روايتي " اعترافات ظل" ج١٣ /رضا يونس
انصرفت حصة، وإذا بهما يطوق الخجل حبيبتيهما، فينظران- كل منهما إلى الآخر- نظرات متقطعة خجولة، قطع ذلك الخجل، عزف الفرقة الموسيقية مقطوعة موسيقية للعندليب" أول مرة تحب يا قلبي" شجعتهما فانتصب خجلهما، وانتصبت معه تلك الجفون كأنهن يناجين حلما مشتركًا، وبدأ طارق أطراف الحديث:
- نورت الكويت يا نادين..
- بل الدنيا كلها نورت بك يا كابتن طارق..
- هل تعلمين أنني كتبت تقريرًا للاتحاد الدولي عن مجمل الدورة التدريبية، وذيلتها بتوصية؛ لاختيارك، محاضرا دوليا في مؤتمرات تدريبية دولية قريبة ..
- يالها من مفاجأة، لم أتوقعها!! مازلتَ يا كابتن طارق، تخطو بي نحو أمل لا حد لبصري باجتيازه..
- أنت نموذجٌ رياضيٌ وإنسانيٌ نادرًا أن يتكرر..
- أتمنى أن أكون مثلك أسير على دربك وأكون عند حسن ظنك يا ملهمي ..
- نادين...
ترتسم ابتسامة عريضة على محياها، أبانت عن حسن وسحر لا يقاوم، وكأن البدر قد تربع على عرش عينيها الساحرتين..
- نعم يا مستر طارق..
- لاحظت طفلين بصحبة حصة في استقبالك المرة السابقة..
- نعم طفلاي يا كابتن، كريمة وزكريا..
بدا عليه الانزعاج قليلا، فقد كان يتخيل أنها مازالت فتاةً لم ترتبط بعد.. شعر أنه تجاوز وتسرع في إزالة خجله عنها، فأعاد إلى ملامحه بعضا من حياءٍ كان قد غادره منذ دقائق..
- وأين والد الطفلين؟!
- أنا منفصلة يا كابتن منذ شهور قليلة..
- أعتذر، ما كنت أقصد، أن أسبب لك حرجا من تلك الذكرى السيئة.
- لا عليك، انتهى كل شيء، كانت تجربة قاسية بكعنى الكلمة.. سبع سنين عجفاف..
وجدت نفسها تقصص عليه حكايتها تفصيليا دون أن يطلب هو ذلك، وهو يرمقها بكل حواسه، وكأنه تمثال يسمع ويرى..
تابعت:
-وهأنذا الآن أبدأ من جديد، ويبدو يا مستر أنك صاحب بداياتي السعيدة دائما، وأتمنى ألا تتخلى عن حلمي وأنا أشكل ملامحه، وألَّا تتسبب من جديد في ذبولي..
- نادين أنا....
- أنت ماذا يا كابتن طارق؟
يبدو أن عقدة أصابت لسانه، فبدلا من أن يُسِرَّها بتلك الدقات التي تكادُ تخرق في صدره خرقا لتغادر حصنه البكر، إلى رفيقٍ غضٍّ يزيلُ ذلك الجليدَ الذي أحاط بقمةِ جمودِه، لكن عقله الذي مازال يصيحُ، منعه من الاقتراب من تلك الياسمينة ذات العبق النادر، فهو خمسيني الحول، ذو هيئة غادرت سنيَّ الشباب عما قليل.. لم يهتم كثيرا بنفسه، ولا بمظهره، أهمل كل شيء، حتى أن وليمة الكبر قد أوشكت أن تقضي على بعض من بقايا أطلال شباب مال، ولم يبقَ منه سوى القليل وسينقضُّ عما قليل.
إذًا سيظلم تلك الريحانة بما يُسِرَّه لها.. ومن الأفضل له ولها أن يظل ذلك الراعي، المؤتمن، الخافظ لعهودها..
- كابتن طارق.. هل تودُّ أن تقولَ شيئا؟!
- أنا..أنا... نعم.. لا لا..والعرق يتصببُ من جبينِهِ ووتينِهِ..
- مابك يا كابتن.. كابتن..كابتن
حراراته تزدادُ لهيبًا، أصابته حمى، فهو بين شقي الرحى، أيُسِرَّها بتلك النبضات الكهربية الغير ساكنة؛ فتضيع منه للأبد، أم يكبت ذلك الشلال الهادر الذي يصرخ من قلبه، فيصيب كل خلاياه؟...
زاده ذلك اضطرابا،أصابته حمى، لم يشعر بنفسه سوى ونادين تضع يدها على جبينه، وهو مستلقٍ على أريكةٍ، نظر حوله، فوجد نفسه في غرفة استقبال في أحد المستشفيات، ونادين قد شحب وجهها، واكاسى صفرة،؛ خوفا من أن يصيبه مكروهٌ، وحصةٌ تقفُ على مسافةٍ..
- أين أنا، وماذا حدث؟!
الطبيب:
- أصابتك حمى مفاجئة سيدى، ففقدتَ على إثرها الوعي، والحمدلله صرتَ بخيرٍ، وعُدت إلى وعيك وطبيعتك، يمكنك المغادرة الآن، حمدلله على سلامتك..
خرج بصحبة نادين وحصة، التي أوصلته لمسكنه، ومن ثم استاذنتاه، نظرت نادين إليه بعين القلق'
- هل ستكون بخير؟
- اطمئني، سأكون بخير..
- سأهاتفك بعد قليل..
- في حفظ الله يا كابتن نادين.
أحست نادين بما يكتمه، وتسبب في انهيار صموده، ولولا أن الموقف لا يسمح، لمنحته بعض إشارات تهدأ من روعة، وتبشره بما تحمله له..
يبدو أنه لا يعرف نادين الشابة، وما تزال ذاكرته تحمل ذكريات للكفلة المدللة الرقيقة، والتي كانت دائما تريد الأفضل من الأفضل..
استأذن حصة ودخلت غرفتها، ثم هاتفته:
- طارق!!!
طارق!! ماذا قالت، يبدو أنه مازال يعاني آثار الحمى فهُيِّأَ له أنها تدعوه باسمه مجردا ..فليذهب ليرش وجهه بحفنة من ماء بارد ليفيق..
- طارق..
مجددا، ما هذه الهلاوس!!
- نادين، أنت تنادينني؟
- نعم يا طارق.
- هل قلت طارقًا؟
- نعم طارق، دعني اطمئن عليك، لا تجعلني أشعر بالقلق.
- أنا بخير. الآن قد شفيت وتعافيت.
- ما رأيك أن نلتقي غدًا في نفس المكان عند السادسة مساء..
- نادين، حقًا!!
- أحتاجك صامدا يا رجل!!!
-منحتني الحياة، دمت لي حياة، فوجودك يا أيتها الفراشة أحيا وجودي.
- في أمان الله يا طارق..
متعلقا بالهاتف، لا يريد أن يفارقه
ثم أخذ يدندن:
يا أيها العشاقُ أفتونِي في قدرِي
إنِّي أرَانِي أُراوِدُ المسَّ يغْشَانِي
فالقلبُ في مِحرابِ العشقِ يأتمِرِ
والعقلُ يقسو باللاءَاتِ ينهانِي
والروحُ حيْرَى بينَ الشمسِ والقمر ِ
والآهِ للآهِ بين ذكرَى ونسيانِ
انصرفت حصة، وإذا بهما يطوق الخجل حبيبتيهما، فينظران- كل منهما إلى الآخر- نظرات متقطعة خجولة، قطع ذلك الخجل، عزف الفرقة الموسيقية مقطوعة موسيقية للعندليب" أول مرة تحب يا قلبي" شجعتهما فانتصب خجلهما، وانتصبت معه تلك الجفون كأنهن يناجين حلما مشتركًا، وبدأ طارق أطراف الحديث:
- نورت الكويت يا نادين..
- بل الدنيا كلها نورت بك يا كابتن طارق..
- هل تعلمين أنني كتبت تقريرًا للاتحاد الدولي عن مجمل الدورة التدريبية، وذيلتها بتوصية؛ لاختيارك، محاضرا دوليا في مؤتمرات تدريبية دولية قريبة ..
- يالها من مفاجأة، لم أتوقعها!! مازلتَ يا كابتن طارق، تخطو بي نحو أمل لا حد لبصري باجتيازه..
- أنت نموذجٌ رياضيٌ وإنسانيٌ نادرًا أن يتكرر..
- أتمنى أن أكون مثلك أسير على دربك وأكون عند حسن ظنك يا ملهمي ..
- نادين...
ترتسم ابتسامة عريضة على محياها، أبانت عن حسن وسحر لا يقاوم، وكأن البدر قد تربع على عرش عينيها الساحرتين..
- نعم يا مستر طارق..
- لاحظت طفلين بصحبة حصة في استقبالك المرة السابقة..
- نعم طفلاي يا كابتن، كريمة وزكريا..
بدا عليه الانزعاج قليلا، فقد كان يتخيل أنها مازالت فتاةً لم ترتبط بعد.. شعر أنه تجاوز وتسرع في إزالة خجله عنها، فأعاد إلى ملامحه بعضا من حياءٍ كان قد غادره منذ دقائق..
- وأين والد الطفلين؟!
- أنا منفصلة يا كابتن منذ شهور قليلة..
- أعتذر، ما كنت أقصد، أن أسبب لك حرجا من تلك الذكرى السيئة.
- لا عليك، انتهى كل شيء، كانت تجربة قاسية بكعنى الكلمة.. سبع سنين عجفاف..
وجدت نفسها تقصص عليه حكايتها تفصيليا دون أن يطلب هو ذلك، وهو يرمقها بكل حواسه، وكأنه تمثال يسمع ويرى..
تابعت:
-وهأنذا الآن أبدأ من جديد، ويبدو يا مستر أنك صاحب بداياتي السعيدة دائما، وأتمنى ألا تتخلى عن حلمي وأنا أشكل ملامحه، وألَّا تتسبب من جديد في ذبولي..
- نادين أنا....
- أنت ماذا يا كابتن طارق؟
يبدو أن عقدة أصابت لسانه، فبدلا من أن يُسِرَّها بتلك الدقات التي تكادُ تخرق في صدره خرقا لتغادر حصنه البكر، إلى رفيقٍ غضٍّ يزيلُ ذلك الجليدَ الذي أحاط بقمةِ جمودِه، لكن عقله الذي مازال يصيحُ، منعه من الاقتراب من تلك الياسمينة ذات العبق النادر، فهو خمسيني الحول، ذو هيئة غادرت سنيَّ الشباب عما قليل.. لم يهتم كثيرا بنفسه، ولا بمظهره، أهمل كل شيء، حتى أن وليمة الكبر قد أوشكت أن تقضي على بعض من بقايا أطلال شباب مال، ولم يبقَ منه سوى القليل وسينقضُّ عما قليل.
إذًا سيظلم تلك الريحانة بما يُسِرَّه لها.. ومن الأفضل له ولها أن يظل ذلك الراعي، المؤتمن، الخافظ لعهودها..
- كابتن طارق.. هل تودُّ أن تقولَ شيئا؟!
- أنا..أنا... نعم.. لا لا..والعرق يتصببُ من جبينِهِ ووتينِهِ..
- مابك يا كابتن.. كابتن..كابتن
حراراته تزدادُ لهيبًا، أصابته حمى، فهو بين شقي الرحى، أيُسِرَّها بتلك النبضات الكهربية الغير ساكنة؛ فتضيع منه للأبد، أم يكبت ذلك الشلال الهادر الذي يصرخ من قلبه، فيصيب كل خلاياه؟...
زاده ذلك اضطرابا،أصابته حمى، لم يشعر بنفسه سوى ونادين تضع يدها على جبينه، وهو مستلقٍ على أريكةٍ، نظر حوله، فوجد نفسه في غرفة استقبال في أحد المستشفيات، ونادين قد شحب وجهها، واكاسى صفرة،؛ خوفا من أن يصيبه مكروهٌ، وحصةٌ تقفُ على مسافةٍ..
- أين أنا، وماذا حدث؟!
الطبيب:
- أصابتك حمى مفاجئة سيدى، ففقدتَ على إثرها الوعي، والحمدلله صرتَ بخيرٍ، وعُدت إلى وعيك وطبيعتك، يمكنك المغادرة الآن، حمدلله على سلامتك..
خرج بصحبة نادين وحصة، التي أوصلته لمسكنه، ومن ثم استاذنتاه، نظرت نادين إليه بعين القلق'
- هل ستكون بخير؟
- اطمئني، سأكون بخير..
- سأهاتفك بعد قليل..
- في حفظ الله يا كابتن نادين.
أحست نادين بما يكتمه، وتسبب في انهيار صموده، ولولا أن الموقف لا يسمح، لمنحته بعض إشارات تهدأ من روعة، وتبشره بما تحمله له..
يبدو أنه لا يعرف نادين الشابة، وما تزال ذاكرته تحمل ذكريات للكفلة المدللة الرقيقة، والتي كانت دائما تريد الأفضل من الأفضل..
استأذن حصة ودخلت غرفتها، ثم هاتفته:
- طارق!!!
طارق!! ماذا قالت، يبدو أنه مازال يعاني آثار الحمى فهُيِّأَ له أنها تدعوه باسمه مجردا ..فليذهب ليرش وجهه بحفنة من ماء بارد ليفيق..
- طارق..
مجددا، ما هذه الهلاوس!!
- نادين، أنت تنادينني؟
- نعم يا طارق.
- هل قلت طارقًا؟
- نعم طارق، دعني اطمئن عليك، لا تجعلني أشعر بالقلق.
- أنا بخير. الآن قد شفيت وتعافيت.
- ما رأيك أن نلتقي غدًا في نفس المكان عند السادسة مساء..
- نادين، حقًا!!
- أحتاجك صامدا يا رجل!!!
-منحتني الحياة، دمت لي حياة، فوجودك يا أيتها الفراشة أحيا وجودي.
- في أمان الله يا طارق..
متعلقا بالهاتف، لا يريد أن يفارقه
ثم أخذ يدندن:
يا أيها العشاقُ أفتونِي في قدرِي
إنِّي أرَانِي أُراوِدُ المسَّ يغْشَانِي
فالقلبُ في مِحرابِ العشقِ يأتمِرِ
والعقلُ يقسو باللاءَاتِ ينهانِي
والروحُ حيْرَى بينَ الشمسِ والقمر ِ
والآهِ للآهِ بين ذكرَى ونسيانِ

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق