السعاده
ذلك الوهج الذي ينظر اليه كل الناس ويلاحقونه ، كل بوسائله الخاصه ؟؟ فاذا تلقيت تهنئة من صديق على انجاز معين او على فرح أسري ، يقول لك : اتمنى لك السعاده ، واذا خصك شخص بالدعاء فيقول : الله يسعدك ، فما هذا الكنز الضائع الذي يبحث عنه كل الناس منذ الازل ، واين يجدونه ؟؟
لقد تطرق الفلاسفة في كل العصور الى تعريف محدد للسعاده ، والبحث في السبل التي توصل اليها ؟ وكل له فلسفته الخاصه ، فالفيلسوف اليوناني " أبيقور " يرى ان السعادة هي ما يعود على الانسان بالنفع ، والتي تعني أن الفعل يقيم بحسب ما ينتج عنه من نفع ، محاولة اضافة لما هو حسن ، والحسن يعرف من قبل عدة مفكرين على انه السعادة او البهجة يقابله المعاناه والالم . بينما يرى الفيلسوف " كانت " ان السعادة هي في أداء الواجب الانساني ، من خلال التزامه بقيمه ومبادئه ، وبالتالي فالانسان حر مسؤول عن افعاله بحيث يتمكن من الحياة وفقا لحريته ، وهو بذلك يحقق سعادته . يرى ارسطو ان السعادة تكمن في التأمل الذهني واستعمال العقل ، وهي التي تميز الانسان عن الحيوان ، فلا تنهض الامم الا بحياة العقل . أما افلاطون فيرى ان السعادة تكمن في فعل الخير المطلق ، والخير المطلق هو لذة المتعة في البحث العلمي ولذة التمتع بأداء الافعال الصالحه . يرى " مارتن لوثر " ان من يجد السعاده هو من لا يبحث عنها ، بل يعيش حياة طبيعيه دون التفكير في البحث عن السعاده ، فتأتيه السعادة طواعيه دون مجهود .
يكاد يتفق الجميع على ان السعادة تنبع من داخل الشخص نفسه ، ومن يستطيع ان يجلب السعادة هو الانسان ، فهي تتحقق من الداخل ؟؟ تقول " اليزابيث جلبرت " مؤلفة كتاب ( امرأه تبحث عن كل شئ ) ، وهو الكتاب الذي نال اغجاب الملايين وتحول لفيلم سينمائي ، تقول : ( حاول الناس عبر العصور التمسك بشعور الكمال ذاك بواسطة وسائل خارجيه من مخدرات وجنس وسلطه وادرينالين وجميع الاشياء الجميله ، ولكنها لا تدوم ، فنحن نبحث عن السعاده في كل مكان ، ولكننا مثل متسول " تولستوي " ، الذي قضى حياته جالسا على قدر من الذهب يستجدي القروش من الماره ، غير مدرك بان ثروته كانت تحته طيلة الوقت ، فكنزك - كمالك – هو بداخلك اساسا ، ولكن لكي تحصل عليه ينبغي عليك ان تترك ثورة العقل المشغول دوما ، وتتخلى عن رغبات الذات لتدخل في صمت القلب ---- فبالنسبة للصوفيين فان البحث عن السعاده هو هدف البشريه ، وهذا السبب هو الذي يجعل عذاب وآلام الحياه تستحق الاحتمال لمجرد الشعور بهذا الحب اللانهائي ، وحين تعثر على هذه الحالة في داخلك يمكنك ان تتمسك بها ، فان فعلت تكون قد وجدت السعاده ) ----- ( انتهى كلام جلبرت ) ، اذن هي ترى السعادة في التصوف من خلال رياضة اليوغا التي كانت تمارسها ، والتعبد في معابد الهندوس والبوذيين وما فيها من طقوس قد تكون شاقه ؟؟؟
لا شك ان البيئة التي يعيش فيها الانسان والقيم التي تربى عليها والمعتقدات التي ترسخت في وجدانه ، كلها عوامل تدخل في سعادة الشخص ، ولما كانت السعادة هي شعور داخلي فالنظرة اليها تختلف من شخص لآخر ، وقد استعرضت سابقا ، بعض الآراء والافكار حول السعاده من خلال آراء الفلاسفة والكتاب ، ولكن الاستطلاعات والاحصائيات بينت ان الكثير من المجتمعات التي تبدو من مظهرها شكليا انها سعيدة ، انما جاءت في الصفوف الاخيره من سلم السعادة ، وفيها اعلى نسب الانتحار ؟؟ فلم يشفع لها الغنى والقوة والثروة ، والاستقرار السياسي والمعيشي ، فالسعادة هي الشعور بالرضا والقناعة والامن والاستقرار وراحة الضمير في جو من المحبة والتسامح والغبطه والمرح .
تكمن سعادة المسلم الملتزم في راحته النفسيه ، من حيث انه يؤمن بان الله هو المتكفل به وراعيه ، وهو في معيته اينما حل أو ارتحل ، وان ما يصيبه ما كان ليخطؤه ، فان قام بواجباته الدينيه من عبادات وطاعات وابتعد عن المعاصي والموبقات ، فان ذلك يعطيه الشعور بالامن والاطمئنان وراحة الضمير والقناعة بما قسم الله ، وهي عناصر السعادة الحقيقيه . هو يؤمن ان الحياة الدنيا هي دار ممر وليست دار مقر ، وان له هم واحد هو ارضاء خالقه ، بافعال الخير التي تنعكس ايجابيا على المجتمع الذي يعيش فيه ، يشعر بالسعادة في اسعاد الاخرين ، يشعر بالسعادة في العطاء وتأدية الواجب . يعرف ان دوره في الحياة هو اعمار الارض بالسعي في طلب الرزق بطرقه المشروعه بعيدا عن اللهاث وركض الوحوش ، يدرك انه لا بد ان يحيا حياة كريمه معتدله ، ياخذ نصيبه من الدنيا دون اسراف او تبذير . يعيش الوسطية ، فلا افراط في المتع الزائله ، ولا تفريط في حق من حقوق الله او حقوق العباد .
يدرك ان في الحياة مطبات والتواءات ، فليست الحياة في منهج الله وردية لا مشاكل فيها ، وهذه المشاكل والصعوبات والابتلاءات هي من سنن الله في الخلق ، ولكن المؤمن يواجه مشاكل الحياة بالاستعانة بالله تعالى ، و بذلك يبقى مطمئناً سعيداً ، ولن تسبب له هذه المشاكل الحزن و الغم و الكآبة ، بل يعيش سعيداً في كل أحواله . عن صهيب قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم " عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ ، وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ : إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ ، وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا لهُ " رواهُ مُسْلِمٌ . فهو يتطلع دائما الى السعادة الابديه في الاخره وهي همه الاكبر .
ان الشعور بالامن والطمأنينه هو اهم عامل من عوامل السعادة ، وذلك لا يتأتى الا اذا اخلص الانسان دينه لله قولا وعملا ، ولا يلبس ايمانه بظلم ، ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ( 82 ) ( الانعام ) ، والظلم هنا الشرك وما يترتب عليه من تبعات ، كربط مصيره بالتوكل على الاخرين ، فالاخلاص في الدين لله تعالى والانقياد له وحده ، هو اساس السعادة في الدنيا والآخره ، اما العوامل الماديه والصحة الجسديه والطريق الى النجاح في تحقيق اهداف معينه ، فهي بلا شك من مفردات السعاده ، ولكن المؤمن لا يقع فريسة لها ، بل يجعل منها جزءا محركا ، وعاملا من العوامل المساعده له في مسار الحياه نحو السعاده ، فان همه هو مرضاة خالقه عز وجل اولا واخيرا - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من اضحى آمناً في سربه ، معافى في جسده ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ) ؟ اللهم اجعلنا من سعداء الدنيا والآخره يا ارحم الراحمين .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق