رواية: الصمود
حكاية الفريق مدكور أبو العز
بقلم الأديبة المصرية: هدى أحمد شوكت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت السماء رمادية في صباح الخامس من يونيو عام 1967، كأنها تبكي مع الأرض. في غرفة القيادة، جلس العقيد الطيار مدكور أبو العز صامتًا، يحدّق في الخرائط التي لم تعد تحمل سوى آثار الرماد. صرخ أحد الضباط:
ــ سيدي... الطائرات تحترق على المدرّجات!
رفع رأسه ببطء، وصوته يخرج كالرعد الهادئ:
ــ من الشرف أن تُفقد الطائرات في معركة جوية، ومن العار أن تُفقد وهي رابضة على الأرض!
كانت تلك الجملة كطلقة، اخترقت صمت الخوف ووجوه القادة المرتجفة. لحظة نطقها، لم يكن يدري أن ثمنها سيكون نفيًا وإقالة، وأنه سيدفع من عمره مقابل شرفٍ لا يعرف المساومة.
---
قبل ذلك بسنوات، كان فتى من قرية «ميت أبو غالب» بدمياط، يركض بين الحقول حافي القدمين، يطارد طيور النيل ويحلم بالتحليق مثلها. حين كان يرفع رأسه إلى السماء، كانت أمه تهمس له بخوفٍ وحب:
ــ خفف من نظرك إلى فوق يا مدكور... الطيور لها أجنحة، وأنت لك قلب فقط.
فيبتسم الفتى، ويرد عليها بعنادٍ طفوليٍّ:
ــ ومن قال إن القلوب لا تطير يا أمي؟
كان قلبه يطير فعلًا، فاجتاز امتحانات القبول في الكلية الجوية وهو في السابعة عشرة. أصغر طيار في تاريخها، وأشجع من قاد جناحًا حربيًا قبل أن يبلغ العشرين. لم يكن يكتفي بالأوامر، بل يناقشها، يطوّرها، يجرّب المستحيل وكأن روحه وقود طائرته.
---
ثم جاء اليوم الأسود. السماء التي عشقها صارت سجنًا من لهب. الطائرات المصرية تتساقط على الأرض بلا مقاومة، والعدو يملأ الأفق. سمع الخبر كمن يتلقّى طعنة في القلب. لم يحتمل الصمت، فصرخ في وجه المشير عبد الحكيم عامر:
ــ نحن لم نُهزم في الجو، بل على الأرض... لأننا لم نُسمح أن نحلق!
كانت كلماته نارًا لا تُطفأ. فأُقيل من منصبه، وابتعد عن القواعد، لكنّه لم يبتعد عن الوطن.
---
وفي مساءٍ ثقيل بعد النكسة، استدعاه الرئيس جمال عبد الناصر بنفسه.
ــ يا مدكور، مصر محتاجة صوتك قبل سلاحك.
أجاب بثبات:
ــ سنبدأ من الصفر يا سيادة الرئيس، لكننا لن نبدأ من الخوف.
عاد إلى القيادة، لا يملك إلا خمسين طائرة نصفها معطّل. جمع رجاله وقال:
ــ من اليوم، السماء لن تُمنح لنا... سننتزعها انتزاعًا.
بدأوا العمل ليلًا ونهارًا. أعاد بناء الدشم الخرسانية التي تحمي الطائرات، درّب الطيارين على الهجوم المنخفض، غيّر التكتيك، وعلّمهم أن الوطن يُدافع عنه من الأفق لا من المكاتب.
---
وبعد أربعين يومًا فقط من الهزيمة، كانت السماء المصرية تضجّ بأصوات الطائرات. انطلقت الضربة الجوية الخاطفة على مواقع العدو في سيناء. دُكّت أهدافه بدقّة مذهلة، وسقطت طائراته تباعًا، بينما لم تفقد مصر طائرة واحدة.
اهتزت تل أبيب، وارتجفت جولدا مائير، وأمر موشي ديان علنًا:
ــ أريد رأس مدكور أبو العز، ولو كلّفنا ذلك جيشًا كاملًا.
لكن في القاهرة، ردّ الشعب كله بصوتٍ واحد:
ــ هذا الرأس لا ينحني إلا لله.
ضحك عبد الناصر عندما وصله التهديد، وقال للصحفيين:
ــ اسألوا مدكور، هل نوقف النار الآن؟
فجاء الرد الحاسم من القائد الميداني:
ــ الآن فقط، يمكن أن نوقف النار... بعد أن غسلنا العار.
---
غير أن السياسة لا تُكافئ الأبطال. فبعد شهور، أُقيل الرجل مرةً أخرى. قالوا إن الروس اشتكوا من «غروره الوطني»، وإنه لم يعد يسمع إلا لصوت مصر. فابتسم وقال لمن حوله:
ــ من لا يغرّ عليه وطنه، لا يستحق أن يعيش فيه.
اعتزل في صمتٍ نبيل، عاد إلى قريته القديمة في دمياط، يزرع شجرة توت أمام بيته ويقول للصغار:
ــ هذه الشجرة تثمر كل عام، حتى لو تجاهلها الناس... كن مثلها يا بني، أثمر بصمت.
رحل عام 2006، لكن ميت أبو غالب لم تنسه أبدًا. في الصباح، حين يرفع التلاميذ أعينهم إلى لافتة المدرسة التي تحمل اسمه، يبتسمون للصورة المعلقة على الجدار، كأنها تنطق لهم من عمق التاريخ:
> «لا تتركوا طائراتكم على الأرض، ولا أحلامكم بلا أجنحة.»
---
🕊️ قصيدة الوداع
يا فارسًا حلقَ في جوِّ المعاركِ لا يلينْ
وسِلاحُهُ العزمُ الأبيُّ وسيفُهُ الإيمانُ المتينْ
يا ابنَ دمياطٍ، يا أسدَ السماءِ وسيفَها المبينْ
نمْ هانئًا... فالوطنُ يذكُرُكَ في قلوبِ العاشقينْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
💠 بقلم الأديبة المصرية: هدى أحمد شوكت 💠
© جميع الحقوق محفوظة – العلامة المائية الأدبية الرسمية