رواية " اعترافات ظل " ج٢٥
الذاكرة المفقودة
عادت الجثامين الثلاثة إلى مصر، اثنان رحلا إلى حياة أخرى، والثالثة إلى بقايا من شهيق وزفير، دونما روح، دونما حياة..
وقفت نادين أمام قبريهما؛ تناجيهما، تحاورهما حوارا حيًا:
- لا يا كوكي، هذه لعبة زيكو، لاتناسب سنك، لقد صرت فتاة كبيرة، ستذهبين قريبا إلى المدرسة
........................................
-نعم، استيقاظ مبكر، دروس يومية، مذاكرة، وتكليفات منزلية..
.......................................
-لااااااا لن يكون لديك الوقت الكافي لترافقيني في التدريب والمباريات..
- ....................................
-اطمئني، سنستمتع بالإجازة الأسبوعية، فهي للعب، والنزهة.. انظري، هذا سيد الكسالى-زكريا- أكل الحلوى ولم يغسل يديه،بعد الأكل..
بُنيَّ أنسيت درس الأمس؟ اغسل يديك قبل الأكل وبعده!
- ......................................
-أعلم أنك غسلتهما قبل تناول الحلوى،ولكنك الآن تتكاسل عن غسلهما مجددا بعد الأكل..
- .....................................
-أها يالذكائك يا أمير الكسالى، قبلتني؛ لتدفعني لمرافقتك،ليكن، هيا إلى حيث المياه، ولكن اعلم أنها المرة الأخيرة، اعتمد على نفسك
كانت تدير معهما حوارا تفاعليًا حيًا، كأنها تراهما، ترقبهما،تعانقهما حياة،تربيهما على عينها، التي تحجرت من الدمع، يبدو أن العاصفة وصلت لذروتها، فقررت أن تهدأ؛ لتلتقط أنفاس رياحها المدمرة، ومن ثم ستعاود توابعها، والتي ستهب من جديد حينما تفيق من غيبوبة وعيها..
أشفق الجميع عليها، حاولوا أن يخففوا عنها بلاءها، الذي هز أركان الأسرة..
أن يضرب القدر أمٌّ في فلذة كبدها، أمر صادم ومروع،فما بالك إن كانت المصيبة أعظم!
وأيُّ قدر هذا الذي خنق الحياة؛ حتى حشرجت؟!
وأيُّ مصيبة حلَّت، فأوقفت قطارها نحو محطاته من السعادة المنفلتة، والذي منذ قليل وصل إلى سرعته القصوى، فظن ألا مكابح تعيق سرعته، التي ارتقت كمركبة فضائية سبحت في فضاءات فسيحة من السعادة!
هاهي تلك المكابح التي كانت تشحذ تروسها منذ سنين، قد جاء وقت تنفيذها لسلطان القدر؛ فصدمت بأنيابها وضروسها تلك الفراشة، ولم تمهلها فسحة من التهيؤ، حتى وإن أمهلتها!
يالهامن حياة! أيُّ حياة تلك التي تكون عناصر بقائها وإبقائها على لائحة الدنيا دفقات من شهيق وزفير منهكين، وبعض لقيمات على هيئة محلول، يغزو شريانها رغما عنها، وإن خُيَّرت وهي واعية، فستختار أن تغلق كل المنافذ أمام غزو الحياة اللاإرادي، وبرغم هذا، قد تقيم تلك اللقيمات صلبها، لكنها لا تقدر على إقامة وعيها، فلم تعد تميز بين أحد من عائلتها ومعارفها، ربما تجاوبت معهم بلاوعي، بكلمة أو شطرها، لكنها لا تدرك ما يقولون ولا ما تقول.. كانت تطرق بنظرها إلى الحائط، إلى لاشيء، ساعات تتبعها بمثلها، حتى يرهقها اللاشيء، ومن ثم يعود إليها الوعي؛ فتناجي صغيريها المقبورين حياة، الخالدين في عرينها ووتينها، ومن جديد إلى اللاشيء..
أشفق والدها على تلك الفراشة التي تحرق أجنحتها، وربما يحترق قلبها ومراكز صمودها، فطلب من طارق أن يقيم معهم، لعل رؤيته تطبب جرحها الغائر، وماهو بجرح؛ بل كل جراح الأحياء اجتمعوا على وليمتها..
لم يعارض، بل كان يستحيي أن يطلب ذلك، حمد الله أن استجاب لدعائه، بأن يكون إلى جانبها، وكان لا يفارقها إلا في ساعات السحر المتاخرة،
وحتى وجود طارق لم يفلح في استرداد ذاكرتها، ومن بعد عافيتها المفقودة..
ليتها تعيد عقارب الزمن إلى ما قبل ذلك الذي هدم اللذات، وأقبر فيها الذات، والملذَّات، لعلها تقاوم، لعلها تبتهل، لعلها تقترب إلى رب القدر، فيتجاوزهما إلى غيرهما، هلاوس تتبعها أخرى، ولكن الناس تدمع بعيونها وتحزن بقلوبها، بينما هي تحزن بعينيها اللتين جُففتا تمامامن مائهما، ويدمع قلبها ولا يجف، وما ينبغي له..
ظلت على هذا الوضع، حتى أصابها هزال، وجفاف شديد، استدعى عيادة طبيب الأسرة لها يوميا، لكنه أشار بأن تنقل إلى المشفى؛ لتكون تحت العناية الفائقة؛ حتى تسترد جزءا من عافيتها، ووعيها، لتجري دماء الحياة في بدنها النحيل من جديد، ولكن من يقدر على إنعاش ذلك القلب الذي قبر مع قلبيهما، من يستطيع استرداد عقلها الذي غادر وعيها، فوجد ذلك الوعي وحشة وغربة،
ظلت في المصحة أحد عشر يوما، تحت العناية الفائقة؛ حتى استعادت عضويا بعض عافيتها، ولئن خُيِّرت بين العودة ونقيضها؛لاختارت اللاعودة..
تجددت حركتها كتروس صدأة، وضعت تحت حمام من الشحم، فأحالت هشاشتها الخشنة إلى الليونة نوعا ما
أحس طارق بأن منافذ الحياة تغلق عليه، فامتنع عن تناول طعامه إلا من، قليل يبقيه للاطمئنان على نادين..
بإرادته امتنع عن البقاء طالما هي غائبة، فما الحياة دون حياتها، وما البقاء دون خلودها، فهي الحياة والخلود.
كان أشد الناس توجعا لفقد الصغيرين، بعد أمهما، كان يراهما كطفليه، بل أقسم أن يعوضهما كل حرمان للأب، الذي ما سأل عنهما منذ عام تقريبا.. كان يبدى أسفه إذا لم يدعوانه: بابا طارق-بل، كان يمنح جائزة عينية قيمة لمن يكررها أكثر من أخيه، فيعود الآخر-كمنافس هزم في الأمتار الأخيرة- بإصرار على الفوز، فيفوز كلاهما،
امتلأ قلبه بحب نادين وفلذتيها، وها قد ضاع كل شيء، الطفلان و نادين وطارق..
إذن فليغادر معهم.
في الوقت الذي كانت تتماثل فيه للشفاء رويدا رويدا، كان طارق يسابق اللاوعي، ليصيرا متساويين، رغم أنه كان دوما السباق، والفائز بحبها، والمتفوق في عشقها، عليه الآن أن يعيد ذلك السباق، ليقوده من جديد، ويتفوق في اللاوعي واللاحياة!
الذاكرة المفقودة
عادت الجثامين الثلاثة إلى مصر، اثنان رحلا إلى حياة أخرى، والثالثة إلى بقايا من شهيق وزفير، دونما روح، دونما حياة..
وقفت نادين أمام قبريهما؛ تناجيهما، تحاورهما حوارا حيًا:
- لا يا كوكي، هذه لعبة زيكو، لاتناسب سنك، لقد صرت فتاة كبيرة، ستذهبين قريبا إلى المدرسة
........................................
-نعم، استيقاظ مبكر، دروس يومية، مذاكرة، وتكليفات منزلية..
.......................................
-لااااااا لن يكون لديك الوقت الكافي لترافقيني في التدريب والمباريات..
- ....................................
-اطمئني، سنستمتع بالإجازة الأسبوعية، فهي للعب، والنزهة.. انظري، هذا سيد الكسالى-زكريا- أكل الحلوى ولم يغسل يديه،بعد الأكل..
بُنيَّ أنسيت درس الأمس؟ اغسل يديك قبل الأكل وبعده!
- ......................................
-أعلم أنك غسلتهما قبل تناول الحلوى،ولكنك الآن تتكاسل عن غسلهما مجددا بعد الأكل..
- .....................................
-أها يالذكائك يا أمير الكسالى، قبلتني؛ لتدفعني لمرافقتك،ليكن، هيا إلى حيث المياه، ولكن اعلم أنها المرة الأخيرة، اعتمد على نفسك
كانت تدير معهما حوارا تفاعليًا حيًا، كأنها تراهما، ترقبهما،تعانقهما حياة،تربيهما على عينها، التي تحجرت من الدمع، يبدو أن العاصفة وصلت لذروتها، فقررت أن تهدأ؛ لتلتقط أنفاس رياحها المدمرة، ومن ثم ستعاود توابعها، والتي ستهب من جديد حينما تفيق من غيبوبة وعيها..
أشفق الجميع عليها، حاولوا أن يخففوا عنها بلاءها، الذي هز أركان الأسرة..
أن يضرب القدر أمٌّ في فلذة كبدها، أمر صادم ومروع،فما بالك إن كانت المصيبة أعظم!
وأيُّ قدر هذا الذي خنق الحياة؛ حتى حشرجت؟!
وأيُّ مصيبة حلَّت، فأوقفت قطارها نحو محطاته من السعادة المنفلتة، والذي منذ قليل وصل إلى سرعته القصوى، فظن ألا مكابح تعيق سرعته، التي ارتقت كمركبة فضائية سبحت في فضاءات فسيحة من السعادة!
هاهي تلك المكابح التي كانت تشحذ تروسها منذ سنين، قد جاء وقت تنفيذها لسلطان القدر؛ فصدمت بأنيابها وضروسها تلك الفراشة، ولم تمهلها فسحة من التهيؤ، حتى وإن أمهلتها!
يالهامن حياة! أيُّ حياة تلك التي تكون عناصر بقائها وإبقائها على لائحة الدنيا دفقات من شهيق وزفير منهكين، وبعض لقيمات على هيئة محلول، يغزو شريانها رغما عنها، وإن خُيَّرت وهي واعية، فستختار أن تغلق كل المنافذ أمام غزو الحياة اللاإرادي، وبرغم هذا، قد تقيم تلك اللقيمات صلبها، لكنها لا تقدر على إقامة وعيها، فلم تعد تميز بين أحد من عائلتها ومعارفها، ربما تجاوبت معهم بلاوعي، بكلمة أو شطرها، لكنها لا تدرك ما يقولون ولا ما تقول.. كانت تطرق بنظرها إلى الحائط، إلى لاشيء، ساعات تتبعها بمثلها، حتى يرهقها اللاشيء، ومن ثم يعود إليها الوعي؛ فتناجي صغيريها المقبورين حياة، الخالدين في عرينها ووتينها، ومن جديد إلى اللاشيء..
أشفق والدها على تلك الفراشة التي تحرق أجنحتها، وربما يحترق قلبها ومراكز صمودها، فطلب من طارق أن يقيم معهم، لعل رؤيته تطبب جرحها الغائر، وماهو بجرح؛ بل كل جراح الأحياء اجتمعوا على وليمتها..
لم يعارض، بل كان يستحيي أن يطلب ذلك، حمد الله أن استجاب لدعائه، بأن يكون إلى جانبها، وكان لا يفارقها إلا في ساعات السحر المتاخرة،
وحتى وجود طارق لم يفلح في استرداد ذاكرتها، ومن بعد عافيتها المفقودة..
ليتها تعيد عقارب الزمن إلى ما قبل ذلك الذي هدم اللذات، وأقبر فيها الذات، والملذَّات، لعلها تقاوم، لعلها تبتهل، لعلها تقترب إلى رب القدر، فيتجاوزهما إلى غيرهما، هلاوس تتبعها أخرى، ولكن الناس تدمع بعيونها وتحزن بقلوبها، بينما هي تحزن بعينيها اللتين جُففتا تمامامن مائهما، ويدمع قلبها ولا يجف، وما ينبغي له..
ظلت على هذا الوضع، حتى أصابها هزال، وجفاف شديد، استدعى عيادة طبيب الأسرة لها يوميا، لكنه أشار بأن تنقل إلى المشفى؛ لتكون تحت العناية الفائقة؛ حتى تسترد جزءا من عافيتها، ووعيها، لتجري دماء الحياة في بدنها النحيل من جديد، ولكن من يقدر على إنعاش ذلك القلب الذي قبر مع قلبيهما، من يستطيع استرداد عقلها الذي غادر وعيها، فوجد ذلك الوعي وحشة وغربة،
ظلت في المصحة أحد عشر يوما، تحت العناية الفائقة؛ حتى استعادت عضويا بعض عافيتها، ولئن خُيِّرت بين العودة ونقيضها؛لاختارت اللاعودة..
تجددت حركتها كتروس صدأة، وضعت تحت حمام من الشحم، فأحالت هشاشتها الخشنة إلى الليونة نوعا ما
أحس طارق بأن منافذ الحياة تغلق عليه، فامتنع عن تناول طعامه إلا من، قليل يبقيه للاطمئنان على نادين..
بإرادته امتنع عن البقاء طالما هي غائبة، فما الحياة دون حياتها، وما البقاء دون خلودها، فهي الحياة والخلود.
كان أشد الناس توجعا لفقد الصغيرين، بعد أمهما، كان يراهما كطفليه، بل أقسم أن يعوضهما كل حرمان للأب، الذي ما سأل عنهما منذ عام تقريبا.. كان يبدى أسفه إذا لم يدعوانه: بابا طارق-بل، كان يمنح جائزة عينية قيمة لمن يكررها أكثر من أخيه، فيعود الآخر-كمنافس هزم في الأمتار الأخيرة- بإصرار على الفوز، فيفوز كلاهما،
امتلأ قلبه بحب نادين وفلذتيها، وها قد ضاع كل شيء، الطفلان و نادين وطارق..
إذن فليغادر معهم.
في الوقت الذي كانت تتماثل فيه للشفاء رويدا رويدا، كان طارق يسابق اللاوعي، ليصيرا متساويين، رغم أنه كان دوما السباق، والفائز بحبها، والمتفوق في عشقها، عليه الآن أن يعيد ذلك السباق، ليقوده من جديد، ويتفوق في اللاوعي واللاحياة!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق