من دفتر الذكريات
العصفور والصياد
( ثمن الحريه )
تعودت صيد العصافير في صغري ، فحين يحط فصل الربيع على الأرض الطيبه في فلسطين، يتجلى النوار باثوابه
الزاهية ، ابيض واحمر وزهري وبكل الألوان ، ينثر عبقه على اغضان الشجر من اصناف اللوز
والرمان والدراق والتين والزيتون وغيرها من انواع الفاكهه ، ليرسم لوحات من الجمال الطبيعي الذي
يملأ النفوس فرحا وبهجه !
اما بيتي الريفي المكون من غرفتين من العقود الحجرية القديمه ، وفوقهما غرفتان كنا نطلق عليهما اسما متداولا : " " العلالي " ، وبجانبهما مطبخ صغير ---
كان البيت يتربع على زاوية الجهة المرتفعه من البستان ، والذي كان يقع على اطراف قريتي " حواره " بعيدا عن البيوت المتلاصقه ، -----
كان ذلك قبل الاحتلال الصهيوني لما بقي من فلسطين وما عرف بعام نكسة 67 ، ( بعد ان احتل القسم الأكبر منها عام 1948 ، وهو ما سمي بعام نكبة 48 ، وما اطلق على الجزء المتبقي منها اسم الضفة الغربيه لنهر الاردن، بعد ان توحدت مع دولة شرق الاردن ، والتي اطلق عليها الضفة الشرقية ، ثم ما اطلق على الضفتين معا اسم : " المملكة الاردنيه الهاشميه " بعد الوحده عام 1950 ) .
في اجازة الربيع المدرسيه ، حضر صديقي " رشاد " ، ليشاركني متعة الصيد ، اخترنا الاماكن التي رأيناها مناسبة لنصب الفخاخ مقابل شجرة لوز ، بعد ان زودناها بالطعم المناسب وهي دودة سيقان الذره ، وغطيناها بالتراب الناعم بحيث لا يظهر منها سوى الدودة الممسوكة بالخيط والخرزه في رأس الفخ ، درنا حول الأشجار من مكان لآخر كي نبحث عن عصفور ، لتوجيهه نحو الشجرة المقابلة للفخاخ بالصفير واشارات اليد ، . ولما لم نوفق جلسنا فترة من الوقت نتبادل الحديث بعيدا عن مكان الفخاخ ، وفجأة قرر صديقي رشاد ان يغادر المكان ، وقد مل الانتظار ----،
بقيت وحيدا تحت الشجره انتظر الفرج ، –واذا بعصفور جميل يحط على الشجره مقابل الفخ الذي نصبته واخذ يتفرس في الدوده التي كانت تتراقص فوق الفخ وكأنها تغريه بالاقتراب ؟؟ اما انا فقد صرت ارقب المشهد واعصابي مشدوده ، وكنت ارسم في خيالي صورة للعصفور ، وقد امسكت به واودعته داخل القفص ، ، فعندما ينقر العصفور الدوده ، يتعفر مكان الفخ بالتراب ، ويأخذ العصفور برفرفة جناحيه محاولا اخراج رقبته من بين فكي الفخ ، ------ . كان العصفور ينظر الى الدوده يتفحصها بامعان مدة ليست قصيره ، ثم أخذ يقفز من غصن الى غصن قريب اخر ، كأنه يفكر في امر عظيم ؟؟ ويعيد النظر والتفرس بالدوده والقفز من غصن لآخر ، وهي تتلوى باغراء لا مثيل له ، ؟؟ ربما كان يوازن في عقله الصغير بين وجبة دسمه حلم بها طويلا وبين المغامرة بحريته ؟؟؟ لعله ادرك ان في المجازفة بالتقاط تلك الدوده ، ربما اودى بحياته او ربما افقدته تلك المغامرة حريته ، بحيث يجد نفسه محبوسا في قفص ضيق ، بعد ان كان حرا طليقا يتنقل من شجرة الى شجره ومن وردة الى ورده ، يتغني بأمن وطمأنينه ؟؟؟ واخيرا اتخذ قراره بالطيران بعيدا عن تلك الشجرة المقابله للفخ ؟؟ فربما خشي انه لو بقي يتمعن في تلك الدودة فلربما اغوته وانسته حريته التي يتمتع بها دون قيود ، ؟ اتخذ قراره بان حريته لا تقارن بوجبة طعام دسمه ، - لكن لم كل هذا الخوف والتحفظ وهذا الرفض لتلك الوجبة الدسمه ؟؟!! ؟؟ احترت في تفسير تصرف العصفور ، وانا اتجه متثاقلا نحو الفخ ، فقد كانت خيبتي كبيره بابتعاد الطير دون ان اتمكن من اصطياده ، ، لكن دهشتي كانت كبيره حين وصلت الى الفخ لاجد ان صديقي رشاد، ( ربما عن دعابة ثقيله ) ، ، قد اخرج فخي من التراب ووضعه مكشوفا بهيكله الحديدي فوق التراب ، بحيث يوحي للطير ان ثمن الدودة سيكون باهظا ؟؟؟ لقد تعلمت من ذلك العصفور درسا وهو ان للحرية ثمن لا يقدره الا الاحرار ؟ وتعلمت منه درسا آخر وهو ان الصغار احيانا تعطينا دروسا يعجز بعض الكبار عن استيعابها ، وخاصه اؤلئك الذين يبيعون حريتهم بكرسي او ثروة او سلطان زائل ---

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق