لعلها رحـمــــــــــــــــــــــــــة !! (( كاملة من ثلاثة فصول ))
الفصل الأول
🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸
كنت طفل والدى المدلل ولم لا وقد رزقه الله بى بعد ثلاث بنات وكان يتوقع أن طفله الرابع أيضا سيكون كمثل سابقاته وكان يؤهب نفسه نفسيا يوم مولدى لذلك فقد فوجئ بقدوم أول ولد له ليغمر قلبه الفرح ويقيم الأفراح ويذبح الذبائح ويحتفل بهذا اليوسف الجديد سبع السباع وحامل اللقب !
وحين بلغت من العمر أحد عشر عاما , أصبحت صديقه الصدوق وحبيبه وكاتم أسراره وخاصة خزينة نقوده التى لاتعلم أمى عنها شيئا ...😂😂😂😂😂
وبدأ يأخذنى معه لرحلات صيد السمك أحيانا وحدى معه على دراجته وأحيانا أخرى نصطحب معنا أخى أحمد - رحمة الله عليه – والذى كان يصغرنى بعامين ولكن أحمد كان يتذمر كثيرا أثناء الصيد وخاصة فى الأيام التى لايغمز فيها الصنار .
وكنا نقضى عطلات أيام الجمع دائما فى رحلات الصيد هذه كلانا أنا وهو معظم الأيام ونادرا مايخرج معنا أخى أحمد رحمة الله عليه , وكانت والدتى –رحمها الله – تتذمر كثيرا حين عودتنا فارغى الوفاض بدون سمكة واحدة كبيرة بخلاف حفنة صغيرة من السمك تكون فى أغلب الأحيان من نصيب الطيور التى تقوم بتربيتها على سطح منزلنا ولكن تذمرها الأكبر حين ترى كمية الملابس المتسخة والأحذية الممتلئة بالأوحال من سباع الصيد مثل القادمين من غابات افريقيا !!
وبعد أن تكررت نوبات خيباتنا المتتالية لعدة جمعات , واستمرار تذمر والدتى من الغسيل والتنظيف للأبطال المغاوير فى كل مرة , وأثناء جلوسى ذات مرة مع والدى فى موقع الصيد , إذا بقارب للصيد يمر من أمامنا به صيادان وأمامهما بالقارب بعض الحشائش حيث يوجد سمكتان كبيرتان تنتفضان بعد أن أخرجاهما بالشبكة منذ لحظات قليلة كما يبدو للوهلة الأولى حين ترى قوة حركتهما فوق الحشائش .
ونظر والدى إلى نظرة ذات مغزى وقد علت وجهه ابتسامة عريضة ثم نادى على أصحاب القارب :
** ياحاج ... ياحاج
** معاك رزق للبيع ؟؟
** أيوه ياحاج تحت أمرك
** قرب مننا لوسمحت
وفى لحظات سريعة كسرعة البرق , أتم والدى الصفقة واستولى على السمكتين وهو ينظر الى ويكاد يتمايل يمنة ويسرة من السعادة وفى عينيه بريق غريب
** ولد يايوسف
** نعم يابابا
** كده بقى احنا معلمين صيد كبار .. فهمتنى والا لسة ياولد ؟؟
** هههههههههههه تقصد يعنى ........................
** أيوه ياسيدى ... شوف انت اللي اصطدت بتاعتك الكبيرة دى .. واللى أصغر منها دى انا اللي اصطادتها بتاعتى أنا ...ماشى ياحاج ؟
** ماشى ياحاج 😂😂😂😂😂
**أظن كده امك هاتقول لنا روحوا اصطادوا كل يوم !!ههههههههههه
وانطلقنا فى طريق العودة قبل المغرب لأول مرة منذ اسابيع عديدة ونحن نغنى ونمرح وتتراشق يدانا كل فترة علامة النصر والإنتصار ....
وعدنا إلى المنزل عودة الفرسان العائدين برايات النصر من ساحات الحروب , وغمز لى أبى أثناء دخولنا لمنزلنا كى أبدأ بالشرح لوالدتى وأبشرها بالصيد الثمين وانتصارنا المجيد الذى لم يسبق من قبل , بينما يتشاغل والدى بإدخال الصنانير وباقى معدات الصيد بينما تنظر عيناه إلى ماسوف يدور بينى وبين أمى من شرح لحديث السمكتين .
وخرجت أمى من المطبخ وهى تمسح يديها بمنشفتها على صوت صراخى :
** ماما......ماما ...........تعالى شوفى اصطدت ايه ياماما
وأخرجت لها السمكة الكبيرة والتى يتعدى وزنها الكيلوجرام وألقيتها أمامها لكى أثيرها
واقتربت امى من مكان السمكة ونظرت اليها نظرة طويلة ثم نظرت إلى وهى تضحك ضحكة عالية هى تقول
** بسم الله ماشاء الله – ايوه كده تعملوا حتى بغسيلكم !! لا بطل ياوااااااااااااااااااااد ....
** عجبتك ياماما ؟
** آه طبعا .. وشفتى سمكة بابا كمان ؟
** ههههههههههه هو فى سمك تانى كمان ؟
** آه كبيرة ياماما هى كمان بس مش زى بتاعتى طبعا ........هاهاهاها
** بسم الله ماشاء الله –ذاك الشبل من هذا الأسد ........هاهاها
واستدارت عائدة الى المطبخ بمنشفتها لاستكمال أعمالها بينما استدرت لأبى ضاحكا ورافعا يدى إليه بعلامة الإنتصار بعيدا عن عيون أمى ................................................
✽¸.• ♥ ♥•.¸✽¸.• ♥ ♥•.¸✽¸.• ♥ ♥•
لعلها رحـمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة !!
الفصل الثانى
✽¸.• ♥ ♥•.¸✽¸.• ♥ ♥•.¸✽¸.• ♥ ♥•.
إستمرت رحلاتنا الموفقة للصيد طوال فترة الصيف دون أى تذمر من امى بعد أن وفقنا الله انا وأبى فى كيفية رضاها عنا بالطريقة المعهودة فى شراء السمك الطازج من أي صياد عابر وتقسيم تركة الشراء هذه بالتساوى بيننا عند العودة للمنزل وكان ابى راضيا كل الرضى بما آل الحال عليه ولم يكن يتورع فى الدفع بسخاء لبائع السمك مهما غالى فى سعره وكان كل همه ان يكون السمك طازجا لزيادة حبكة كوننا أبطال الصيد المظفرين !😂😂😂😂
وخلال هذه الرحلات المتتابعة , كنت ألاحظ دائما كلمة يعشقها أبى ويعشق تكرارها لدرجة أننى كنت أضيق بها ذرعا وخاصة أننى وقتها لم أكن أعلم مغزاها أو سبب حب ابى فى تكرارها دائما أبدا , ألا وهى كلمة
(( لعلها رحمة )) !!
إذا ثقبت إحدى عجلات الدراجة وجلسنا نصلح فيها مايقرب من الساعة بعد أن نفرغ حمولتها وقلبها رأسا على عقب ثم فك الكاوتشوك واستخراج مادة اللصق للكاوتشوك وتحضير إناء به مياه لتحديد مكان الثقب ووووووووووووووووووووووووووووووووو , وبعد أن يلاحظ أبى قدر تذمرى وضيقى إذا به يربت على كتفى متمتما بكلمته الشهيرة :
** لعلها رحمة ياباشا !!
أحدث بعدها نفسى بعقلى الصغير
(( وأي رحمة فى هذا ياأبى ؟؟ لقد تعطلنا اكثر من ساعة فى اصلاح الدراجة وفكها وإعادة تركيبها ,,,,,,,,,,,,,,,,,,, )) عجيب أنت ياوالدى .......... رحمة هاهاها !!!! .............
إذا ألقيت الصنارة بعيدا فى مياه المصرف الذى نصطاد فيه واشتبكت بحجرة فى قاع المصرف ثم انقطع الخيط بكل مشتملات الصنارة وتذمرت من كل ذلك واحمر وجهى غضبا إذا به يربت على كتفى ويبتسم مهدئا لحدة غضبى قائلا :
** لعلها رحمة ياباشا .........معلش
وهكذا ................. مرات ومرات ومرات
وفى يوم مطير مع بداية فصل الشتاء , حيث يقل الصيد وتختفى الأسماك , ظللنا طوال اليوم نحاول الصيد دون جدوى , وكاد اليوم أن ينتهى ولم نوفق حتى فى اصطدياد سميكات صغيرة أوماتسمى بلغة الصيادين (( سمك شِرّ )) بكسر الشين .........
وانتظرنا فرج الله المنتظر فى قدوم أحد الصيادين المحترفين بالشباك كما كنا نفعل دائما وطال الإنتظار حتى قبل غروب الشمس دون ظهور الصياد المنقذ !
وأخيرا وبعد طول انتظار ظهر فجأة وعلى حين غرة أحد الصيادين المحترفين يسير مهرولا أمام أعيننا وهو يحمل شبكته على أحد كتفيه بينما يتدلى ذراعه الآخر حاملا سلة مليئة بالأسماك الطازجة التى لمحتها أعيننا فى ذات اللحظة , ونظر والدى إلى ونظرت إليه وانطلقنا سويا خلف الصياد , وصرخ أبى بصوت جهورى خلفه ليستوقفه :
** ياحاج ...ياحاج ... ياحاج .............................
معاك رزق ؟؟
استمر الرجل مهرولا أمامنا ونحن نلهث وراءه وأجاب على أبى بطريقة مقتضبة :
** معايا ياعمنا , بس مش للبيع ياسيدى !
** ههههههههههههه ؟؟ طيب استنى بس وورينا معاك ايه ؟
** قلنا موش للبيع ياسيدى , وبعدين موش فاضى لك الله يكرمك شوف مع حد غيرى
** طيب بس اسمعنى بس .. ورينا بس اللى معاك وخد طلباتك واكتر شوية , والله اللي هاتطلبه من بقك ياشيخ !
** توقف الرجل وألقى الشبكة أمامه على الأرض ووضع سلة السمك ونظر إلينا بصورة غاضبة وقد أغرق العرق وجهه ورأسه :
** ياعم الحاج موش بنبيع , آنا باتكلم عربى اهووووووووووووو موش بنبيع نعيدها تانى عشان تفهموا ؟؟
** طيب اصبر بس ياسيدى وشوف طلباتك , والله مااهاكسفك , أؤمرنى وقول السعر اللى يناسبك وبزيادة شوية وموش هانختلف ان شاء الله ...........
** لاحول ولاقوة الا بالله يارب .. نقول ثور يقولوا احلبووووووووووووه ! ياعم الحاج موش بنبيع ! وصلت والا لسة المعلومة ؟؟
** الله ؟ ليه كده بس ؟ مانا باقول لك اهو طلباتك وموش هانختلف !
نظر إلينا الصياد بكل احتقار وهو يعيد الشبكة إلى كتفه بينما يلتقط سلة السمك بيده الأخرى وحاول الإنطلاق مرة أخرى فى حال سبيله , وهنا أمسك ابى بملابسه محاولا ايقافه للتفاهم معه على مايرضيه للمرة الأخيرة , واتضح بعد ذلك من تفسيرنا للأحداث أن هذه الحركة من جانب أبى قد أغاظته كثيرا إذ التفت الينا بعينين حمراوتين صارخا فى وجه أبى :
**سيب هدومى ياعم الحاج , انت عاوز منى إيه ؟ سمك ؟ عليا الطلاج بالتلاتة ماٱنا بايع سمك فى نهار امى الإسود ده !! إرتحت كده يالا ياخويا سلام ....................😡😡😡😡😡
وهنا اغتاظ ابى واحمرت وجنتاه وصرخ فيه بدوره :
** انت بتحلف عليا بالطلاج ماانتا بايع لنا ؟؟ وهى الشبكة اللي معاك دى هى اللى مخلياك تتنطط علينا ؟؟ طيب ايه رأيك بقى طلاج على طلاجك لأكون رامى الصنانير اللى معايا دى فى المية النهارده والأسبوع الجاي يكون معايا اكبر شبكة بتاعت اكبر صياد فى دسوق ؟؟ إيه رأيك بقى ياعم الحاج ؟؟ وربنا مايحوجنا ليك ولا لأمثالك ياشيخ .. روح الله يهديك .............................
وانطلق الرجل دون أن يعلق بينما استدار لى أبى والشرار يتطاير من عينيه !!
وانكمشت قابعا فى مكانى وعلى حين غرة وجدت نفسى أنظر لأبى وبدون تفكير أقول له :
** معلش يابابا ماتزعلش نفسك , مش لازم نجيب سمك النهارده .......لعلها رحمة !!
ونظر أبى إلى بدهشة , ونظر فى عينىّ مباشرة ليستكمل استيعاب مانبست به شفتاى للتو ثم انفجر ضاحكا وهو يقبل رأسى ويقول :
** صدقت ياباشا , صدقت ياباشا....
✽¸.• ♥ ♥•.¸✽¸.• ♥ ♥•.¸✽¸.•
لعلها رحـمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة !!
الفصل الثالث
✽¸.• ♥ ♥•.¸✽¸.• ♥ ♥•.¸✽¸.• ♥ ♥
بعد ذلك اتخذنا طريقنا للعودة للمنزل بعد أن لملمنا أشياءنا بصورة سريعة وكان أبى لايزال في حالة ذهول من إصرار الصياد على عدم بيع اسماكه لنا رغم كل الإغراءات ، وكان يتمتم في نفسه ببعض عبارات الإسترجاع والحوقلة بينما التزمت بدورى بالصمت المطبق احتراما وخوفا من غضبه الشديد .
في اليوم التالى مباشرة ، أي في صبيحة يوم السبت ومن داخل متجر الحبوب والعسل الذى يمتلكه أبي بمنطقة العبارة بمدينة دمنهور، رفع سماعة النليفون الأرضى(( لم تكن ظهرت الموبايلات وقتها بعد ))... وأجرى اتصالات عديدة ببعض التجار في مدينة دسوق والرحمانية المتاخمة لها بعد أن علم من أصدقاء الصيد بمدى شهرة هاتين المدينتين في صناعة شباك الصيد . وفى اليوم التالى مباشرة لتلك المحادثات ، حضر له خصيصا أحد تجار مدينة دسوق وبيده سلة كبيرة وضعها بجانبه حتى انتهى من السلام والتحية مع والدى وكنت انظر من مكان قريب بالمتجر وأراقب متعجبا من إصرار والدى على شراء الشبكة .
تحدث الرجل قليلا مع والدى وتناول بعض الأموال وانصرف في حال سبيله ، بينما استدار الى والدى يستقدمنى ليرينى كنزه الذى كان يحلم به وقد علت وجهه علامات السرور والإنتصار. وعلمت منه ان هذه الشبكة هي من شيخ الصيادين بدسوق وقد أرسلها خصيصا لأبى محبة وانها من نوع الخيوط الحريرية الثمينة وخلاصة القول انها شبكة غير عادية لرجل غير عادى !
..............
واتخذ أبى استعدادات ليس لها مثيل لرحلة الصيد المقبلة فى الجمعة التالية لهذه الأحداث , وكان يحلم بقدوم يوم الإنتصارات المنتظر والذى سوف يكلل بصيد ثمين من الأسماك دون الحاجة للبحث عن صياد متعجرف أو الحاجة لشراء السمك بمبالغ طائلة أكثر مما يستحق عن قيمته الحقيقية !
وجاء اليوم الموعود , وانطلقنا الى وجهتنا حيث انتوينا الصيد فى مصرف الخيري الكبير خارج مدينتنا الهادئة – وقتها – دمنهور وكان هذا المصرف وقتها نظيفا خاليا من المخلفات الآدمية والزراعية والصناعية أو بمعنى آخر سوف نحصل منه على أسماك نقية خالية من التلوث !
واستعد ابى لأول مغامراته فى القاء الشبكة وهى عبارة عن كتلة فنية من الخيوط الحريرية مصنوعة بحبكة وفن ويتدلى فى نهايتها قطع متراصة على مسافات متساوية من قطع الرصاص وذلك لشيئين : أولهما للمساعدة على طريقة فرد الشبكة أثناء رميها بالمياه وثانيهما لضمان استقرار الشبكة فى قاع المجرى المائى فوق الأسماك فلا ترفعها وتهرب من اسفلها حتى يتم جمعها مرةاخرى لتخرج خارج الماء بما وقعت عليه من الأسماك .
ورفع أبى الشبكة عاليا على مد ذراعيه وألقى بها بكل ما أوتى من قوة فوق المياه , وسقطت الشبكة فى المياه كما هى كتلة واحدة ولم يتم انفراجها لتتخذ الشكل الدائرى أثناء إلقائها كما تعودنا على شكلها أثناء صيد الصيادين فى الأيام الخوالى !
وسحبها ابى وألقاها مرة ثانية وثالثة ورابعة حتى كلت يداه وجلس يستريح وهو يتعجب من عدم انفراجها واصررها على الهبوط الى الماء ككتلة واحدة دون اي انفراج فى شكلها !
جلس يدخن سيجارته وهو يلهث من التعب , ويفكر ويفكر فى سبب عدم انفراج الشبكة .
وبعد عدة دقائق من التفكير العميق المشوب بالتعجب والدهشة , وكأنما أراد الله سبحانه وتعالى أن ينقذنا من حيرتنا , إذا بصياد مسن يمر من امامنا وهو يحمل شبكته المبللة على كتفه ويسير مترنما ببعض الأغنيات الشعبية , ونظر إلينا متمعنا وهو يتعجب من اختفاء البوص والصنانير المعتادة معنا واتسعت عيناه حين رأى الشبكة تحت اقدام أبى , واقترب منا وهو يبتسم :
السلام عليكم .. ازيك ياحاج .. معايا شوية سمك حلوين اهم .... الله ايه دى ؟ ( وهو ينظر الى الشبكة ))
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته , دى ياسيدى شبكتنا ومش عارفين نرميها صح من اول اليوم . مش عارف ايه الغلط ؟
هههههههههه ؟ مش عارف تطرحها ؟ طيب ورينى كده بتطرحها إزاى ؟؟
ماشى ياياسيدى
وأمسك والدى بالشبكة وألقى بها الى الماء امام الصياد المحترف , ولم تكد تصل إلى الماء إلا وقد جلس الرجل مفترشا الأرض وقد روعنى وأبى من ضحكته الصاخبة الساخرة من طريقة القاء ابى للشبكة !!
وابتسم أبى مدركا أن هناك خطأ ما فى رميته , وابتلع على استحياء معنى السخرية وراء ضحكة الصياد الكبيرة , واقترب منه :
فيه ايه غلط ياشيخنا ؟ هى بتترمى غير كده ؟؟
اعتدل الرجل فى جلسته وحدق فى وجه أبى بعد أن أنهى ضحكته , وأمسك بالشبكة من يد أبى وراح يسحبها على عجل من الماء , وأخرجها ووضعها أمامه على الحشائش وراح ينظفها ويعيد ترتيبها وهو يثنى على نوعها وجودة صناعتها ثم التفت لأبى :
منين الشبكة الغالية دى ياحاج ؟
دى من شيخ صيادين دسوق ..
الله يبارك لك , دى شبكة محترمة وغالية , اومال فين البوص والصنانير بتاعتكم ؟ واستبدلتوهم بشبكة ليه ؟ انتم هاتحترفوا الصيد بدل الهواية والا ايه حكايتكم ؟
ابتسم والدى وجلس أمامه وقص عليه قصة الصياد السابق الذى لم يقبل أن يبيع لنا السمك وقصة اليمين التى القاها والدى عقب ذلك ووووووووووووووووو
ابتسم الصياد بعد أن استمع لحكاية أبى , ثم انتفض واقفا وهو يفرد الشبكة التى ابتاعها ابى ثم قال له :
شوف ياحاج , الشبكة لها طريقة فى الرمى ولها توزيعة معينة وتقسيمة زى الهندسة عشان اما ترميها تتفتح منك وتبقى زى الدايرة , بص عليا واتعلم واصبر بقى شوية عشان لازم تاخد وقتك لحد ماتعرف ترميها صح وراقبنى وانا باارميها وحاول تعمل زييى بعد كده , ماشى ؟
ماشى ياشيخ الصيادين !
ومر مايقرب على هذا الحديث أكثر من ثلاثة أشهر حتى أجاد والدى طريقة –طرح الطراحة – اي الشبكة بلغة الصيادين وأثناء ذلك تعلمت بدوري كيفية إصلاح الشبكة أو بلغة الصيادين –ترقيعها – فى حالة تمزقها بسبب سقوطها فوق كتلة صخرية أو أعشاب مزروعة فى قاع المجرى المائى , وكان والدى مبهورا من مهارتى فى اصلاح الشبكة فى كل مرة قد تتعرض فيها لمثل هذه القطوعات !
بعد ذلك وبناء على مناقشات اصدقاء والدى من الصيادين القدامى وذوى الخبرة قرر والدى أن يصل بالصيد إلى درجة الإحتراف وذلك بالخروج إلى رحلات الصيد ليلا وليس أثناء النهار كما يفعل المحترفون !
وشعرت بالضيق لالتزامى بالخروج معه ليلا ,فيوم الصيد بالنسبة لى هو يوم فسحة ليس إلا بينما أصبح الصيد ا بالنسبة لأبى إدمانا وخاصة بعد أن أصبح صيادا محترفا فى ليالى الجمع من كل اسبوع , الى جانب سعادته بكميات واحجام الأسماك التى كان يحصل عليها فى كل رحلة الصيد لدرجة ان امى كانت لاتبخل على جيراننا بالبيت بكميات لايستهان بها من حصيلة الصيد الأسبوعى من اسماك البلطى والبياض والقراميط !
ولكننى لم أتخل عنه حبا فيه وخوفا عليه من الخروج وحده فى الليل وحدث ماكنت أتوقعه وأخشاه !
ففى إحدى الغزوات الليلية هذه , وكنا انطلقنا كعادتنا بعد مغرب يوم الخميس , انطلقنا للصيد فى مصرف الخيرى وهو يعد المصرف الرئيسى لمحافظة البحيرة ويعلوه أحد الكبارى الكبرى عند تقاطع الطريق الزراعى الرئيسى -- القاهرة إسكندرية –عند مدخل مدينة دمنهور عاصمة محافظة البحيرة .
قاربت الساعة على الواحدة بعد منتصف الليل وكنا قد وفقنا فى هذا اليوم لصيد وفير من الأسماك المشكلة من البلطى والبورى والبياض والقراميط وبمعنى آخر كان يوما رائعا , ونظر الى والدى ليستطلع رأييى فى الاكتفاء بهذا القدر والعودة للمنزل , وبالفعل اتفقنا على العودة وبدأنا نلملم أغراضنا ونحن نقف أسفل الكوبرى ويغمرنا ضوء مصابيح الأعمدة الكهربائية المتراصة على جانبى الطريق الزراعى .
وعلى حين غرة , قفزت سمكة بورى عملاقة فوق سطح الماء الساطع أمامنا بنور المصابيح مخلفة وراءها دائرة عظيمة وصوت ارتطامها بالماء أوضح لنا كخبراء صيد أنها سمكة عملاقة اجتذبها نور أعمدة الكهرباء وهاهى تتراقص أمام أعيننا مرة تلو المرة وكأنها تتحدانا بقفزاتها المتبجحة المستمرة .
ونظر إلى أبى وهو يفرد شبكته مرة ثانية ويرفعها على كتفيه استعدادا لرميها فوق هذه السمكة المتراقصة , ونظرت إليه مستفسرا فقال لى:
معلش ياباشا , أنا عارف ان البورى بيتجمع على اي نور بالليل , وزى ماانت شايف دى شكلها سمكة كبيرة , وهى طرحة واحدة كمان جات جات ماجاتش ماجاتش ونروحوا على طول , قلت ايه ؟
ماشى يابابا , يامسهل
بعد ذلك بلحظة رفع والدى يده ليرمى الشبكة فوق الصيد الثمين , وفى اللحظة التالية لم أجده أمامى !🙄🙄🙄🙄🙄🙄🙄
وانتابنى الذهول والخوف كطفل صغير ووجدت نفسى أنظر فى كل اتجاه صارخا وباكيا ومناديا
بابا ........بابا .............بابا ........
انت فين يابابا ؟؟؟
وبعد مرور لحظات عصيبة , خرجت يد من تحت الماء , ثم اليد الأخرى , ثم رأس أبى وهو يعافر وسط الماء ويبحث عن أى أعشاب او صخور على الشاطئ ليمسك بها ويخرج نفسه !!
إستغرقت عدة لحظات أخرى لأستوعب ماذا جرى لأبى وكيف سقط فى الماء ، وصرخت مناديا عليه ومقتربا من الماء محاولا الإمساك بيده , وبعد محاولات فاشلة عديدة نجحت فى الإمساك به بكل قوتى ورحت اجذبه خارج المياه وهو بدوره يعافر زاحفا على قاع المصرف حتى خرج أخيرا واستلقى على بطنه خارج الماء وقد انتابته حالة إستفراغ للمياه التى ابتلعها جراء السقوط !
وراح ينضو عنه ملابسه قطعة قطعة ويعتصرها بيديه المرتجفتين ليجففها بقدر مايستطيع ويعيد ارتدائها مرة أخرى .
نظرت إليه وانا ارتجف من هول الموقف والدموع تتساقط على وجنتاى , ولم يتحمل والدى منظري الحزين فجلس محاولا استرجاع رباطة جأشه , وراح يربت على كتفى ويقبل رأسى وهو يتمتم ببعض عبارات الحمد والشكر لله متبوعة بالحوقلة على مرور الحادث بهذا الشكل .
وشرح لى ابى سبب سقوطه فى الماء عقب القائه الشبكة إذ أنها كانت مشبوكة فى يده ويبدوأنها التقطت قطعة من النباتات الشوكية التى كبلتها وبدلا من أن تنطلق فى الهواء لتسقط فى الماء إذا بها مترابطة كقطعة واحدة مما جعلها تجذب ابى وراءها الى الماء دون سابق إنذار .........
هززت رأسى متمتما ببضع كلمات حامدا الله وشاكرا له على خروج ابى ثم وجدت نفسى وبدون سابق تفكير أقول له :
لعلها رحمة يابابا....لعلها رحمة.....
نظر إلي شذرا وهو يتمتم غاضبا
هههههههههههههه
رحمة؟؟؟ فين الرحمة بقى في دي ياسيدي
هههههههههههههه؟؟؟!
ونظر الى ابى نظرات مستنكرة وكاد أن يسألنى مرة ثانية عماهى الرحمة فيما حدث وماكان سوف يكون أسوأ من هذا ؟؟
وكنت أقرأ السؤال فى عينيه الحمراوتين من أثر السقوط والصدمة وأعمل فكرى بصورة سريعة لأجد الإجابة التى تمتص غضب أبى الجلى بعد أن نبست شفتاى بكلمته المفضلة لديه هو نفسه و المعهودة والتى كنت أحفظها منه عن ظهر قلب ...........
وقبل أن تزداد حيرتى جاءت الإجابة الإلهية فى الحال لتنقذنى من عبئ الرد !
خطف أسماعنا صوتا مرعبا لفرامل عربة ملاكى تسير بسرعتها العالية فوق الكوبرى الذى كنا مازلنا نقف تحته عقب حادث السقوط , ثم صوت صرخة عالية يعقبها ارتطام مروع لجسد بشرى لرجل كان يعبر الطريق الزراعى ولاحظنا من مكاننا الرجل طائرا عدة أمتار فى الهواء بعد اصطدام العربة المسرعة به, ثم سقوطه مجندلا على جانب الطريق بينما راحت العربة تدور حول نفسها عدة دورات ثم تستقر فى قاع المصرف –نفس مكان سقوط والدى !!
ونظر الى أبى وسط هذه الضوضاء العارمة وهو متعجبا مما جرى أمام أعيننا وما أعقب ذلك من استدعاء لرجال الشرطة والإسعاف والإنقاذ النهرى وكل مايتطلبه هذا النوع من حوادث الطرق السريعة .
نظر أبى إلى وربت على كتفى واكتفى بالإجابة الربانية التى جاءته عقب تذمره من كلمتى له ثم قال فى اقتناع كامل هذه المرة :
- صدقت ياباشا صدقت ............
........لعلها رحمة ...الحمد لله على كل شيء
وانطلقنا فى طريق العودة إلى البيت !
(( تمت ))
🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸
يوسف الخواجه