة؛ فتصيب معدة الجائع في مقتل، ومن ثم تحييه من جديد حين يتذوقها..
وما هى سوى دقائق معدودة، حتى كانت الوجبة جاهزة، محمولة على مائدة متحركة، يقودها طاهٍ بملامح مصرية سمراء، يرتدى زيًا فرعونيًا، فبدت الأجواء كحفل عشاء على شرف أحد الفراعنة.. ياله من مطعم! ويالها من أفكارٍ تجذب السياح، وتوجههم إلى زيارة مصر، من خلال دعاية مجانية في الخارج يقدمها ( بابا عبده)
تناولت نادين الطعام بلا قيود، وبلا تقاليد الرسميات، فنَحَّتْ عنها السكين والشوكة، اللتين تجبران الجائع للسباحة على السطح، دونما الغوص في أعماق مالذ وطاب..
- ياالله! ما ألذ هذه الوجبة! كيف حَرَمْتُ شهيتي تلك الأصالة واللذة؟!
ثم نظرت إلى طارق، فوجدته قابضا كفه، مسندًا بها خدَّهُ الأيسر، مائلا رأسه قليلا، تلمع عيناه ببريق الشروق لذلك الغزو..
- ما بك يا طارق؟ لِمَ لَمْ تتناول طعامك؟
-سأتناول حالًا.
يمد يمناه فيأخذ لُقَيْمَةً يضعها في فيه على طرف لسانه، الذي تذوق ما تذوقته عيناه وقلبه، ثم يعاود التأمل لكل تفاصيل نادين، ولو دققتْ هي لرأت صدره يقاوم قلبه الذي يثور ليخرُجَ من محيطه الكمثري؛ لعله يذوب مع ذرات الأكسجين، ممنيا نفسه أن تنشقه في شهيقها...آآآه من العشق!
انتهت نادين من تناول وجبتها الجديدة القديمة والتي وجدت فيها جاذبية ربما تضعف أمامها فيما بعد، فتعيد الكَرَّة، غير عابئة بتحذيرات مكابح قوامها الفاتن..
أقنعت نفسها أن تمنح حميتها يومًا للحرية وتحطيم القيود حتمًا لن يضير..
نظرت مجددا إلى طارق الذي انصهر، تماما في تأمله لفتاته...
- يبدو أن وحي الشعر بدأ يغشاك..
- نعم.. أشعر بما لم يشعر به قيس وعنترة وكُثَيْر، فأنت تفوقين ليلى سحرا، وعبلة دلالا، وعزة جمالا، يا أجمل نساء الدنيا، يا شطر الجمال الآخر..
- إذًا ستسمعني قصيدة جديدة؟
- لا، بل سأسمعك دقات قلبي وهي تصرخ؛ معلنةً رفع راية العصيان لحكمة وثبات عقلي..
مبدية إعجابها بحديثه العذب:
- كيف تستجمع تلك الحروف؛ لتضمها بعضا إلى بعض، لتشكل ذاك العقد من بستان الكلمات، والتي تبدو لي كغير الكلمات، رغم أنها هي هي نفس الكلمات التي نستخدمها، غير أنك تعيد ترتيبها، وتصويبها بسهم نافذ صوب قلوب من يسمعك، يا أمير القلوب!
منزعجًا:
- لست أميرًا للقلوب، احذري، فالقلوب جمع،
- آه منك يا ملك الرومانسية، أين كنت من قبل؟
-دعيني أبوح لك بسر..
- هيا اكشف لي مخزون أسرارك أيها العميق الرقيق..
- عند غيابك، وقت إجازتك، رأيتك بعيني قلبي، كثانى أجمل نساء الدنيا ..
- أيها العاشق الملهم الماكر، ومن هي الأولى إذًا؟
- هي أنت الآن يا نادين وأنا في محرابك..
-يا ربي! سبحان الخالق الصانع الذي منحك آيات الرومانسية وملَّكَكَ زمامها..
- ألا ترينني عجوزًا هَرِمًا؟
- أنت سيد الشباب، ومعلمهم وملهمهم، وقائدهم، ومخرجهم من ظلمات الجمود، إلى نور العشق..
-لكن ما بيننا في العمر عقدين إلا ثلاث..
- حبيبي.. لقد جربتُ الشباب، كزوجة، وما نالني منهم سوى الضياع..مالديك يا طارق يمنحك شبابًا زاهرًا لا يغادرك، فأنت كالشلال الذي لا ينضب معينه وما ينبغي له....
ثم كانت أعظم مفاجآت حياتها، حيث أخرج طارق من حقيبة يده الصغيرة، صندوقًا مُذهَّبا، فتحه، فإذا هي بخاتم من الألماس، لم تر مثيلا له.. وزادها إبهارًا أن ركع طارق، ناصبا قدمه اليسرى بزاوية قائمة، مائلا بيمناه للخلف بزاوية منفرجه قليلا، ناظرًا إلى الأسفل بإجلال لأميرة الفراشات مبتهلًا:
-هل تقبلين بي شريكا لسفينتك، أحمل عنك شراعها، وأوجهها بإرادتك؟
-لقد فاجأتني أيها الرومانسي البارع.. أقسم أن ما يحدث لي الآن يجاوز آلاف المرات أفلامي الهندية التي أعتنق رومانسيتها، وشكلت فيما مضى وجداني، بل أقسم أنك الآن بطلٌ يغار من رومانسيته" شاروخان "الذي كان يمثل لي قبل قليل رمز الرومانسية ...
ثم مدت إصبعها الخنصر، فما كان من طارق إلا أن ألبسها خاتم السعادة، التي فقدتها وافتقدتها في غيابه، وها هو الخمسيني رومانسيةً، العشريني عشقًا، أستاذها وملاذها في الماضي، وحصنها وكهفها الأخير، الذي جاءها كفارس، يمتطهى صهوة سعادتها.. ها هو يردد:
- منذ أحببتك لم أنتظر الحياة أن تجلب لي الحظ، أو تغمرني، بقوس الفرح، أنا حين أحببتك يا نادين رأيت بك كل ما تتمناه نفسي..
-أما أنا التي كنت من قبلك أبدو من داخلى كامرأة خمسينية، على مشارف الوداع، لم أحبك بعاطفة خمسين أُمًا، بل أحببتك بعاطفة أمٍ واحدة، كانت عقيما لنصف قرن، ثم أنجبت عشقك يامليكي...
يتبع
رضا يونس
-

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق